2 - بَاب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ . وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ يَعْنِي الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ 6724 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلَا تَحَسَّسُوا ، وَلَا تَجَسَّسُوا ، وَلَا تَبَاغَضُوا ، وَلَا تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ . وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : تَعَلَّمُوا قَبْلَ الظَّانِّينَ ، يَعْنِي الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ ) هَذَا الْأَثَرُ لَمْ أَظْفَرْ بِهِ مَوْصُولًا ، وَقَوْلُهُ : قَبْلَ الظَّانِّينَ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ النُّصُوصِ وَلَا يَتَجَاوَزُونَهَا ، وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ الْفَتْوَى بِالرَّأْيِ فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ ، وَفِيهِ إِنْذَارٌ بِوُقُوعِ مَا حَصَلَ مِنْ كَثْرَةِ الْقَائِلِينَ بِالرَّأْيِ ، وَقِيلَ : مُرَادُهُ قَبْلَ انْدِرَاسِ الْعِلْمِ وَحُدُوثُ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِمُقْتَضَى ظَنِّهِ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ إِلَى عِلْمٍ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَإِنَّمَا خَصَّ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ عُقْبَةَ بِالْفَرَائِضِ لأَنَّهَا أَدْخَلُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا; لِأَنَّ الْفَرَائِضَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ وَانْحِسَامُ وُجُوهِ الرَّأْيِ وَالْخَوْضُ فِيهَا بِالظَّنِّ لَا انْضِبَاطَ لَهُ ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ ؛ فَإِنَّ لِلرَّأْيِ فِيهَا مَجَالًا وَالِانْضِبَاطَ فِيهَا مُمْكِنٌ غَالِبًا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا التَّقْرِيرِ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَقِيلَ : وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْعَمَلِ بِالظَّنِّ يَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ وَذَلِكَ فَرْعُ تَعَلُّمِهِ ، وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ يُؤْخَذُ غَالِبًا بِطَرِيقِ الْعِلْمِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ : لَمَّا كَانَ فِي الْحَدِيثِ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا يُؤْخَذُ مِنْهُ تَعَلُّمُ الْفَرَائِضِ لِيُعْلَمَ الْأَخُ الْوَارِثُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ ، وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الِاثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا . وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ ، إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : إِنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَالِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَسْعُودٍ ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي أَسَانِيدِهَا عَنْهُ أَيْضًا اخْتِلَافٌ ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدٍ الْحِمَّانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ ، أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَخْتَصِمُ الرَّجُلَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا وَرَاشِدٌ مَقْبُولٌ لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ مَجْهُولٌ . وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا : تَعْلَمُوا الْفَرَائِضَ كَمَا تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا أَيْضًا : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَتَعَلَّمِ الْفَرَائِضَ وَرِجَالُهَا ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ فِي أَسَانِيدِهَا انْقِطَاعًا . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : لَفْظُ النِّصْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ إِذْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ : إِنَّهُ يُبْتَلَى بِهِ كُلُّ النَّاسِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لِأَنَّ لَهُمْ حَالَتَيْنِ ؛ حَالَةَ حَيَاةٍ وَحَالَةَ مَوْتٍ وَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَوْتِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تُتَلَقَّى مِنَ النُّصُوصِ ، وَمِنَ الْقِيَاسِ ، وَالْفَرَائِضُ لَا تُتَلَقَّى إِلَّا مِنَ النُّصُوصِ كَمَا تَقَدَّمَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْأَدَبِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى ، وَفِيهِ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالظَّنِّ هُنَا وَأَنَّهُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إِلَى أَصْلٍ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ ظَنُّ السُّوءِ بِالْمُسْلِمِ ، وَابْنُ طَاوُسٍ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ · ص 6 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تعليم الفرائض · ص 231 باب تعليم الفرائض أي هذا باب في بيان تعليم الفرائض ، قيل : لا وجه لدخول هذا في هذا الباب ، ورد بأنه حث على تعليم العلم ومن العلم الفرائض ، وقد ورد حديث في الحث على تعليم الفرائض ولكن لم يكن على شرطه ، فلذلك لم يذكره ، وهو ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما . وقال عقبة بن عامر : تعلموا قبل الظانين يعني الذين يتكلمون بالظن . عقبة بالقاف ابن عامر الجهني والي مصر من قبل معاوية ، وليها سنة أربع وأربعين ثم عزله بمسلمة بن مخلد ، وجمع له معاوية بين مصر والمغرب ، مات سنة اثنتين وستين بالمدينة ، وقيل : بمصر . وقال ابن يونس : توفي بإسكندرية ، وكان عقبة ابتنى بمصر دارا . وقال أبو عمر : توفي في آخر خلافة معاوية ، وقال الواقدي : ودفن في المقطم ، وقال خليفة : توفي سنة ثمان وخمسين . قوله : تعلموا أي العلم ، حذف مفعوله ليشمل كل علم ، ويدخل فيه علم الفرائض أيضا ، وهذا وجه المناسبة ، وبهذا يرد كلام التوضيح حيث قال : وأما كلام عقبة والحديث الذي بعده فلا مناسبة بينهما لما ذكره . قلت : من له أدنى فهم يقول بالمناسبة لما ذكرنا على أنه يجوز أن يكون مراد عقبة من قوله : تعلموا أي علم الفرائض ، يريد به هذا العلم المخصوص شدة الاهتمام به لأن الحديث الذي ذكرناه الآن يدل على شدة الاعتناء بعلم الفرائض وبتعلمه وتعليمه ، وكيف لا وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم نصف العلم في حديث أبي هريرة ، رواه ابن ماجه عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها نصف العلم ، وهو أول شيء ينسى من أمتي . وروى الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العلم ثلاثة ، وما سوى ذلك فهو فضل آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة . قوله : قبل الظانين فسره بقوله : يعني الذين يتكلمون بالظن ، قال الكرماني : أي قبل اندراس العلم والعلماء وحدوث الذين لا يعلمون شيئا ويتكلمون بمقتضى ظنونهم الفاسدة . 2 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا وهيب ، حدثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ، ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا . مطابقته لأثر عقبة ظاهرة في قوله : إياكم والظن ، و وهيب مصغر وهب هو ابن خالد البصري ، يروي عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في كتاب النكاح في باب لا يخطب على خطبة أخيه . قوله : إياكم والظن معناه : اجتنبوه ، قال المهلب : هذا الظن ليس هو الاجتهاد على الظن وإنما هو الظن المنهي عنه في الكتاب والسنة وهو الذي لا يستند إلى أصل . وقال الكرماني : والأظهر أن المراد به ظن السوء بالمسلمين لا ما يتعلق بالأحكام ، قوله : أكذب الحديث ، قيل : الكذب لا يقبل الزيادة والنقصان ، فكيف جاء منه أفعل التفضيل ؟ وأجيب بأن معناه الظن أكثر كذبا من سائر الأحاديث ، قيل : الظن ليس بحديث ، وأجيب بأنه حديث نفساني ومعناه الحديث الذي منشؤه الظن أكثر كذبا من غيره . وقال الخطابي : أي الظن منشأ أكثر الكذب ، و لا تجسسوا بالجيم وهو ما تطلبه لغيرك ، و لا تحسسوا بالحاء وهو ما تطلبه لنفسك . وقيل : التجسس بالجيم البحث عن بواطن الأمور ، وأكثر ما يقال ذلك في الشر ، وقيل : بالجيم في الخير وبالحاء في الشر ، وقال الجرمي : معناهما واحد وهما تطلب معرفة الأخبار ، قوله : ولا تدابروا أي ولا تقاطعوا ولا تهاجروا .