19 - بَاب فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ 6806 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ، إِمَامٌ عَادِلٌ ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ فِي خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسْجِدِ ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا قَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ ، وَهِيَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا ، وَكَذَا الْفَحْشَاءُ وَالْفُحْشُ وَمِنْهُ الْكَلَامُ الْفَاحِشُ ، وَيُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى الزِّنَا فَاحِشَةً وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَأُطْلِقَتْ عَلَى اللِّوَاطِ بِاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ فِي قَوْلِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِقَوْمِهِ : أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ حَدُّهُ حَدَّ الزَّانِي عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَزَعَمَ الْحَلِيمِيُّ أَنَّ الْفَاحِشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْكَبِيرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ : وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ إِلَى نَفْسِهَا فَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ تَعَالَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ مَنْ وَقَعَ لَهُ نَحْوُهَا كَالَّذِي دَعَا شَابًّا جَمِيلًا لِأَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَةً لَهُ جَمِيلَةً كَثِيرَةَ الْجِهَازِ جِدًّا لِيَنَالَ مِنْهُ الْفَاحِشَةَ ، فَعَفَا الشَّابُّ عَنْ ذَلِكَ ، وَتَرَكَ الْمَالَ وَالْجَمَالَ ؛ وَقَدْ شَاهَدْتُ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ السَّنَدِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ مُقَاتِلٍ مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ . قُلْتُ : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ الْخَاصُّ عِنْدَ ابْنِ سَلَّامٍ ، وَالَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْغَسَّانِيُّ قَاعِدَةً فِي تَفْسِيرِ مَنْ أُبْهِمَ وَاسْتَمَرَّ إِبْهَامُهُ ، فَيَكُونُ كَثْرَةُ أَخْذِهِ وَمُلَازَمَتِهِ قَرِينَةً فِي تَعْيِينِهِ ، أَمَّا إِذَا أَوْرَدَ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ فَلَا . وَقَدْ صَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ ، أَبُو ذَرٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ شُيُوخِهِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَأَبِي الْوَقْتِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ مَنْ تَرَكَ الْفَوَاحِشَ · ص 115 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد · ص 58 الحَدِيْث الثاني : 660 - حدثنا مُحَمَّد بْن بشار : ثنا يَحْيَى ، عَن عُبَيْدِ الله ، قَالَ : حَدَّثَنِي خبيب بن عَبْد الرحمن ، عَن حفص بْن عاصم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( سبعة يظلهم الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله : الإمام العادل ، وشاب نشأ فِي عُبَادَة ربه عز وجل ، ورجل قلبه متعلق فِي المساجد ، ورجلان تحابا فِي الله اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ ، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال ، فَقَالَ : إني أخاف الله ، ورجل تصدق ، أخفى حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه ، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) . هذه السبعة اختلفت أعمالهم فِي الصورة ، وجمعها معنى واحد ، وَهُوَ مجاهدتهم لأنفسهم ، ومخالفتهم لأهوائها ، وذلك يحتاج أولاً إلى رياضة شديدة وصبر عَلَى الامتناع مِمَّا يدعو إليه داعي الشهوة أو الغضب أو الطمع ، وفي تجشم ذَلِكَ مشقة شديدة عَلَى النفس ، ويحصل لها بِهِ تألم عظيم ، فإن القلب يكاد يحترق من حر نار الشهوة أو الغضب عِنْدَ هيجانها إذا لَمْ يطفأ ببلوغ الغرض من ذَلِكَ ، فلا جرم كَانَ ثواب الصبر عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذا اشتد الحر فِي الموقف ، ولم يكن للناس ظل يظلهم ويقيهم حر الشمس يومئذ ، كان هؤلاء السبعة فِي ظل الله عز وجل ، فَلَمْ يجدوا لحر الموقف ألماً جزاءً لصبرهم عَلَى حر نار الشهوة والغضب فِي الدنيا . وأول هذه السبعة : الإمام العادل . وَهُوَ أقرب النَّاس من الله يوم القيامة ، وَهُوَ عَلَى منبر من نور عَلَى يمين الرحمن عز وجل ، وذلك جزاء لمخالفته الهوى ، وصبره عَن تنفيذ مَا تدعوه إليه شهواته وطمعه وغضبه ، مَعَ قدرته عَلَى بلوغ غرضه من ذَلِكَ ؛ فإن الإمام العادل دعته الدنيا كلها إلى نفسها ، فقالَ : إني أخاف الله رب العالمين . وهذا أنفع الخلق لعباد الله ، فإنه إذا صلح صلحت الرعية كلها . وقد روي أَنَّهُ ظل الله فِي الأرض ؛ لأن الخلق كلهم يستظلون بظله ، فإذا عدل فيهم أظله الله فِي ظله . والثاني : الشاب الَّذِي نشأ فِي عُبَادَة الله عز وجل . فإن الشباب شعبة من الجنون ، وَهُوَ داع للنفس إلى استيفاء الغرض من شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة ، فمن سلم مِنْهُ فَقَدْ سلم . وفي الحَدِيْث : ( عجب ربك من شاب ليست لَهُ صبوة ) . وفي بعض الآثار ، يَقُول الله : ( أيها الشاب التارك شهوته ، المتبذل شبابه من أجلي ، أنت عندي كبعض ملائكتي ) . والثالث : الرَّجُلُ المعلق قلبه بالمساجد . وفي رِوَايَة : ( إذا خرج مِنْهُ حَتَّى يعود إِلَيْهِ ) ، فهو يحب المسجد ويألفه لعبادة الله فِيهِ ، فإذا خرج مِنْهُ تعلق قلبه بِهِ حَتَّى يرجع إِلَيْهِ ، وهذا إنما يحصل لمن ملك نفسه وقادها إلى طاعة الله فانقادت لَهُ ؛ فإن الهوى إنما يدعو إلى محبة مواضع الهوى واللعب ، إما المباح أو المحظور ، ومواضع التجارة واكتساب الأموال ، فلا يقصر نفسه عَلَى محبة بقاع العبادة إلا من خالف هواه ، وقدم عَلِيهِ محبة مولاه . وقد مدح عمار المساجد فِي قوله : بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ وفي ( المسند ) و ( سنن ابن ماجه ) من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا توطن رَجُل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله بِهِ كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم ) . وروى ابن لهيعة ، عَن دراج ، عَن أَبِي الهيثم ، عَن أَبِي سَعِيد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من ألف المسجد ألفه الله ) . ويروى عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب ، قَالَ : من جلس فِي المسجد فإنما يجالس ربه عز وجل . الرابع : المتحابان فِي الله عز وجل . فإن الهوى داع إلى التحاب فِي غير الله ؛ لما فِي ذَلِكَ من طوع النفس أغراضها من الدنيا ، فالمتحابان فِي الله جاهدا أنفسهما فِي مخالفة الهوى حَتَّى صار تحابهما وتوادهما فِي الله من غير غرض دنيوي يشوبه ، وهذا عزيز جداً . ولن يتحابا فِي الله حَتَّى يجتمعا فِي الدنيا فِي ظل الله المعنوي ، وَهُوَ تأليف قلوبهما عَلَى طاعة الله ، وإيثار مرضاته وطلب مَا عنده ، فلهذا اجتمعا يوم القيامة فِي ظل الله الحسي . وقوله : ( اجتمعا عَلَى ذَلِكَ وتفرقا عَلِيهِ ) يحتمل أَنَّهُ يريد : أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله حَتَّى فرق بَيْنَهُمَا الموت فِي الدنيا أو غيبة أحدهما عَن الآخر ، ويحتمل أَنَّهُ أراد أنهما اجتمعا عَلَى التحاب فِي الله ، فإن تغير أحدهما عما كَانَ عَلِيهِ مِمَّا توجب محبته فِي الله فارقه الآخر بسبب ذَلِكَ ، فيدور تحاببهما عَلَى طاعة الله وجوداً وعدماً . قَالَ بعض السلف : إذا كَانَ لَكَ أخ تحبه فِي الله فأحدث حدثاً فَلَمْ تبغضه فِي الله لَمْ تكن محبتك لله ، أو هَذَا المعنى . الخامس : رَجُل دعته امرأة ذات منصب وجمال . ويعني بالمنصب : النسب والشرف والرفعة فِي الدنيا ، فإذا اجتمع ذَلِكَ مَعَ الجمال فَقَدْ كمل الأمر وقويت الرغبة ، فإن كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ هِيَ الطالبة الداعية إلى نفسها ، كَانَ أعظم وأعظم ، فإن الامتناع بعد ذَلِكَ كله دليل عَلَى تقديم خوف الله عَلَى هوى النفس ، وصاحبه داخل فِي قوله تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى وهذا كما جرى ليوسف عَلِيهِ السلام . قَالَ عُبَيْدِ بْن عمير : من صدق الإيمان وبره إسباغ الوضوء فِي المكاره ، ومن صدق الإيمان وبره أن يخلو الرَّجُلُ بالمرأة الجميلة فيدعها ، لا يدعها إلا لله عز وجل . ومثل هَذَا إذا قَالَ : ( إني أخاف الله ) فهو صادق فِي قوله ؛ لأن عمله مصدق لقوله ، وقوله لها : ( إني أخاف الله ) موعظة لها ، فربما تنْزجر عَن طلبها ، وترجع عَن غيها . وقد وقع ذَلِكَ لغير واحدٍ ، وفيه حكايات مذكورة فِي كِتَاب ( ذم الهوى ) وغيره . السادس : رَجُل تصدق بصدقة فاجتهد فِي إخفائها غاية الاجتهاد حَتَّى لَمْ يعلم بِهِ إلا الله . وضرب المثال لذلك عَلَى طريق المبالغة : ( حَتَّى لا تعلم شماله مَا تنفق يمينه ) . وهذا دليل عَلَى قوة الإيمان والاكتفاء باطلاع الله عَلَى العبد وعلمه بِهِ ، وفيه مخالفة للهوى ومجاهدة للنفس ؛ فإنها تحب إظهار الصدقة ، والتمدح بِهَا عِنْدَ الخلق ، فيحتاج فِي إخفاء الصدقة إلى قوة شديدةٍ تخالف هوى النفس . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حَدِيْث أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لما خلق الله الأرض جعلت تميد ، فخلق الجبال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت ، فعجبت الملائكة من خلق الجبال ، فقالوا : يَا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الجبال ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الحديد ، قالوا : يَا رب ، فهل شيء من خلقك أشد من الحديد ؟ قَالَ : نَعَمْ ، النار ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من النار ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الماء ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الماء ؟ قَالَ : نَعَمْ ، الريح ، قالوا : يا رب ، فهل من خلقك شيء أشد من الريح ؟ قَالَ : نَعَمْ ، ابن آدم ؛ يتصدق بيمينه يخفيها من شماله ) . السابع : رَجُل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه . فهذا رَجُل يخشى الله فِي سره ، ويراقبه فِي خلوته ، وأفضلُ الأعمال خشية الله فِي السر والعلانية ، وخشية الله فِي السر إنما تصدر عَن قوة إيمان ومجاهدةٍ للنفس والهوى ، فإن الهوى يدعو فِي الخلوة إلى المعاصي ، ولهذا قيل : إن من أعز الأشياء الورع فِي الخلوة . وذكر الله يشمل ذكر عظمته وبطشه وانتقامه وعقابه ؛ والبكاء الناشئ عَن هَذَا هُوَ بكاء الخوف ، ويشمل ذكر جماله وكماله وبره ولطفه وكرامته لأوليائه بأنواع البر والألطاف ، لا سيما برؤيته فِي الجنة ، والبكاء الناشئ عَن هَذَا هُوَ بكاء الشوق . ويدخل فِيه - أيضاً - : رَجُل ذكر أن الله مَعَهُ حيثما كَانَ ، فتذكر معيته وقربه واطلاعه عَلِيهِ حيث كَانَ يبكي حياء مِنْهُ ، وَهُوَ من نوع الخوف أيضاً . وخرج الطبراني بإسناد فِيهِ ضعف ، عَن أَبِي أمامة مرفوعاً : ( ثَلاَثَة فِي ظل الله يوم لا ظل إلا ظله : رَجُل حيث توجه علم أن الله مَعَهُ ) . وهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن هؤلاء السبعة يظلهم الله فِي ظله ، ولا يدل عَلَى الحصر ، ولا عَلَى أن غيرهم لا يحصل لَهُ ذَلِكَ ؛ فإنه صح عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن من أنظر معسراً أو وضع عَنْهُ أظله الله فِي ظله يوم لا ظل إلا ظله ) . خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي اليسر الأنصاري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من نفس عَن غريمه أو محا عَنْهُ كَانَ فِي ظل العرش يوم القيامة ) . وهذا يدل عَلَى أن المراد بظل الله : ظل عرشه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل من ترك الفواحش · ص 286 باب فضل من ترك الفواحش أي هذا باب في بيان فضل من ترك الفواحش جمع فاحشة ، وهي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلا أو قولا ، وكذا الفحشاء والفحش ، ومنه الكلام الفاحش ، ويطلق غالبا على الزنا ، ومنه قوله عز وجل : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً 5 - حدثنا محمد بن سلام ، أخبرنا عبد الله ، عن عبيد الله بن عمر ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل ذكر الله في خلاء ففاضت عيناه ، ورجل قلبه معلق في المسجد ، ورجلان تحابا في الله ، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها قال : إني أخاف الله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ورجل دعته امرأة إلى قوله : ورجل تصدق ولا يخفى فضل هذا عند الله تعالى . قوله : حدثنا محمد بن سلام ويروى : حدثني محمد بن سلام ، وقد وقع في غالب النسخ محمد غير منسوب ، فقال أبو علي الغساني : وقع في رواية الأصيلي محمد بن مقاتل ، وفي رواية القابسي محمد بن سلام ، قال الكرماني : والأول هو الصواب . قلت : لأنه قال : حدثنا محمد ، أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك ، ومحمد بن مقاتل مشهور بالرواية عنه ، وكلاهما مروزيان ، وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وخبيب بضم الخاء المعجمة ، وفتح الباء الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، ثم باء موحدة ابن عبد الرحمن بن خبيب الأنصاري المدني ، وحفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في الزكاة عن مسدد ، وفي الصلاة ، وفي الرقاق عن محمد بن بشار ، ومضى الكلام فيه . قوله : إلا ظله إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة تشريف ؛ إذ الظل الحقيقي هو منزه عنه ؛ لأنه من خواص الأجسام ، وقيل ثمة محذوف ، أي ظل عرشه ، وقيل المراد منه الكنف من المكاره في ذلك الموقف الذي تدنو الشمس منهم ، ويشتد عليهم الحر ، ويأخذهم العرق ، يقال : فلان في ظل فلان ، أي في كنفه وحمايته ، قوله : عادل هو الواضع كل شيء في موضعه قوله : وشاب قيل لم يقل رجل لأن العبادة في الشاب أشق وأشد لغلبة الشهوات ، قوله : في خلاء أي في موضع هو وحده ، إذ لا يكون فيه شائبة الرياء ، قوله : ففاضت عيناه قيل : العين لا تفيض بل الدمع ، وأجيب بأنه أسند الفيض إليها مبالغة كقوله تعالى : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ قوله : في المسجد أي بالمسجد ، ومعناه شديد الملازمة للجماعة فيه ، قوله : تحابا أصله تحاببا أدغمت الباء في الباء ، قال الكرماني : هو نحو تباعدا لا نحو تجاهلا ، قوله : في الله أي بسببه ، كما ورد في النفس المؤمنة مائة من إبل ، أي بسببها ، أي لا تكون المحبة لغرض دنيوي ، قوله : ذات منصب أي ذات حسب ونسب ، وخصصها بالذكر لكثرة الرغبة فيها ، قوله : لا تعلم يجوز بالرفع والنصب ، وذكر اليمين والشمال مبالغة في الإخفاء أي لو قدرت الشمال رجلا متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغته في الإسرار ، وهذا في صدقة التطوع .