15 - بَاب مَنْ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ 626 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ : ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ . وَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَنْدُوبٌ إِلَى إِحْرَازِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَارِكَ الْإِمَامَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَقِيلَ : يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْمَسْجِدِ هُوَ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِقَامَةَ مِنْ دَارِهِ فَانْتِظَارُهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لَهَا كَانْتِظَارِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ ) أَيْ فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ ، هَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ . وَمَعْنَاهُ : صَبَّ الْأَذَانَ وَأَفْرَغَهُ فِي الْآذَانِ ، وَمِنْهُ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي كَلَامًا حَسَنَا . اهـ . وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَقَالَ : إِنَّ سُوَيْدَ بْنَ نَصْرٍ - رَاوِيَهَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ - ضَبَطَهَا بِالْمُوَحَّدَةِ . وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ فَجَزَمَ أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَكَذَا ضَبَطَهَا فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهَا بِالْمُثَنَّاةِ ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا تَصْحِيفٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ ( بِالْأُولَى أَيْ عَنِ الْأُولَى ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسَكَتَ يُقَالُ : سَكَتَ عَنْ كَذَا إِذَا تَرَكَهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْأُولَى الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَهُوَ أَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ ، وَثَانٍ بِاعْتِبَارِ الْأَذَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَجَاءَهُ التَّأْنِيثُ إِمَّا مِنْ قِبَلِ مُؤَاخَاتِهِ لِلْإِقَامَةِ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمُنَادَاةَ أَوِ الدَّعْوَةَ التَّامَّةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوَنَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ ، وَالتَّقْدِيرُ : إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمَرَّةِ الْأُولَى أَوْ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى . ( تَنْبِيهٌ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ بَعْدَ النِّدَاءِ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِنْ رَأَى أَهْلَ الْمَسْجِدِ قَلِيلًا جَلَسَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا ثُمَّ يُصَلِّي ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ مَعَ إِرْسَالِهِ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ تَعَارُضٌ ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصُّبْحِ ، أَوْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ وَيَخْرُجَ مَعَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ ( يَسْتَبِينُ بِمُوَحَّدَةٍ وَآخِرُهُ نُونٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ يَسْتَنِيرُ بِنُونٍ وَآخِرُهُ رَاءٌ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ · ص 129 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من انتظر الإقامة · ص 531 15 - باب من انتظر الإقامة 626 - حدثنا أبو اليمان : أبنا شعيب ، عن الزهري : أبنا عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . قول عائشة : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سكت المؤذن ) - أي : فرغ من أذانه . قولها : ( بالأولى [من] صلاة الفجر ) - تعني : بالمرة الأولى . وهذا يحتمل أن تكون أرادت به أنه كان يصلي الركعتين قبل فراغ المؤذن من أذانه قبل الإقامة ، فإن الأذان والإقامة يسميان أذانين ، كما في حديث عبد الله بن مغفل المتقدم ، ويحتمل أن تكون أرادت أن الأذان نفسه كان يكرر مرتين ، فيؤذن بلال وبعده ابن أم مكتوم ، فكانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد بلال قبل أذان ابن أم مكتوم ، إذا تبين الفجر للنبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، ولم يتوقف على أذان ابن أم مكتوم ، فإن ابن أم مكتوم كان يسفر بأذان الفجر ، ولا يؤذن حتى يقال له : أصبحت . فإن قيل : فكيف أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأكل في الصيام إلى أذان ابن أم مكتوم ، والأكل يحرم بمجرد طلوع الفجر ؟ وقد روي في حديث أنيسة : أنهم كانوا يأمرونه أن يؤخر الأذان حتى يكملوا السحور . قيل : هذا مما أشكل فهمه على كثير من الناس ، وقد تأول بعضهم قولهم لابن أم مكتوم : أصبحت ، أصبحت على أن المراد قاربت الصباح [بعد تبين طلوع الفجر لا تحرم في وقت طلوعه سواء] . والأحاديث والآثار المروية عن الصحابة في هذا المعنى كثيرة جدا . وليس هذا قول الكوفيين الذين كانوا يستحبون الأكل والشرب إلى انتشار الضوء على وجه الأرض ؛ فإن ذلك قول شاذ منكر عند جمهور العلماء ، وستأتي المسألة في موضعها مبسوطة - إن شاء الله تعالى . وسيأتي الكلام على الاضطجاع بعد صلاة ركعتي الفجر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وإنما المقصود هنا : قولها : ( حتى يأتيه المؤذن للإقامة ) ؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة ، وأن يؤخر دخول المسجد خارجا منه حتى تقام الصلاة ، فيدخل حينئذ . وهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب ، وأراد بذلك مخالفة من كره انتظار الإقامة ، فإن طائفة من السلف كرهوه وغلظوا . حتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه قال : هو هرب من دين محمد والإسلام . وقد كرهه من المتأخرين من أصحابنا ، وقالوا : يكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة أن يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة ، ذلك تفوت به فضيلة السبق إلى المسجد وانتظار الصلاة فيه ، ولحقوق الصف الأول . وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التهجير إلى الصلاة ، وهو القصد إلى المساجد في الهجير ، إما قبل الأذان أو بعده ، كما ندب إلى التهجير إلى الجمعة : انتظار الصلاة بعد الصلاة ، وقال للذين انتظروه إلى قريب من شطر الليل لصلاة العشاء : ( إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ) . وقد كان كثير من السلف يأتي المسجد قبل الأذان ، منهم : سعيد بن المسيب ، وكان الإمام أحمد يفعله في صلاة الفجر . وقال ابن عيينة : لا تكن مثل أجير السوء ، لا يأتي حتى يدعى . يشير إلى أنه يستحب إتيان المسجد قبل أن ينادي المؤذن . وقال بعض السلف في قول الله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ إنهم أول الناس خروجا إلى المسجد وإلى الجهاد . وفي قوله : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ قال مكحول : التكبيرة الأولى مع الإمام . وقال غيره : التكبيرة الأولى والصف الأول . قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا بين العلماء أن من بكر وانتظر الصلاة ، وإن لم يصل في الصف الأول أفضل ممن تأخر ، وإن صلى في الصف الأول . وروى المعافى ، عن سفيان الثوري ، قال : مجيئك إلى الصلاة قبل الإقامة توقير للصلاة . فمن كان فارغا لا شغل له ، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد ، أو قريبا منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخل المسجد ، وخصوصا إن كان على غير طهارة ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة ، فهو مقصر راغب عن الفضائل المندوب إليها . ولكن هذا كله في حق المأموم ، وقد تقدم من حديث أبي المثنى ، عن ابن عمر ، قال : كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته . وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - . فأما الإمام ، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذنه بالصلاة ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس ، فهذا غير مكروه بالإجماع ، وهذه كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - . وفي حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ركعتي الفجر ، واضطجع حتى يأتيه المؤذن بالإقامة ؛ فإن الإقامة إنما تكون بإذن الإمام ، أو عند خروجه إلى الناس ، بخلاف الأذان . وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه . وقال علي : المؤذن أملك بالأذان ، والإمام أملك بالإقامة . خرجه البيهقي . وقال : روي من حديث أبي هريرة - مرفوعا ، وليس بمحفوظ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من انتظر الإقامة · ص 140 ( باب من انتظر الإقامة ) أي هذا باب في بيان من سمع الأذان وانتظر إقامة الصلاة ، والظاهر من وضع هذا الباب الإشارة إلى أن ذلك مختص بالإمام ؛ لأن المأموم يستحب أن يحوز الصف الأول : ويمكن أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريبا من المسجد بحيث يسمع الإقامة من منزله ، فإنه إذا كان متهيئًا للصلاة كان انتظاره لها كانتظاره إياها وهو في المسجد . 22 - حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير ، أن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ، ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم اضطجع على شقه الأيمن " إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع. الثاني : شعيب بن أبي حمزة. الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. الرابع : عروة بن الزبير بن العوام. الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار كذلك في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضعين ، وفي رواته حمصيان ومدنيان . وأخرجه النسائي في الصلاة أيضا عن عمرو بن منصور عن علي بن عياش كلاهما عن شعيب به . ( ذكر معناه ) قوله : " إذا سكت المؤذن " أي : إذا فرغ من الأذان بالسكوت عنه هكذا في رواية الجمهور المعتمدة بالتاء المثناة من فوق ، وحكى ابن التين بالباء الموحدة ، ومعناه صب الأذان في الآذان جمع الأذان ، واستعير الصب للإفاضة في الكلام ، وقال ابن قرقول : ورويناه عن الخطابي : " سكب المؤذن " بالباء الموحدة قال : ورأيت بخط أبي علي الجياني عن أبي مروان سكب وسكت بمعنى وابن الأثير لم يذكر غير الباء الموحدة ، وقال : أرادت إذا أذن فاستعير السكب للإفاضة في الكلام كما يقال : أفرغ في أذني حديثا ، أي : ألقى وصب ، وقال الصاغاني في ( العباب ) أيضا بالباء الموحدة ، وذكر أن المحدثين صحفوها بالمثناة ، وقال بعضهم : وليس كما قال . ( قلت ) : لم يبين وجه الرد عليه وليس الصاغاني ممن يرد عليه في مثل هذا ، وقال ابن بطال والسفاقسي : إن هذه رواية ابن المبارك عن الأوزاعي ، عن الزهري قالا : ولها وجه من الصواب . ( قلت ) : بل هو عين الصواب لأن سكت بالتاء المثناة من فوق لا يستعمل بالباء الموحدة بل يستعمل بكلمة من أو عن ، وسكب بالباء الموحدة استعمل هنا بالباء . ( فإن قلت ) : الباء تجيء بمعنى عن كما في قوله تعالى : فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا أي : عنه . ( قلت ) : الأصل أن يستعمل كل حرف في بابه ولا يستعمل في غير بابه إلا لنكتة وأي نكتة هنا ؟ قوله : " بالأولى " مراده الأذان الأول لأنه أول بالنسبة إلى الإقامة ، ولكنه أنثه باعتبار المناداة ، والأذان الأول الذي يؤذن به عند دخول الوقت وهو أول بالنسبة إلى الإقامة وثان بالنسبة إلى الأذان الذي قبل الفجر ، ويجوز أن يؤول الأولى بالمرة الأولى وبالساعة الأولى . قوله : " بعد أن يستبين الفجر " من الاستبانة وهو الظهور ، ويروى يستنير من الاستنارة ، ويروى يستيقن . قوله : " على شقه " أي : على جنبه الأيمن قال الكرماني : والحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم لأن القلب من جهة اليسار متعلق حينئذ غير مستقر ، وإذا نام على اليسار كان في دعة واستراحة فيستغرق ، وأيضا يكون انحدار الثقل إلى سفل أسهل وأكثر فيصير سببا لدغدغة قضاء الحاجة ، فينتبه في أسرع وقت . ( قلت ) : لا يستحسن هذا الكلام في حقه عليه الصلاة والسلام ، وإنما يمشي في حق غيره والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في كل شيء وجميع ما صدر عنه من قول وفعل كان على أحسن الوجوه وأفضلها وأكملها ، وأيضا النوم على اليمين نوم الصالحين وعلى اليسار نوم الحكماء ، وعلى الظهر نوم الجبارين والمتكبرين ، وعلى الوجه نوم الكفار . ( ذكر ما يستنبط منه ) فيه استحباب التخفيف في سنة الفجر ، واستحب قوم تخفيفها وهو مذهب مالك والشافعي في آخرين ، وقال النخعي واختاره الطحاوي : لا بأس بإطالتها ، ولعله أراد بذلك غير محرم ، وفي ( مصنف ) ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أطال ركعتي الفجر " وقال مجاهد : لا بأس أن يطيل ركعتي الفجر ، وبالغ قوم فقالوا : لا قراءة فيها ، حكاه عياض والطحاوي والحديث الصحيح يرد ذلك وهو : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ، و قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثانية بالفاتحة ، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وفي رواية ابن عباس كان يقرأ فيهما قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وبقوله : قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ واستحب مالك الاقتصار على الفاتحة على ظاهر قول عائشة كان يخففهما حتى إني لأقول قد قرأ فيهما بأم الكتاب ، وفي ( فضائل القرآن العظيم ) لأبي العباس الغافقي : " أمر رجلا شكا إليه شيئا أن يقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة ألم نشرح ، وفي الثانية بالفاتحة وسورة ألم تر كيف " . وفيه استحباب الاضطجاع على الأيمن عند النوم وهو سنة عند البعض واجب عند الحسن البصري ، وذكر القاضي عياض أن عند مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة بدعة . ( قلت ) : يعني الاضطجاع بعد ركعتي الفجر وفي ( سنن أبي داود ) والترمذي بإسناد صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه " واعلم أنه ثبت في الصحيح " أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين " فهذا الاضطجاع كان بعد صلاة الليل وقبل صلاة ركعتي الفجر ، ولم يقل أحد : إن الاضطجاع قبلهما سنة فكذا بعدهما ، وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " إن كنت مستيقظة حدثني وإلا اضطجع " فهذا يدل على أنه ليس بسنة وأنه تارة كان يضطجع قبل وتارة بعد وتارة لا يضطجع . وفيه : استحباب إتيان المؤذن إلى الإمام الراتب وإعلامه بحضور الصلاة . وفيه : دلالة على أن الانتظار للصلاة في البيت كالانتظار في المسجد إذ لو لم يكن كذلك لخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ليأخذ لنفسه بحظها من فضيلة الانتظار . وفيه : أن مراعاة الوقت للمؤذن ، وأن الإمام يجعل إليه ذلك ، وقال الداودي : في حديث عائشة دلالة أن المؤذن لا يكون إلا عالما بالأوقات أو يكون له من يعرفه بها . وفيه تعجيل ركعتي الفجر عند طلوع الفجر وقد كره جماعة من العلماء منهم أصحابنا التنفل بعد أذان الفجر إلى صلاة الفجر بأكثر من ركعتي الفجر لما في مسلم عن حفصة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين " وعند أبي داود عن يسار مولى ابن عمر قال : رآني عبد الله وأنا أصلي بعد طلوع الفجر فقال : يا يسار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة فقال : لا تصلوا بعد الفجر إلا ركعتين ، وقال أبو عيسى : حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قدامة بن موسى ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم ، كرهوا أن يصلي الرجل بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر ، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد ، ولأصحاب الشافعي فيه ثلاثة أوجه : أحدها : مثل الجماعة. الثاني : لا تدخل الكراهة حتى يصلي سنة الفجر. الثالث : لا تدخل الكراهة حتى يصلي الصبح ، وقال النووي : وهو الصحيح والله تعالى أعلم .