بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 87 ) كِتَاب الدِّيَاتِ 1 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ 6861 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ . قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَصْدِيقَهَا : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا الْآيَةَ قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الدِّيَاتِ ) بِتَخْفِيفِ التَّحْتَانِيَّةِ ، جَمْعُ دِيَةٍ مِثْلُ عِدَاتٍ وَعِدَةٍ ، وَأَصْلُهَا وَدْيَةٌ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الدَّالِ تَقُولُ : وَدَى الْقَتلَ يَدِيهِ إِذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ دِيَتَهُ ، وَهِيَ مَا جُعِلَ فِي مُقَابَلَةِ النَّفْسِ ، وَسُمِّيَ دِيَةً تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ وَفَاؤُهَا مَحْذُوفَةٌ وَالْهَاءُ عِوَضٌ وَفِي الْأَمْرِ : دِ الْقَتِيلَ ، بِدَالٍ مَكْسُورَةٍ حَسْبُ فَإِنْ وَقَفْتَ قُلْتَ : دِهْ ، وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِصَاصِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ عَلَى مَالٍ فَتَكُونُ الدِّيَةُ أَشْمَلَ ، وَتَرْجَمَ غَيْرُهُ كِتَابَ الْقِصَاصِ وَأَدْخَلَ تَحْتَهُ الدِّيَاتِ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعَمْدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ كَذَا لِلْجَمِيعِ ، لَكِنْ سَقَطَتِ الْوَاوُ الْأُولَى لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَتِهِ . وَأَخْرَجَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَجَبَتْ ، حَتَّى نَزَلَ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . قُلْتُ : وَعَلَى ذَلِكَ عَوَّلَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُبَادَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْقَتْلَ وَالزِّنَا وَغَيْرَهُمَا وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ثُمَّ قَتَلَ الْمُكَمِّلَ مِائَةً وَقَدْ مَضَى فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ إِثْمِ الزُّنَاةِ ، وَقَوْلُهُ : أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَا مَفْهُومَ لَهُ لِأَنَّ الْقَتْلَ مُطْلَقًا أَعْظَمُ . قُلْتُ : لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الذَّنْبُ أَعْظَمَ مِنْ غَيْرِهِ وَبَعْضُ أَفْرَادِهِ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضٍ ، ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَجْهُ كَوْنِهِ أَعْظَمَ أَنَّهُ جَمَعَ مَعَ الْقَتْلِ ضَعْفَ الِاعْتِقَادِ فِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ · ص 193 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 30 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الديات . أي هذا باب في بيان أحكام الديات ، وهو جمع دية ، أصلها ودى من وديت القتيل أديه دية إذا أعطيت ديته ، واتديت أي أخذت ديته ، فحذفت الواو منه ، وعوض عنها الهاء ، وإذا أردت الأمر منه تقول : د ، بكسر الدال أصله أود ، فحذفت الواو منه تبعا لفعله فصار أد ، واستغني عن الهمزة ، فحذفت فصار د على وزن ع ، فتقول : د ، ديا ، دوا ، دي ديا دين ، ويجوز إدخال هاء السكت في أمر الواحد فيقال : ده ، كما يقال : قه في ق الذي هو أمر يقي وفي المغرب : الدية مصدر ودى القتيل إذا أعطى وليه ديته ، وأصل التركيب على معنى الجري والخروج ، ومنه الوادي لأن الماء يدي فيه أي يجري فيه ، فإن قلت : ترجم غير البخاري كتاب القصاص ، وأدخل تحته الديات ، والبخاري بالعكس ، قلت : ترجمته أعم من ترجمة غيره لأن ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتشمله الدية . وقول الله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ وقول الله بالجر عطف على قوله : الديات هذا على وجود الواو أي في قول الله وعلى قول أبي ذر ، والنسفي بدون الواو ، وكذا قول الله فيكون حينئذ مرفوعا على الابتداء وخبره هو قوله : وَمَنْ يَقْتُلْ فإن قلت : ما وجه تصدير هذه الترجمة بهذه الآية ؟ قلت : لأن فيها وعيدا شديدا عند القتل متعمدا بغير حق فإن من فعل هذا وصولح عليه بمال فتشمله الدية ، وإذا احترز الشخص عن ذلك فلا يحتاج إلى شيء ، واختلف العلماء في تأويل هذه الآية هل للقاتل توبة في ذلك أم لا ؟ فروي عن ابن مسعود ، وابن عباس وزيد بن ثابت ، وابن عمر : أنه لا توبة له وأنها غير منسوخة ، وأنها نزلت بعد الآية التي في الفرقان التي فيها توبة القاتل بستة أشهر ، ونزلت آية الفرقان في أهل الشرك ونزلت آية النساء في المؤمنين ، وروى سعيد بن المسيب أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سأله رجل : إني قتلت فهل لي من توبة ؟ قال : تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة أبدا ، وذكره ابن أبي شيبة أيضا عن أبي هريرة ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي الدرداء ، وروي عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر : للقاتل توبة ، من طرق لا يحتج بها ، واحتج أهل السنة بأن القاتل في مشيئة الله بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه ذكر بيعة العقبة ، وفيه : من أصاب ذنبا فأمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه وإلى هذا ذهب جماعة من التابعين وفقهاء الأمصار ، وقيل : الآية في حق المستحل ، وقيل : المراد بالخلود طول الإقامة . 1 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عمرو بن شرحبيل قال : قال عبد الله : قال رجل : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك ، قال : ثم أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك ، قال : ثم أي ؟ قال : ثم أن تزاني بحليلة جارك ، فأنزل الله عز وجل تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ الآية . مطابقته للترجمة للآية المذكورة في قوله : وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش هو سليمان ، وأبو وائل هو شقيق بن سلمة ، وعمرو بفتح العين ابن شرحبيل بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف الهمداني الكوفي ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . والحديث مضى في التفسير عن عثمان بن أبي شيبة ، وفي الأدب عن محمد بن كثير ، وسيجيء في التوحيد أيضا ، ومضى الكلام فيه . قوله : ندا بكسر النون وتشديد الدال المهملة وهو النظير والمثل وكذلك النديد ، قوله : وهو خلقك الواو فيه للحال ، قوله : ثم أي بفتح الهمزة وتشديد الياء أي ثم أي ذنب بعد ذلك ، قوله : خشية أن يطعم أي لأجل خشية أن يطعم معك ، قيل : القتل مطلقا أعظم فما وجه هذا التقييد ؟ وأجيب بأنه خرج مخرج الغالب إذ كانت عادتهم ذلك ، وهذا المفهوم لا اعتبار له ، وجواب آخر وهو أن فيه شيئين القتل وضعف الاعتقاد في أن الله هو الرزاق ، وهذا نظير قوله : تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وقوله تعالى : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ قوله : بحليلة أي بزوجة جارك وهو بفتح الحاء المهملة ، وفيه الزنا والخيانة مع الجار الذي أوصى الله بحفظ حقه ، قوله : فأنزل الله تصديقها أي تصديق هذه الأشياء المذكورة في سورة الفرقان وهو قوله عز وجل : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلى آخر الآية ، قوله : الآية أي اقرأ تمام الآية يَلْقَ أَثَامًا قال مجاهد : الأثام واد في جهنم ، وقال سيبويه والخليل : أي يلق جزاء الأثام ، وقال القتبي : الأثام العقوبة .