7 - بَاب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ الْظَالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ . وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبْدَكَ أَوْ لتُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً وَتَحُلُّ عُقْدَةً أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ . وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ : لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ لَمْ يَسَعْهُ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ : إِنْ قِيلَ لَهُ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ ابْنَكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ : الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ . وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِامْرَأَتِهِ : هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي اللَّهِ . وَقَالَ النَّخَعِيُّ : إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ . 6951 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ . وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ ) جَوَابُ الشَّرْطِ يَأْتِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَذَلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ فَإِنَّهُ ) أَيِ الْمُسْلِمَ ( يَذُبُّ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَدْفَعُ ( عَنْهُ الظَّالِمَ وَيُقَاتِلُ دُونَهُ ) أَيْ عَنْهُ ( وَلَا يَخْذُلُهُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى يَمِينٍ إِنْ لَمْ يَحْلِفْهَا قُتِلَ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ يَحْنَثُ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ فَلَمَّا تَرَكَ التَّوْرِيَةَ صَارَ قَاصِدًا لِلْيَمِينِ فَيَحْنَثُ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ إِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْيَمِينِ فَنِيَّتُهُ مُخَالِفَةٌ لِقَوْلِهِ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ الْمَظْلُومِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : أَرَادَ لَا قَوَدَ وَلَا دِيَةَ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ ، قَالَ وَالدِّيَةُ تُسَمَّى أَرْشًا . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى أَنَّ قَوْلَهُ : وَلَا قِصَاصَ تَأْكِيدٌ ، أَوْ أَطْلَقَ الْقَوَدَ عَلَى الدِّيَةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَاتَلَ عَنْ رَجُلٍ خَشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُقْتَلَ فَقُتِلَ دُونَهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَفِيهِ وَلَا يُسْلِمُهُ وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ انْصُرْ أَخَاكَ وَبِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ يُشْبِهُ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ النَّدْبَ إِلَى النَّصْرِ وَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ بِالْقَتْلِ ، وَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى تَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ دَفْعُ الظُّلْمِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهُ ، فَإِذَا دَافَعَ عَنْهُ لَا يَقْصِدُ قَتْلَ الظَّالِمِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ دَفْعَهُ فَلَوْ أَتَى الدَّفْعُ عَلَى الظَّالِمِ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ دَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَتبِيعَنَّ عَبْدَكَ أَوْ لَتُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ هِبَةً أَوْ تَحُلُّ عُقْدَةً أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَسِعَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْمُرَادُ بِحَلِّ الْعُقْدَةِ فَسْخُهَا وَقُيِّدَ الْأَخُ بِالْإِسْلَامِ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنَ الْقَرِيبِ وَسِعَهُ ذَلِكَ أَيْ جَازَ لَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ لِيُخَلِّصَ أَبَاهُ وَأَخَاهُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ مَا مُلَخَّصُهُ : مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ مَنْ هُدِّدَ بِقَتْلِ وَالِدِهِ أَوْ بِقَتْلِ أَخِيهِ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنَ الْمَعَاصِي أَوْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَوْ يَهَبْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ أَوْ يَحُلُّ عَقْدًا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ جَمِيعَ مَا هُدِّدَ بِهِ لِيَنْجُوَ أَبُوهُ مِنَ الْقَتْلِ وَكَذَا أَخُوهُ الْمُسْلِمُ مِنَ الظُّلْمِ وَدَلِيلُهُ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مَوْصُولًا وَمُعَلَّقًا ، وَنَبَّهَ ابْنُ التِّينِ عَلَى وَهْمٍ وَقَعَ لِلدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ حَاصِلُهُ أَنَّ الدَّاوُدِيَّ وَهِمَ فِي إِيرَادِ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ فَجَعَلَ قَوْلَهُ : لَتَقْتُلَنَّ بِالتَّاءِ وَجَعَلَ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ وَسِعَهُ ذَلِكَ لَمْ يَسَعْهُ ذَلِكَ ثُمَّ تَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ إِنْ أَرَادَ لَا يَسَعُهُ فِي قَتْلِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ فَصَوَابٌ ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ وَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ فَلَا يَلْزَمُ ، وَاخْتُلِفَ فِي الشُّرْبِ وَالْأَكْلِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : قَرَأَ لَتَقْتُلَنَّ بِتَاءِ الْمُخَاطَبَةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالنُّونِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةَ أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ لَمْ يَسَعْهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ : إِنْ قِيلَ لَهُ لَتَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ لَتَبِيعَنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ لَتُقِرَّنَّ بِدَيْنٍ أَوْ بِهِبَةٍ يَلْزَمُهُ فِي الْقِيَاسِ ، وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَكُلُّ عُقْدَةٍ فِي ذَلِكَ بَاطِلٌ ) . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَاهُ أَنَّ ظَالِمًا لَوْ أَرَادَ قَتْلَ رَجُلٍ فَقَالَ لِوَلَدِ الرَّجُلِ مَثَلًا إِنْ لَمْ تَشْرَبِ الْخَمْرَ أَوْ تَأْكُلِ الْمَيْتَةَ قَتَلْتُ أَبَاكَ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ قَتَلْتُ ابْنَكَ أَوْ ذَا رَحِمٍ لَكَ فَفَعَلَ لَمْ يَأْثَمْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْثَمُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْإِنْسَانِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ لَا فِي غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ حَتَّى يَدْفَعَ عَنْ غَيْرِهِ بَلِ اللَّهُ سَائِلٌ الظَّالِمَ وَلَا يُؤَاخَذُ الِابْنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الدَّفْعِ إِلَّا بِارْتِكَابِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ ارْتِكَابُهُ ، قَالَ : وَنَظِيرُهُ فِي الْقِيَاسِ مَا لَوْ قَالَ إِنْ لَمْ تَبِعْ عَبْدَكَ أَوْ تُقِرَّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبْ هِبَةً أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَنْعَقِدُ ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَكِبَ الْمَعْصِيَةَ فِي الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهِ . ثُمَّ نَاقَضَ هَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ : وَلَكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُقُودِ كُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ ، فَخَالَفَ قِيَاسَ قَوْلِهِ بِالِاسْتِحْسَانِ الَّذِي ذَكَرَهُ ، فَلِذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ فَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهِ بِغَيْرِ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، يَعْنِي أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذِي الرَحِمٍ بِخِلَافِ مَذْهَبِهِمْ فِي الْأَجْنَبِيِّ ، فَلَوْ قِيلَ لِرَجُلٍ : لَتقْتُلَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الْأَجْنَبِيَّ أَوْ لَتَبِيعَنَّ كَذَا فَفَعَلَ لِيُنَجِّيَهُ مِنَ الْقَتْلِ لَزِمَهُ الْبَيْعُ ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ فِي ذِي رَحِمِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا عَقَدَهُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ اللُّزُومُ فِي الْجَمِيعِ قِيَاسًا لَكِنْ يُسْتَثْنَى مَنْ لَهُ مِنْهُ رَحِمٌ اسْتِحْسَانًا ، وَرَأَى الْبُخَارِيُّ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ : الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لَا النَّسَبِ ، وَلِذَلِكَ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ هَذِهِ أُخْتِي ، وَالْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَإِلَّا فَنِكَاحُ الْأُخْتِ كَانَ حَرَامًا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ، وَهَذِهِ الْأُخُوَّةُ تُوجِبُ حِمَايَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَالدَّفْعَ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا عَقَدَهُ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ لِلدَّفْعِ عَنْهُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا أَوْ لَنقْتُلَنَّكَ فإنه يَسَعُهُ إِتْيَانُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَرَّرَ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ بِأَنْ يُقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُضْطَرٍّ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَالتَّخْيِيرُ يُنَافِي الْإِكْرَاهَ ، فَكَمَا لَا إِكْرَاهَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَهِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْقَتْلُ كَذَلِكَ لَا إِكْرَاهَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْعِتْقُ ، فَحَيْثُ قَالُوا بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ اسْتِحْسَانًا فَقَدْ نَاقَضُوا إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِالْإِكْرَاهِ وَقَدْ قَالُوا بِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ . قُلْتُ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ الْإِكْرَاهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا أَثْبَتُوهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فِي الْجَمِيعِ لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا فِي أَمْرِ الْمَحْرَمِ لِمَعْنًى قَامَ بِهِ ، وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ التَّقْرِيرِ فِي أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَوْ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَأَنَّهَا أَمْثِلَةٌ لَا مِثَالٌ وَاحِدٌ ثُمَّ قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : وَقَوْلُهُ أَيِ الْبُخَارِيُّ إِنَّ تَفْرِيقَهُمْ بَيْنَ الْمَحْرَمِ وَغَيْرِهِ شَيْءٌ قَالُوهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ أَيْ لَيْسَ فِيهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي بَابِ الْإِكْرَاهِ ، وَهُوَ أَيْضًا كَلَامٌ اسْتِحْسَانِيٌّ ، قَالَ : وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ غَيْرُ مُنَاسِبَةٍ لِوَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ إِذْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ فَنِّهِ . قُلْتُ : وَهُوَ عَجَبٌ مِنْهُ لِأَنَّ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ إِيرَادَ الْأَحَادِيثِ نَقْلًا صِرْفًا بَلْ ظَاهِرُ وَضْعِهِ أَنَّهُ يُجْعَلُ كِتَابًا جَامِعًا لِلْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا ، وَفِقْهُهُ فِي تَرَاجِمِهِ ، فَلِذَلِكَ يُورِدِ فِيهِ كَثِيرًا الِاخْتِلَافَ الْعَالِيَ وَيُرَجِّحُ أَحْيَانًا وَيَسْكُتُ أَحْيَانًا تَوَقُّفًا عَنِ الْجَزْمِ بِالْحُكْمِ وَيُورِدُ كَثِيرًا مِنِ التَّفَاسِيرِ وَيُشِيرُ فِيهِ إِلَى كَثِيرٍ مِنِ الْعِلَلِ وَتَرْجِيحِ بَعْضِ الطُّرُقِ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِذَا أَوْرَدَ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْمَبَاحِثِ لَمْ تُسْتَغْرَبْ ، وَأَمَّا رَمْزُهُ إِلَى أَنَّ طَرِيقَةَ الْبَحْثِ لَيْسَتْ مِنْ فَنِّهِ . فَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا ، فَلِلْبُخَارِيِّ أُسْوَةٌ بِالْأَئِمَّةِ الَّذِينَ سَلَكَ طَرِيقَهُمْ كَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْحُمَيْدِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، فَهَذِهِ طَرِيقَتُهُمْ فِي الْبَحْثِ وَهِيَ مُحَصِّلَةٌ لِلْمَقْصُودِ وَإِنْ لَمْ يَعْرُجُوا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِامْرَأَتِهِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِسَارَّةَ . قَوْلُهُ : ( هَذِهِ أُخْتِي وَذَلِكَ فِي اللَّهِ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَسَارَّةَ مَعَ الْجَبَّارِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ وَذَلِكَ فِي اللَّهِ بَلْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ ثِنْتَانِ مِنْهُمَا فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ : إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الثَّالِثَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ : هَذِهِ أُخْتِي لَيْسَتْ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : وَذَلِكَ فِي اللَّهِ مِنْ كَلَامِ الْبُخَارِيِّ وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمَا مِنْ جِهَةِ مَحْضِ الْأَمْرِ الْإِلَهِيِّ بِخِلَافِ الثَّالِثَةِ فَإِنَّ فِيهَا شَائِبَةَ نَفْعٍ وَحَظٍّ لَهُ ، وَلَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي اللَّهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ تَوَصُّلِهِ بِذَلِكَ إِلَى السَّلَامَةِ مِمَّا أَرَادَهُ الْجَبَّارُ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّخَعِيُّ : إِذَا كَانَ الْمُسْتَحْلِفُ ظَالِمًا فَنِيَّةُ الْحَالِفِ ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَنِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ ) وَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ عَنْهُ بِلَفْظِ : إِذَا اسْتُحْلِفَ الرَّجُلُ وَهُوَ مَظْلُومٌ فَالْيَمِينُ عَلَى مَا نَوَى وَعَلَى مَا وَرَّى ، وَإِذَا كَانَ ظَالِمًا فَالْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ مَنِ اسْتَحْلَفَهُ ، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِلَفْظِ : إِذَا كَانَ الْحَالِفُ مَظْلُومًا فَلَهُ أَنْ يُوَرِّيَ ، وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَرِّيَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : قَوْلُ النَّخَعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَهُ نِيَّةُ الْمَظْلُومِ أَبَدًا . وَإِلَى مِثْلِهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ النِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ أَبَدًا . قُلْتُ : وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحَلِفَ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَاكِمِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى نِيَّةِ صَاحِبِ الْحَقِّ ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحُكْمِ فَالنِّيَّةُ نِيَّةُ الْحَالِفِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ الْمُسْتَحْلِفِ مَظْلُومًا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقٌّ فِي قِبَلِ رَجُلٍ فَيَجْحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَيَسْتَحْلِفُهُ فَتَكُونُ النِّيَّةُ نِيَّتَهُ لَا الْحَالِفِ فَلَا تَنْفَعُهُ فِي ذَلِكَ التَّوْرِيَةُ . ثم ذكر الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ وقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ مَشْرُوحًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ إِنَّهُ أَخُوهُ إِذَا خَافَ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ · ص 338 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه · ص 105 باب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه ، وكذلك كل مكره يخاف ، فإنه يذب عنه الظالم ، ويقاتل دونه ولا يخذله ، فإن قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص . أي هذا باب في بيان يمين الرجل أنه أخوه إذا خاف عليه القتل بأن يقتله ظالم إن لم يحلف اليمين الذي أكرهه الظالم عليها . قوله : أو نحوه أي أو نحوه القتل مثل قطع اليد أو قطع عضو من أعضائه . قوله : فإنه يذب بفتح الياء آخر الحروف وضم الذال المعجمة ، أي يدفع عنه الظالم ، ويروى المظالم جمع مظلمة ، ويروى ويدرء عنه الظالم أي يدفعه ويمنعه منه . قوله : ويقاتل دونه أي يقاتل عنه ولا يخذله أي لا يترك نصرته . قوله : فإن قاتل دون المظلوم أي عن المظلوم . قوله : فلا قود عليه ولا قصاص قال صاحب التوضيح : يريد ولا دية ؛ لأن الدية تسمى أرشا ، وقال الكرماني : لم كرر القود إذ هو القصاص بعينه ، ثم أجاب بأنه لا تكرار إذ القصاص أعم من أن يكون في النفس ، ويستعمل غالبا في القود ، أو هو تأكيد . قلت : في الجواب الثاني نظر لا يخفى ، وقال ابن بطال : ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه ، وقال الكوفيون : يحنث لأنه كان له أن يوري ، فلما ترك التورية صار قاصدا لليمين فيحنث . وإن قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتبيعن عبدك أو تقر بدين أو تهب هبة ، وكل عقدة أو لنقتلن أباك أو أخاك في الإسلام وسعه ذلك ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : المسلم أخو المسلم . أي إن قيل لرجل يعني لو قال رجل لرجل : لتشربن الخمر وأكرهه على ذلك ، أو قال لتأكلن الميتة وأكرهه على ذلك ، أو قال له : لتبيعن عبدك وأكرهه على ذلك ، وهذه الألفاظ الثلاثة كلها مؤكدة بالنون الثقيلة وباللامات المفتوحة في أوائلها . قوله : أو تقر أي أو قال له لتقر بدين لفلان وأكرهه على ذلك ، أو قال له : تهب هبة لفلان وأكرهه على ذلك . قوله : وكل عقدة لفظ كل مضافة إلى لفظ عقدة ، وهو مبتدأ وخبره محذوف ، أي كذلك نحو أن يقول : لتقرضن أو لتؤجرن ونحوهما ، ويروى أو تحل عقدة عطف على ما قبله ، وتحل فعل مضارع مخاطب من الحل بالحاء المهملة ، قال الكرماني : المراد بحل العقدة فسخها . قوله : أباك أو أخاك في الإسلام إنما قيد بالإسلام ليجعله أعم من الأخ القريب من النسب . قوله : وسعه ذلك أي جاز له لنقتلن أباك أو قال أي الأكل والشرب والإقرار والهبة لتخليص الأب والأخ في الدين يعني المؤمن عن القتل ، وقال ابن بطال : مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في الإسلام إن لم يفعل شيئا من المعاصي أو يقر على نفسه بدين ليس عليه أو يهب شيئا لغيره بغير طيب نفس منه أو يحل عقدا كالطلاق والعتاق بغير اختياره فله أن يفعل جميع ما هدده به لينجو أبوه من القتل ، وكذا أخوه المسلم . قوله : لقول النبي صلى الله عليه وسلم دليل قوله : أو أخاك في الإسلام ، وقد تقدم هذا الحديث في باب المظالم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه · ص 106 وقال بعض الناس : لو قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لنقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم لم يسعه لأن هذا ليس بمضطر ، ثم ناقض فقال : إن قيل له لنقتلن أباك أو ابنك أو لتبيعن هذا العبد أو تقر بدين أو تهب يلزمه في القياس ، ولكنا نستحسن ونقول : البيع والهبة وكل عقدة في ذلك باطل ، فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة . قيل أراد ببعض الناس الحنفية . قوله : لو قيل له أي قال ظالم لرجل وأراد قتل والده : لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة . قوله : أو لنقتلن ابنك أي أو قال : لنقتلن ابنك إن لم تفعل ما أقول لك . قوله : أو ذا رحم محرم أي أو قال لنقتلن ذا رحم محرم لك إن لم تفعل كذا ، والمحرم هو من لا يحل نكاحها أبدا لحرمته . قوله : لم يسعه أي لم يسعه أن يفعل ما أمره به ؛ لأنه ليس بمضطر في ذلك ؛ لأن الإكراه إنما يكون فيما يتوجه إلى الإنسان في خاصة نفسه لا في غيره ، وليس له أن يدفع بها معاصي غيره فإن فعل يأثم ، وعند الجمهور لا يأثم ، وقال الكرماني : يحتمل أن يقال إنه ليس بمضطر لأنه مخير في أمور متعددة ، والتخيير ينافي الإكراه ، وقال بعضهم : قوله : في أمور متعددة ليس كذلك بل الذي يظهر أن أو فيه للتنويع لا للتخيير وأنها أمثلة لا مثال واحد ، قلت : ما الذي يظهر أن أو فيه للتنويع ، بل هي للتخيير لأنها وقعت بعد الطلب . قوله : ثم ناقض الضمير فيه يرجع إلى بعض الناس بيان التناقض على زعمه أنهم قالوا بعدم الإكراه في الصورة الأولى ، وقالوا به في الصورة الثانية من حيث القياس ، ثم قالوا ببطلان البيع ونحوه استحسانا ، فقد ناقضوا إذ يلزم القول بالإكراه ، وقد قالوا بعدم الإكراه ، قلت : هذه المناقضة ممنوعة لأن المجتهد يجوز له أن يخالف قياس قوله بالاستحسان ، والاستحسان حجة عند الحنفية . قوله : فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة أراد به أن مذهب الحنفية في ذي الرحم بخلاف مذهبهم في الأجنبي ، فلو قيل لرجل لتقتلن هذا الرجل الأجنبي أو لتبيعن كذا ففعل لينجيه من القتل لزمه البيع ، ولو قيل له ذلك في ذي رحم محرم لم يلزمه ما عقده قلت هذا أيضا بطريق الاستحسان ، وهو غير خارج عن الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ وأما السنة فقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، وقال الكرماني : وما ذكره البخاري من أمثال هذهالمباحث غير مناسب لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه قلت أنكر عليه بعضهم هذا الكلام فقال للبخاري أسوة بالأئمة الذين سلك طريقهم كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق ، فهذه طريقتهم في البحث انتهى . قلت : لم يسلك أحد منهم فيما جمعه من الحديث خاصة هذا المسلك ، وإنما ذكروا في مؤلفات مشتملة على الأصول والفروع ، وإن ذكر أحد منهم هذه المباحث في كتب الحديث خاصة ، فالكلام عليه أيضا وارد على أن أحدا لا ينازع أن البخاري لا يساوي الشافعي في الفقه ولا في البحث عن مثل هذه المباحث . .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه · ص 107 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : قال إبراهيم لامرأته هذه أختي وذلك في الله . هذا استشهد به البخاري على عدم الفرق بين القريب والأجنبي في هذا الباب ، وبيان ذلك أن إبراهيم عليه السلام قال لامرأته وهي سارة ، وكذا في رواية الكشميهني : هذه أختي يعني في الإسلام ، فإذا كانت أخته في الإسلام وجبت عليه حمايتها والدفع عنها . قوله : وذلك في الله من كلام البخاري يعني . قوله : هذه أختي لإرادة التخلص فيما بينه وبين الله . قلت : فرقهم بين القريب والأجنبي ، أيضا استحسان لأنه إذا وجبت حماية أخيه المسلم في الدين على ما قالوا فحماية قريبه أوجب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه · ص 107 وقال النخعي إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف وإن كان مظلوما فنية المستحلف . أي قال إبراهيم النخعي : إذا كان المستحلف ظالما فالمعتبر نية الحالف ، وإن كان مظلوما فالمعتبر نية المستحلف . قيل : كيف يكون المستحلف مظلوما ؟ وأجيب بأن المدعي المحق إذا لم تكن له نية ويستحلفه المدعى عليه فهو مظلوم ، وأثر إبراهيم هذا وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار ، عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ : إذا استحلف الرجل ، وهو مظلوم فاليمين على ما نوى ، وعلى ما روى ، وإذا كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه ، وقال ابن بطال : قول النخعي يدل على أن النية عنده نية المظلوم أبدا ، وإلى مثله ذهب مالك والجمهور ، وعند أبي حنيفة النية نية الحالف أبدا ، وقال غيره : ومذهب الشافعي أن الحلف إذا كان عند الحاكم فالنية نية الحاكم ، وهي راجعة إلى نية صاحب الحق ، وإن كان في غير الحاكم فالنية نية الحالف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يمين الرجل لصاحبه إنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه · ص 107 11 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث عن عقيل ، عن ابن شهاب أن سالما أخبره أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته . مطابقته للترجمة من حيث إن المسلم تجب عليه حماية أخيه المسلم . والحديث قد مر في كتاب المظالم بعين هذا الإسناد بأتم منه . قوله ولا يسلمه من الإسلام ، وهو الخذلان . قوله : في حاجته أي في قضاء حاجته .