6 - بَاب : لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ 7068 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ : أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا يلقون مِنْ الْحَجَّاجِ ، فَقَالَ : اصْبِرُوا ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا والَّذِي بَعْدَهُ أشَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ؛ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ) كَذَا تَرْجَمَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ ؛ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَ( الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ بَعْدَهَا دَالٌ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ هَمْدَانِيٌّ بِسُكُونِ الْمِيمِ ، وَلِيَ قَضَاءَ الرَّيِّ وَيُكْنَى أَبَا عَدِيٍّ ، وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ يَلْتَبِسُ بِهِ رَاوٍ قَرِيبٍ مِنْ طَبَقَتِهِ وَهُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَرِبِيٍّ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ ، وَهُوَ اسْمٌ بِلَفْظِ النَّسَبِ - بَصْرِيٌّ يُكْنَى أَبَا سَلَمَةَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هُنَاكَ مِنْ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ . قَوْلُهُ : ( أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا يَلْقَوْنَ ) فِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فَشَكَوْا وَهُوَ عَلَى الْجَادَّةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ : نَشْكُوا بِنُونٍ بَدَلَ الْفَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : شَكَوْنَا إِلَى أَنَسٍ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ . قَوْلُهُ : ( مِنَ الْحَجَّاجِ ) ؛ أَيِ ابْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ الْأَمِيرِ الْمَشْهُورِ ، وَالْمُرَادُ شَكْوَاهُمْ مَا يَلْقَوْنَ مِنْ ظُلْمِهِ لَهُمْ وَتَعَدِّيهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ فِي الْمُوَفَّقِيَّاتِ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَانَ عُمَرُ فَمَنْ بَعْدَهُ إِذَا أَخَذُوا الْعَاصِيَ أَقَامُوهُ لِلنَّاسِ وَنَزَعُوا عِمَامَتَهُ ، فَلَمَّا كَانَ زِيَادٌ ضَرَبَ فِي الْجِنَايَاتِ بِالسِّيَاطِ ، ثُمَّ زَادَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَلْقَ اللِّحْيَةِ ، فَلَمَّا كَانَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ سَمَّرَ كَفَّ الْجَانِي بِمِسْمَارٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ قَالَ : هَذَا كُلُّهُ لَعِبٌ ، فَقَتَلَ بِالسَّيْفِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : اصْبِرُوا ) زَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ : اصْبِرُوا عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ : لَا يَأْتِيكُمْ عَامٌ . وَبِهَذَا اللَّفْظِ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ : لَيْسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ ، وَلَهُ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ : أَمْسٌ خَيْرٌ مِنَ الْيَوْمِ ، وَالْيَوْمُ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَقَطَتِ الْوَاوُ لِلْبَاقِينَ وَثَبَتَتْ لِابْنِ مَهْدِيٍّ . قَوْلُهُ : ( أَشَرُّ مِنْهُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ بِحَذْفِ الْأَلِفِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ شَرْحُ ابْنِ التِّينِ فَقَالَ : كَذَا وَقَعَ أَشَرُّ بِوَزْنِ أَفْعَلَ ، وَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : فُلَانٌ شَرٌّ مِنْ فُلَانٍ ، وَلَا يُقَالُ : أَشَرُّ ؛ إِلَّا فِي لُغَةٍ رَدِيئَةٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَسَدِيِّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ ، وَمِسْعَرٍ ، وَأَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ ؛ أَرْبَعَتُهُمْ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ بِلَفْظِ : لَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ إِلَّا شَرٌّ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ ، سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِلَفْظِ : إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ ، عَنْ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ ) ؛ أَيْ حَتَّى تَمُوتُوا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا . قَوْلُهُ : ( سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ : سَمِعْتُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا الْخَبَرُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَسَادِ الْأَحْوَالِ ، وَذَلِكَ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِالرَّأْيِ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْوَحْيِ ، انْتَهَى . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا الْإِطْلَاقُ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْأَزْمِنَةِ تَكُونُ فِي الشَّرِّ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَمَنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ بَعْدَ زَمَنِ الْحَجَّاجِ بِيَسِيرٍ ، وَقَدِ اشْتَهَرَ الْخَبَرُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، بَلْ لَوْ قِيلَ أنَّ الشَّرَّ اضْمَحَلَّ فِي زَمَانِهِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَرًّا مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ ، فَسُئِلَ عَنْ وُجُودِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَقَالَ : لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسٍ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّفْضِيلِ تَفْضِيلُ مَجْمُوعِ الْعَصْرِ عَلَى مَجْمُوعِ الْعَصْرِ ؛ فَإِنَّ عَصْرَ الْحَجَّاجِ كَانَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْيَاءِ وَفِي عَصْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ انْقَرَضُوا ، وَالزَّمَانُ الَّذِي فِيهِ الصَّحَابَةُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَوْلُهُ : أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . ثُمَّ وَجَدْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ التَّصْرِيحَ بِالْمُرَادِ وَهُوَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ، فَأَخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، لَسْتُ أَعْنِي رَخَاءً مِنَ الْعَيْشِ يُصِيبُهُ وَلَا مَالًا يُفِيدُهُ ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ يَوْمٌ وَإِلَّا وَهُوَ أَقَلُّ عِلْمًا مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي مَضَى قَبْلَهُ ، فَإِذَا ذَهَبَ الْعُلَمَاءُ اسْتَوَى النَّاسُ فَلَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَهْلَكُونَ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِلَى قَوْلِهِ : شَرٌّ مِنْهُ . قَالَ : فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ خِصْبٌ ، فَقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي ، إِنَّمَا أَعْنِي ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ . وَمِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْهُ قَالَ : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا وَهُوَ أَشَرُّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ ، أَمَا إِنِّي لَا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَلَا عَامًا خَيْرًا مِنْ عَامٍ ، وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لَا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا ، وَيَجِيءُ قَوْمٌ يُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : وَمَا ذَاكَ بِكَثْرَةِ الْأَمْطَارِ وَقِلَّتِهَا وَلَكِنْ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ ، ثُمَّ يُحْدِثُ قَوْمٌ يُفْتُونَ فِي الْأُمُورِ بِرَأْيِهِمْ فَيَثْلِمُونَ الْإِسْلَامَ وَيَهْدِمُونَهُ . وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ الْأَوَّلَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ بِلَفْظِ : لَسْتُ أَعْنِي عَامًا أَخْصَبَ مِنْ عَامٍ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ ، وَزَادَ : وَخِيَارُكُمْ قَبْلَ قَوْلِهِ : وَفُقَهَاؤُكُمْ ، وَاسْتَشْكَلُوا أَيْضًا زَمَانَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ بَعْدَ زَمَانِ الدَّجَّالِ ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الزَّمَانُ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ عِيسَى ، أَوِ الْمُرَادَ جِنْسُ الزَّمَانِ الَّذِي فِيهِ الْأُمَرَاءُ ، وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ زَمَانَ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ لَا شَرَّ فِيهِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ مَا قَبْلَ وُجُودِ الْعَلَامَاتِ الْعِظَامِ كَالدَّجَّالِ وَمَا بَعْدَهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ الْمُتَفَاضِلَةِ فِي الشَّرِّ مِنْ زَمَنِ الْحَجَّاجِ فَمَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ الدَّجَّالِ ، وَأَمَّا زَمَنُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَهُ حُكْمٌ مُسْتَأْنَفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَزْمِنَةِ الْمَذْكُورَةِ أَزْمِنَةَ الصَّحَابَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ فَيَخْتَصُّ بِهِمْ ، فَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَلَمْ يُقْصَدْ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ ، لَكِنَّ الصَّحَابِيَّ فَهِمَ التَّعْمِيمَ فَلِذَلِكَ أَجَابَ مَنْ شَكَا إِلَيْهِ الْحَجَّاجَ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ ، وَهُمْ أَوْ جُلُّهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ . وَاسْتَدَلَّ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَهْدِيِّ وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ مُلِئَتْ جَوْرًا ، ثُمَّ وَجَدْتُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ إِلَّا وَهُوَ شَرٌّ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَعْنِي عَامًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ · ص 22 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه · ص 184 باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه . أي هذا باب يذكر فيه لا يأتي زمان إلى آخره . 17 - حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن الزبير بن عدي ، قال : أتينا أنس بن مالك فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج ، فقال : اصبروا ، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم . الترجمة المذكورة هي عين الحديث المذكور في الباب . ومحمد بن يوسف أبو أحمد البخاري البيكندي وسفيان هو ابن عيينة ، والزبير بن عدي الكوفي الهمداني بسكون الميم من صغار التابعين ولي قضاء الري وليس له في البخاري سوى هذا الحديث . والحديث أخرجه الترمذي في الفتن ، عن ابن بشار به . قوله ( ما نلقى من الحجاج ) هو ابن يوسف الثقفي الأمير المشهور ، ويروى : شكونا إليه ما يلقون فيه التفات . ووقع في رواية الكشميهني : فشكوا ، ووقع عند أبي نعيم : نشكو بنون ومعناه شكوا ما يلقون من ظلمه لهم وتعديه . وذكر الزبير في الموفقيات من طريق مجالد عن الشعبي ، قال : كان عمر رضي الله تعالى عنه فمن بعده إذا أخذوا العاصي أقاموه للناس ونزعوا عمامته ، فلما كان زياد ضرب في الجنايات بالسياط ، ثم زاد مصعب بن الزبير حلق اللحية ، فلما كان بشر بن مروان سمر كف الجاني بمسمار ، فلما قدم الحجاج قال : هذا كله لعب فقتل بالسيف . قوله ( اصبروا ) ، أي : عليه . وكذا وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي . قوله ( فإنه ) ، أي : فإن الشأن والحال . قوله ( زمان ) ، وفي رواية عبد الرحمن عام . قوله ( إلا والذي بعده ) كذا لأبي ذر بالواو وسقطت في رواية الباقين . قوله ( شر منه ) كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر والنسفي أشر ، وعليه شرح ابن التين ، يقال : كذا وقع أشر بوزن أفعل ، وقد قال الجوهري : فلان شر من فلان ، ولا يقال أشر إلا في لغة رديئة . قلت : إن صحت الرواية بأفعل التفضيل لا يلتفت إلى ما قاله الجوهري وغيره . فإن قلت : هذا الإطلاق مشكل لأن بعض الأزمنة يكون في الشر دون الذي قبله ، وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بعد الحجاج بيسير وقد اشتهر خيرية زمانه ، بل قيل : إن الشر اضمحل في زمانه . قلت : حمله الحسن البصري على الأكثر الأغلب ، فسئل عن وجود عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج ، فقال : لا بد للناس من تنفيس ، وقيل : إن المراد بالتفضيل تفضيل مجموع العصر ، فإن عصر الحجاج كان فيه كثير من الصحابة أحياء ، وفي عصر عمر بن عبد العزيز انقرضوا ، والزمان الذي فيه الصحابة خير من الزمان الذي بعده ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( خير القرون قرني ، وهو في الصحيحين . وقوله ( أصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) ، أخرجه مسلم . فإن قلت : ما تقول في زمن عيسى عليه السلام فإنه بعد زمان الدجال ؟ قلت : قال الكرماني : إن المراد بالزمان الزمان الذي يكون بعد عيسى عليه السلام ، أو المراد جنس الزمان الذي فيه الأمراء وإلا فمعلوم من الدين بالضرورة أن زمان النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم لا شر فيه . قوله ( حتى تلقوا ربكم ) ، أي : حتى تموتوا . قوله ( سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم ) ، وفي رواية أبي نعيم : سمعت ذلك .