14 - بَاب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ 7087 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ : يَا ابْنَ الْأَكْوَعِ ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ ! تَعَرَّبْتَ ؟ ! قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَذِنَ لِي فِي الْبَدْوِ . وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ : لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ إِلَى الرَّبَذَةِ وَتَزَوَّجَ هُنَاكَ امْرَأَةً وَوَلَدَتْ لَهُ أَوْلَادًا ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ نَزَلَ الْمَدِينَةَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الثَّقِيلَةِ ؛ أَيِ السُّكْنَى مَعَ الْأَعْرَابِ بِفَتْحِ الْأَلِفِ ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَقِلَ الْمُهَاجِرُ مِنَ الْبَلَدِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا فَيَسْكُنَ الْبَدْوَ فَيَرْجِعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا ، وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُحَرَّمًا إِلَّا إِنْ أَذِنَ لَهُ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ ، وَقَيَّدَهُ بِالْفِتْنَةِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ مِنَ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْفِتَنِ كَمَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ ، وَقِيلَ بِمَنْعِهِ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ خِذْلَانِ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَلَكِنَّ نَظَرَ السَّلَفِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ : فَمِنْهُمْ مَنْ آثَرَ السَّلَامَةَ وَاعْتَزَلَ الْفِتَنَ كَسَعْدٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ فِي طَائِفَةٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَاشَرَ الْقِتَالَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : التَّعَزُّبُ ؛ بِالزَّايِ ، وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَجَدْتُهُ بِخَطِّي فِي الْبُخَارِيِّ بِالزَّايِ وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَهْمًا ، فَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ الْبُعْدُ وَالِاعْتِزَالُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ ؛ هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ الْمَدِينَةِ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ فِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ حَاتِمٍ : أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْرَجَهَا أَبُو نُعَيْمٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ ) هُوَ ابْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ الْأَمِيرُ الْمَشْهُورُ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ إِمْرَةَ الْحِجَازِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَسَارَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . قَوْلُهُ : ( ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ ) كَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا جَاءَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ عَدِّ الْكَبَائِرِ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ : مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا . وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ : لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَالْمُرْتَدُّ بَعْدَ هِجْرَتِهِ أَعْرَابِيًّا . قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : كَانَ مَنْ رَجَعَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَعُدُّونَهُ كَالْمُرْتَدِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَفَاءِ الْحَجَّاجِ حَيْثُ خَاطَبَ هَذَا الصَّحَابِيَّ الْجَلِيلَ بِهَذَا الْخِطَابِ الْقَبِيحِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَكْشِفَ عَنْ عُذْرِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ فَبَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُسْتَحِقًّا لِلْقَتْلِ بِهَا . وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَفَعَهُ : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ بَدَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ ، إِلَّا فِي الْفِتْنَةِ ؛ فَإِنَّ الْبَدْوَ خَيْرٌ مِنَ الْمُقَامِ فِي الْفِتْنَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا ) ؛ أَيْ : لَمْ أَسْكُنِ الْبَادِيَةَ رُجُوعًا عَنْ هِجْرَتِي ( وَلَكِنَّ ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ . قَوْلُهُ : ( أَذِنَ لِي فِي الْبَدْو ) وَفِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَدَاوَةِ فَأَذِنَ لَهُ . أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ : اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ وَقَعَ لِسَلَمَةَ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ أُخْرَى مَعَ غَيْرِ الْحَجَّاجِ ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ : قَدِمَ سَلَمَةُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةُ بْنُ الْخَصِيبِ فَقَالَ : ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتِكَ ؟ ! فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ، إِنِّي فِي إِذْنٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ : ابْدُوَا يَا أَسْلَمَ - أَيِ الْقَبِيلَةُ الْمَشْهُورَةُ الَّتِي مِنْهَا سَلَمَةُ ، وَأَبُو بَرْزَةَ ، وَبُرَيْدَةُ الْمَذْكُورُ - قَالُوا : إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَقْدَحَ ذَلِكَ فِي هِجْرَتِنَا . قَالَ : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ . وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَرْهَدٍ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ لِجَابِرٍ : مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ . فَقَالَ رَجُلٌ : أَمَّا سَلَمَةُ فَقَدِ ارْتَدَّ عَنْ هِجْرَتِهِ . فَقَالَ : لَا تَقُلْ ذَلِكَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَسْلَمَ : ابْدُوَا . قَالُوا : إِنَّا نَخَافُ أَنْ نَرْتَدَّ بَعْدَ هِجْرَتِنَا . قَالَ : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ ، وَسَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ سَلَمَةُ إِلَى الرَّبَذَةِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ؛ مَوْضِعٌ بِالْبَادِيَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدَّةُ سُكْنَى سَلَمَةَ الْبَادِيَةَ وَهِيَ نَحْوُ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً ، لِأَنَّ قَتْلَ عُثْمَانَ كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمَوْتَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ يَزَلْ بِهَا ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : هُنَاكَ ، ( حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِلَيَالٍ ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ كَانَ بَعْدَ قَوْلِهِ : حَتَّى وَقَبْلَ قَوْلِهِ : قَبْلَ ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ . قَوْلُهُ : ( نَزَلَ الْمَدِينَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : فَنَزَلَ ؛ بِزِيَادَةِ فَاءٍ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سَلَمَةَ لَمْ يَمُتْ بِالْبَادِيَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، بَلْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كَمَا تَقْتَضِيهِ رِوَايَةُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ هَذِهِ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَرَّخَ وَفَاةَ سَلَمَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَكُنِ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا وَلَا ذَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ . وَكَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ أَشَدُّ غَلَطًا مِنَ الْأَوَّلِ إِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَإِنْ أَرَادَ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَهُوَ عَيْنُ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَقَدْ مَشَى الْكِرْمَانِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، كَذَا جَزَمَ بِهِ وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ الذَّهَبِيُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْحُدَيْبِيَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ وَبَايَعَ . قُلْتُ : وَهُوَ اعْتِرَاضٌ مُتَّجِهٌ ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى سَنَةِ وَفَاتِهِ لَا إِلَى مَبْلَغِ عُمْرِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ رُجْحَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ ، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَخَّرَ عَنْهَا لِقَوْلِهِ : لَمْ يَبْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَسٌ ، وَسَلَمَةُ ، وَذَلِكَ لَائِقٌ بِسَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، فَقَدْ عَاشَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : مَاتَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ : يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ الْحَدِيثَ ، وَفِي آخِرِهِ : يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ شَرْحِهِ فِي بَابِ الْعُزْلَةِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَأَشَارَ إِلَى حَمْلِ صَنِيعِ سَلَمَةَ عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْفِتَنُ اعْتَزَلَ عَنْهَا وَسَكَنَ الرَّبَذَةَ وَتَأَهَّلَ بِهَا وَلَمْ يُلَابِسْ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْحُرُوبِ ، وَالْحَقُّ حَمْلُ عَمَلِ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ عَلَى السَّدَادِ فَمَنْ لَابَسَ الْقِتَالَ اتَّضَحَ لَهُ الدَّلِيلُ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَكَانَتْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَمَنْ قَعَدَ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ أَيُّ الْفِئَتَيْنِ هِيَ الْبَاغِيَةُ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ . وَقَدْ وَقَعَ لِخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُقَاتِلُ ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ قَاتَلَ حِينَئِذٍ وَحَدَّثَ بِحَدِيثِ : يَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ : يُوشِكُ هُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ؛ أَيْ : يُسْرِعُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ ، وَيَجُوزُ يُوشَكُ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ . وَقَوْلُهُ : أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ يَجُوزُ فِي خَيْرَ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ ، فَإِنْ كَانَ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ فَالنَّصْبُ ، وَإِلَّا فَالرَّفْعُ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ ، وَالْأَشْهَرُ فِي الرِّوَايَةِ غَنَمٌ بِالرَّفْعِ ، وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُهُمْ رَفْعَ خَيْرَ مَعَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِي يَكُونَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ ، وَغَنَمٌ وَخَيْرٌ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَقَوْلُهُ : شَعَفُ الْجِبَالِ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا فَاءٌ ؛ جَمْعُ شَعَفَةٍ ، كَأَكَمِ وَأَكَمَةٍ رُءُوسُ الْجِبَالِ وَالْمَرْعَى فِيهَا وَالْمَاءُ ، وَلَا سِيَّمَا وَفِي بِلَادِ الْحِجَازِ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَوَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْفَاءِ ؛ جَمْعُ شُعْبَةٍ وَهِيَ مَا انْفَرَجَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ الشِّينَ مُعْجَمَةٌ . وَوَقَعَ لِغَيْرِ مَالِكٍ كَالْأَوَّلِ ، لَكِنَّ السِّينَ مُهْمَلَةٌ ، وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَفْظُهُ : وَرَجُلٌ فِي رَأْسِ شُعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ · ص 44 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التعرب في الفتنة · ص 197 ( باب التعرب في الفتنة ) أي هذا باب في بيان التعرب - بفتح العين المهملة وضم الراء المشددة وبالباء الموحدة - وهو الإقامة بالبادية ، والتكلف في صيرورته أعرابيا . وقيل : التعرب السكنى مع الأعراب ، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد الذي هاجر إليه فيسكن البادية ، فيرجع بعد هجرته أعرابيا ، وكان ذلك محرما إلا أن يأذن له الشارع في ذلك ، وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد من الإذن في ذلك عند حلول الفتن ، ووقع في رواية كريمة : التعزب - بالزاي - وبينهما عموم وخصوص . وقال صاحب المطالع : وجدته بخط البخاري بالزاي ، وأخشى أن يكون وهما ، فإن صح فمعناه البعد والاعتزال . 37 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع أنه دخل على الحجاج ، فقال : يا ابن الأكوع ، ارتددت على عقبيك ؟ تعربت ؟ قال : لا ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لي في البدو . مطابقته للترجمة ظاهرة . وحاتم - بالحاء المهملة - هو ابن إسماعيل الكوفي ، ويزيد - من الزيادة - ابن أبي عبيد - بضم العين - مولى سلمة بن الأكوع . والحديث أخرجه مسلم في المغازي ، والنسائي في البيعة كلاهما عن قتيبة كالبخاري . قوله : " على الحجاج " هو ابن يوسف الثقفي ، وذلك لما ولي الحجاج إمرة الحجاز بعد قتل ابن الزبير ، فسار من مكة إلى المدينة ، وذلك في سنة أربع وسبعين . وقيل : إن سلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين ، ولم يدرك زمن إمارة الحجاج . قوله : " ارتددت على عقبيك " كأنه أشار بهذا إلى ما جاء من حديث ابن مسعود أخرجه النسائي مرفوعا : لعن الله آكل الربا وموكله ، الحديث . وفيه : والمرتد بعد هجرته إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد . قوله : " قال : لا " أي لم أسكن البادية رجوعا عن هجرتي ، و " لكن " بالتشديد والتخفيف . قوله : " في البدو " أي في الإقامة فيه ، والبدو البادية .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التعرب في الفتنة · ص 197 وعن يزيد بن أبي عبيد قال : لما قتل عثمان بن عفان خرج سلمة بن الأكوع إلى الربذة ، وتزوج هناك امرأة ، وولدت له أولادا ، فلم يزل بها حتى أقبل قبل أن يموت بليال ، فنـزل المدينة . هو موصول بالسند المذكور . قوله : إلى الربذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة : موضع بالبادية بين مكة والمدينة ، قاله بعضهم . قلت : الربذة هي التي جعلها عمر رضي الله تعالى عنه حمى لإبل الصدقة ، وهي بالقرب من المدينة على ثلاث مراحل منها قريب من ذات عرق . قوله : فلم يزل بها وفي رواية الكشميهني هناك . قوله : فنـزل المدينة هكذا فنـزل بالفاء في رواية المستملي والسرخسي ، وفي رواية غيرهما : نـزل بلا فاء ، وهذا يشعر بأن سلمة لم يمت بالبادية كما جزم به يحيى بن عبد الوهاب بن منده في معرفة الصحابة ، وقال يحيى بن بكير وغيره : مات بالمدينة سنة أربع وسبعين ، وهو ابن ثمانين سنة .