4 - بَاب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً 7142 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ . قَوْلُهُ : بَابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِإِمَامٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً ) إِنَّمَا قَيَّدَهُ بِالْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْأَمْرُ بِالطَّاعَةِ لِكُلِّ أَمِيرٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْأَمْرِ بِطَاعَةِ الْأَمِيرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَمَّرًا مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ . وَذَكَرَ فِيهِ أربعة أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ) بِمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ ، وَتَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِ شُعْبَةَ : حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ . قَوْلُهُ ( اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ أَيْ جُعِلَ عَامِلًا بِأَنْ أُمِّرَ إِمَارَةً عَامَّةً عَلَى الْبَلَدِ مَثَلًا أَوْ وَلِيَ فِيهَا وِلَايَةً خَاصَّةً كَالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ أَوْ مُبَاشَرَةِ الْحَرْبِ ، فَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَنْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ وَمَنْ يَخْتَصُّ بِبَعْضِهَا . قَوْلُهُ ( حَبَشِيٌّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَنْسُوبٌ إِلَى الْحَبَشَةِ ، وَمَضَى فِي الصَّلَاةِ فِي بَابِ إِمَامَةِ الْعَبْدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِلَفْظِ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ وَفِيهِ بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ : اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ بِإِسْنَادٍ آخَرَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الرَّبَذَةِ فَإِذَا عَبْدٌ يَؤُمُّهُمْ فَذَهَبَ يَتَأَخَّرُ لِأَجْلِ أَبِي ذَرٍّ ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ : أَوْصَانِي خَلِيلِي فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَظَهَرَتْ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ أَبِي ذَرٍّ بِالْأَمْرِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ عُمُومًا ; وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ : اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ ) وَاحِدَةُ الزَّبِيبِ الْمَأْكُولِ الْمَعْرُوفِ الْكَائِنِ مِنَ الْعِنَبِ إِذَا جَفَّ ، وَإِنَّمَا شَبَّهَ رَأْسَ الْحَبَشِيِّ بِالزَّبِيبَةِ لِتَجَمُّعِهَا وَلِكَوْنِ شَعْرِهِ أَسْوَدَ ، وَهُوَ تَمْثِيلٌ فِي الْحَقَارَةِ وَبَشَاعَةِ الصُّورَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ قَالَ : قَوْلُهُ اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعْمَلُ لِلْعَبْدِ إِلَّا إِمَامٌ قُرَشِيٌّ ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْعَبِيدِ . قُلْتُ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُسَمَّى عَبْدًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ ، وَأَمَّا لَوْ تَغَلَّبَ عَبْدٌ حَقِيقَةً بِطَرِيقِ الشَّوْكَةِ ، فَإِنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ إِخْمَادًا لِلْفِتْنَةِ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ إِذَا اسْتَعْمَلَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ عَلَى إِمَارَةِ بَلَدٍ مَثَلًا وَجَبَتْ طَاعَتُهُ ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ يَكُونُ هُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : قَدْ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِمَا لَا يَقَعُ فِي الْوُجُودِ ، يَعْنِي وَهَذَا مِنْ ذَاكَ أَطْلَقَ الْعَبْدَ الْحَبَشِيَّ مُبَالَغَةً فِي الْأَمْرٍ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا أَنْ يَلِيَ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً · ص 130 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية · ص 224 ( باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ) أي هذا باب في بيان وجوب السمع والطاعة للإمام ، وإنما قيده بالإمام ، وإن كان في أحاديث الباب الأمرُ بالطاعة لكل أمير ، ولو لم يكن إماما ؛ لأن طاعة الأمراء الذين تأمروا من جهة الإمام طاعة للإمام ، والطاعة للإمام بالأصالة ، ولمن أمره الإمام بالتبعية . قوله : " ما لم تكن " أي السمع والطاعة معصية ؛ لأنه لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، والأخبار الواردة بالسمع والطاعة للأئمة ما لم يكن خلافا لأمر الله تعالى ورسوله ، فإذا كان خلاف ذلك فغير جائز لأحد أن يطيع أحدا في معصية الله ومعصية رسوله ، وبنحو ذلك قالت عامة السلف . 6 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة ، عن أبي التياح ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اسمعوا وأطيعوا ، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وأبو التياح - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وبالحاء المهملة - واسمه يزيد - من الزيادة - ابن حميد الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الباء الموحدة وبالعين المهملة - البصري . والحديث مر في الصلاة ، عن بندار وعن محمد بن أبان . قوله : " وإن استعمل " على صيغة المجهول ، أي جعل عاملا بأن أمر إمارة عامة على بلد مثلا ، أو ولي فيها ولاية خاصة ، كالإمامة في الصلاة ، أو جباية الخراج ، أو مباشرة الحرب . فقد كان في أيام الخلفاء الراشدين من تجمع له الأمور الثلاثة ، ومن يختص ببعضها . قوله : " حبشي " مرفوع بقوله : " وإن استعمل " المجهول ، ويروى : حبشيا بالنصب ، على أن يكون استعمل على بناء المعلوم ، والضمير فيه يرجع إلى الإمام بدلالة القرينة ، والحبشي بياء النسبة منسوب إلى الحبشة ، وهم جيل مشهور من السودان . قوله : " زبيبة " هي واحدة الزبيب المشهور ، وجه التشبيه في تجمع رأسه وسواد شعره ، وهو تمثيل في الحقارة وبشاعة الصورة على سبيل المبالغة ، وهذا في الأمراء والعمال دون الخلفاء ؛ لأن الحبشي لا يتولى الخلافة ؛ لأن الأئمة من قريش ، وقال الخطابي : قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود ، وهذا من ذاك ، أطلق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة ، وإن كان لا يتصور شرعا أن يلي ذلك ، وقال الخطابي أيضا : العرب لا يعرفون الإمارة ، فحضهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على طاعتهم ، والانقياد لهم في المعروف إذا بعثهم في السرايا ، وإذا ولاهم البلدان ؛ لئلا تتفرق الكلمة .