7301 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ ، وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنْ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ ؟! فَوَاللَّهِ إِنِّي أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ ( عَنِ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرًا وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ، وَهُوَ أَبُو الضُّحَى مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرَ مِنَ اسْمِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي الضُّحَى بِهِ . وَهَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِ الْكِرْمَانِيِّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ صُبَيْحٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ أَبِي عِمْرَانَ الْبَطِينَ ، فَإِنَّهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ مَسْرُوقٍ وَيَرْوِي عَنْهُمَا الْأَعْمَشُ ، وَالسَّنَدُ الْمَذْكُورُ إِلَى مَسْرُوقٍ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِسَنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ ( تَرَخَّصَ فِيهِ وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ هَذَا الْحَدِيثُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، وَشَرَحْتُهُ هُنَاكَ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا أَنَّ الْخَيْرَ فِي الِاتِّبَاعِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْعَزِيمَةِ أَوِ الرُّخْصَةِ ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَ الرُّخْصَةِ بِقَصْدِ الِاتِّبَاعِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي وَرَدَتْ أَوْلَى مِنَ اسْتِعْمَالِ الْعَزِيمَةِ ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ اسْتِعْمَالُ الْعَزِيمَةِ حِينَئِذٍ مَرْجُوحًا كَمَا فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ; وَرُبَّمَا كَانَ مَذْمُومًا إِذَا كَانَ رَغْبَةً عَنِ السُّنَّةِ كَتَرْكِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ . وَأَوْمَأَ ابْنُ بَطَّالٍ إِلَى أَنَّ الَّذِي تَنَزَّهُوا عَنْهُ الْقُبْلَةُ لِلصَّائِمِ . وَقَالَ غَيْرُهُ لَعَلَّهُ الْفِطْرُ فِي السَّفَرِ ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ التَّنَزُّهَ عَمَّا تَرَخَّصَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ ، لِأَنَّهُ يَرَى نَفْسَهُ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْ رَسُولِهِ وَهَذَا إِلْحَادٌ . قُلْتُ : لَا شَكَّ فِي إِلْحَادِ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ مَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ ، أَيْ فَإِذَا تَرَخَّصَ فِي شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ ذَلِكَ ، فَيَحْتَاجُ الَّذِي لَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِلَى الْأَخْذِ بِالْعَزِيمَةِ وَالشِّدَّةِ لِيَنْجُوَ ، فَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ أَخْشَى النَّاسِ لِلَّهِ وَأَتْقَاهُمْ ، فَمَهْمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَزِيمَةٍ وَرُخْصَةٍ فَهُوَ فِيهِ فِي غَايَةِ التَّقْوَى وَالْخَشْيَةِ ، لَمْ يَحْمِلْهُ التَّفَضُّلُ بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى تَرْكِ الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ قِيَامًا بِالشُّكْرِ ، وَمَهْمَا تَرَخَّصَ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْعَزِيمَةِ لِيَعْمَلَهَا بِنَشَاطٍ . وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَعْلَمُهُمْ إِلَى الْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ ، وَبِقَوْلِهِ أَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً إِلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ أَيْ أَنَا أَعْلَمُهُمْ بِالْفَضْلِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ · ص 292 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع · ص 39 72 - حدثنا عمر بن حفص ، حدثنا أبي ، حدثنا الأعمش ، حدثنا مسلم ، عن مسروق قال : قالت عائشة رضي الله عنها : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه وتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فحمد الله ثم قال : ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه ، فوالله إني أعلمهم بالله وأشدهم له خشية . مطابقته للجزء الأول للترجمة تؤخذ من قوله : ترخص فيه وتنزه عنه قوم لأن تنزيههم عما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم تعمق . والثلاثة الأول من رجال الحديث قد ذكروا الآن ، ومسلم قال الكرماني : يحتمل أن يكون ابن صبيح مصغر الصبح ، ويحتمل أن يكون ابن أبي عمران البطين بفتح الباء الموحدة ، لأنهما يرويان عن مسروق ، والأعمش يروي عنهما ، وقال غيره : هو مسلم بن صبيح أبو الضحى ، مشهور بكنيته أكثر من اسمه ، وقد وقع عند مسلم مصرحا به في رواية جرير عن الأعمش فقال : عن أبي الضحى به ، قلت : وكذا نص عليه الحافظ المزي ، فقال مسلم بن صبيح أبو الضحى ، عن مسروق ، عن عائشة ، ثم ذكر الحديث المذكور . وقد مضى الحديث في الأدب في باب من لم يواجه بالعتاب . قوله : صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه أي أسهل فيه مثل الإفطار في بعض الأيام والصوم في بعضها من غير رمضان ، ومثل التزوج ، وتنزه قوم عنه أي احترزوا عنه بأن سردوا الصوم ، واختاروا العزوبة ، وأشار ابن بطال إلى أن الذي تنزهوا عنه القبلة للصائم ، وقال الداودي : التنزه عما رخص فيه الشارع من أعظم الذنوب ؛ لأن هذا يرى نفسه أتقى في ذلك من رسوله ، وهذا إلحاد ، وكذا قال ابن التين ، ولا شك أنه إلحاد إذا اعتقد ذلك ، قوله : أعلمهم بالله إشارة إلى القوة العلمية وأشدهم خشية إلى القوة العملية ، أي هم يتوهمون أن رغبتهم عما فعلت أفضل لهم عند الله وليس كما توهموا إذ أنا أعلمهم بالأفضل وأولاهم بالعمل .