18 - بَاب وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 7347 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ح حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنْ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَلَا تُصَلُّونَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ شَيْئًا ، ثُمَّ سَمِعَهُ وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : يُقَالُ : مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ ، وَيُقَالُ : الطَّارِقُ : النَّجْمُ ، وَالثَّاقِبُ : الْمُضِيءُ ، يُقَالُ : أَثْقِبْ نَارَكَ لِلْمُوقِدِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ : حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تُصَلُّونَ ؟ وَجَوَابُهُ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ وَتِلَاوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّكْنِ الْأَوَّلِ مِنَ التَّرْجَمَةِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُخَاطَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ فِي بَيْتِ مِدْرَاسِهِمْ ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّكْنِ الثَّانِي مِنْهَا كَمَا سَأَذْكُرُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْجِدَالُ : هُوَ الْخِصَامُ ، وَمِنْهُ قَبِيحٌ وَحَسَنٌ وَأَحْسَنُ ، فَمَا كَانَ لِلْفَرَائِضِ فَهُوَ أَحْسَنُ ، وَمَا كَانَ لِلْمُسْتَحَبَّاتِ فَهُوَ حَسَنٌ ، وَمَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ قَبِيحٌ ، قَالَ : أَوْ هُوَ تَابِعٌ لِلطَّرِيقِ ، فَبِاعْتِبَارِهِ يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، انْتَهَى . وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُبَاحِ قَبِيحًا ، وَفَاتَهُ تَنْوِيعُ الْقَبِيحِ إِلَى أَقْبَحَ ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي الْحَرَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الدَّعَوَاتِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ عَلِيًّا تَرَكَ فِعْلَ الْأَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ مَا احْتَجَّ بِهِ مُتَّجَهًا ، وَمِنْ ثَمَّ تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ مَعَ ذَلِكَ بِالْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ امْتَثَلَ وَقَامَ لَكَانَ أَوْلَى ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَرَاتِبِ الْجِدَالِ ، فَإِذَا كَانَ فِيمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ تَعَيَّنَ نَصْرُ الْحَقِّ بِالْحَقِّ ، فَإِنْ جَاوَزَ الَّذِي يُنْكِرُ عَلَيْهِ الْمَأْمُورَ نُسِبَ إِلَى التَّقْصِيرِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ اكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالْإِشَارَةِ إِلَى تَرْكِ الْأَوْلَى ، وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ طُبِعَ عَلَى الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاهِدَ نَفْسَهُ أَنْ يَقْبَلَ النَّصِيحَةَ وَلَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِ وَاجِبٍ . وَأَنْ لَا يَدْفَعَ إِلَّا بِطَرِيقٍ مُعْتَدِلَةٍ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ ، وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ مَا مُلَخَّصُهُ : أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ مَا دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ ، بَلْ كَانَ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِقَوْلِهِ ، فَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ الْمَأْمُورِ . انْتَهَى . وَمِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَمْتَثِلْ مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ ؟ فَلَيْسَ فِي الْقِصَّةِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَجَابَ عَلِيٌّ بِمَا ذَكَرَ اعْتِذَارًا عَنْ تَرْكِهِ الْقِيَامَ بِغَلَبَةِ النَّوْمِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ صَلَّى عَقِبَ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَنْفِيهِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ حَرَّضَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ وَالْقُدْرَةِ الْكَاسِبَةِ ، وَأَجَابَ عَلِيٌّ بِاعْتِبَارِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ ، قَالَ : وَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخِذَهُ تَعَجُّبًا مِنْ سُرْعَةِ جَوَابِ عَلِيٍّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمًا لِمَا قَالَ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّذْكِيرِ لِلْغَافِلِ خُصُوصًا الْقَرِيبُ وَالصَّاحِبُ ؛ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ مِنْ طَبْعِ الْبَشَرِ ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نَفْسَهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ بِتَذْكِيرِ الْخَيْرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَثَرِ الْحِكْمَةِ لَا يُنَاسِبُهُ الْجَوَابُ بِأَثَرِ الْقُدْرَةِ ، وَأَنَّ لِلْعَالِمِ إِذَا تَكَلَّمَ بِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ فِي أَمْرٍ غَيْرِ وَاجِبٍ ، أَنْ يَكْتَفِيَ مِنَ الَّذِي كَلَّمَهُ فِي احْتِجَاجِهِ بِالْقُدْرَةِ ، يُؤْخَذُ الْأَوَّلُ مِنْ ضَرْبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِهِ ، وَالثَّانِي مِنْ عَدَمِ إِنْكَارِهِ بِالْقَوْلِ صَرِيحًا . قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ يُشَافِهْهُ بِقَوْلِهِ : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّ عَلِيًّا لَا يَجْهَلُ أَنَّ الْجَوَابَ بِالْقُدْرَةِ لَيْسَ مِنَ الْحِكْمَةِ ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَهُمَا عُذْرًا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الصَّلَاةِ فَاسْتَحْيَا عَلِيٌّ مِنْ ذِكْرِهِ ، فَأَرَادَ دَفْعَ الْخَجَلِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِهِ فَاحْتَجَّ بِالْقُدْرَةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رُجُوعُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ مُسْرِعًا ، قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ أَرَادَ بِمَا قَالَ اسْتِدْعَاءَ جَوَابٍ يَزْدَادُ بِهِ فَائِدَةً ، وَفِيهِ جَوَازُ مُحَادَثَةِ الشَّخْصِ نَفْسَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ ، وَجَوَازُ ضَرْبِهِ بَعْضَ أَعْضَائِهِ عِنْدَ التَّعَجُّبِ وَكَذَا الْأَسَفُ ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْقِصَّةِ أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعُبُودِيَّةِ أَنْ لَا يُطْلَبَ لَهَا مَعَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ مَعْذِرَةٌ إِلَّا الِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْأَخْذُ فِي الِاسْتِغْفَارِ ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ مِنْ جِهَةِ عِظَمِ تَوَاضُعِهِ ؛ لِكَوْنِهِ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَعَ مَا يُشْعِرُ بِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مِقْدَارَهُ أَنَّهُ يُوجِبُ غَايَةَ الْعِتَابِ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِذَلِكَ بَلْ حَدَّثَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الدِّينِيَّةِ انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ الثَّانِي : حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَفِيِّ غَيْرَ مَنْسُوبٍ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ مَنْسُوبًا : مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ وَ عَتَّابٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ، وَأَبُوهُ بَشِيرٌ بِمُوَحَّدَةٍ وَمُعْجَمَةٍ وَزْنُ عَظِيمٍ ، وَ إِسْحَاقُ عِنْدَ النَّسَفِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَنُسِبَ عِنْدَ الْبَاقِينَ ابْنَ رَاشِدٍ وَسَاقَ الْمَتْنَ عَلَى لَفْظِهِ ، وَمَضَى فِي التَّهَجُّدِ عَلَى لَفْظِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ مَجْمُوعًا ، وَسَاقَهُ عَلَى لَفْظِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ . قَوْلُهُ : ( طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ) زَادَ شُعَيْبٌ لَيْلَةً قَوْلُهُ : ( أَلَا تُصَلُّونَ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : أَلَا تُصَلِّيَانِ بِالتَّثْنِيَةِ ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمِّ مَنْ يَتْبَعُهُمَا إِلَيْهِمَا ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ، أَوْ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ ، وَقَوْلُهُ : حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِيهِ الْتِفَاتٌ ، وَمَضَى فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ : حِينَ قُلْتُ لَهُ وَكَذَا قَوْلُهُ : سَمِعَهُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : سَمِعْتُهُ وَقَوْلُهُ : وَهُوَ مُدْبِرٌ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : مُوَلٍّ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ ، كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَوَقَعَ هُنَا عِنْدَ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَهُوَ مُنْصَرِفٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ ( يُقَالُ : مَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَسَقَطَ لِلنَّسَفِيِّ ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ لَكِنْ بِدُونِ : يُقَالُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الطَّارِقِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ تَعَالَى وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا وَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ · ص 326 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا · ص 63 باب قول الله تعالى : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وقوله تعالى : وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي هذا باب في ذكر قوله تعالى : وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا وفي التفسير بين سبب نزولها ، قوله : وقوله تعالى : وَلا تُجَادِلُوا الآية ، اختلف العلماء في تأويل هذه الآية ، فقالت طائفة : هي محكمة ويجوز مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن على معنى الدعاء لهم إلى الله والتنبيه على حججه وآياته رجاء إجابتهم إلى الإيمان ، هذا قول مجاهد وسعيد بن جبير ، وقال ابن زيد : معناه وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ يعني إذا أسلموا وأخبروكم بما في كتبهم إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ في المخاطبة إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا بإقامتهم على الكفر فخاطبوهم بالسيف ، وقال قتادة : هي منسوخة بآية القتال . 116 - حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري . ح وحدثني محمد بن سلام ، أخبرنا عتاب بن بشير ، عن إسحاق ، عن الزهري ، أخبرني علي بن حسين ، أن حسين بن علي رضي الله عنهما أخبره أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : ألا تصلون ؟ فقال علي : فقلت : يا رسول الله ، إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال له ذلك ولم يرجع إليه شيئا ، ثم سمعه وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا مطابقته للجزء الأول للترجمة ظاهرة ، وأخرجه من طريقين : أحدهما عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن علي بن الحسين ، والآخر عن محمد بن سلام بالتخفيف ، ووقع عند النسفي غير منسوب عن عتاب بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوق وبالباء الموحدة ابن بشير بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة ، والجزري بالجيم والزاي والراء ، عن إسحاق بن راشد الجزري أيضا ، ووقع إسحاق عند النسفي وأبي ذر غير منسوب ، ونسب عند الباقين ، وساق المتن على لفظه عن الزهري ، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . والحديث مضى في الصلاة عن أبي اليمان أيضا ، وفي التفسير عن علي بن عبد الله . قوله : طرقه أي طرق عليا وفاطمة ، منصوب لأنه عطف على الضمير المنصوب بطرقه ، ومعناه أتاه ليلا ،ـ وسيأتي مزيد الكلام فيه ، قوله : فقال لهم : ألا تصلون ؟ أي لعلي وفاطمة ومن عندهما أو إن أقل الجمع اثنان ، وفي رواية شعيب ألا تصليان بالتثنية على الأصل ، قوله : بعثنا أي من النوم للصلاة ، قوله : حين قال له ذلك فيه التفات ، وفي رواية شعيب حين قلت له ذلك قوله : وهو مدبر بضم أوله وكسر الباء الموحدة أي مول ظهره بتشديد اللام وفي رواية الكشميهني وهو منصرف ، قوله : يضرب فخذه جملة وقعت حالا ، وكذلك قوله : وهو يقول وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرضهم على الصلاة باعتبار الكسب والقدرة ، وأجابه علي رضي الله تعالى عنه باعتبار القضاء والقدر ، قالوا : وكان يضرب فخذه تعجبا من سرعة جوابه والاعتبار بذلك أو تسليما لقوله : وقال المهلب : لم يكن لعلي رضي الله تعالى عنه أن يدفع ما دعاه النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إليه من الصلاة بقوله ؛ بل كان عليه الاعتصام بقبوله ، ولا حجة لأحد في ترك المأمور به بمثل ما احتج به علي ، قيل له : ما فائدة قوله رفع القلم عن النائم . قال أبو عبد الله : يقال ما أتاك ليلا فهو طارق ، ويقال : الطارق النجم ، والثاقب المضيء ، يقال : أثقب نارك للموقد . أبو عبد الله هو البخاري ، قوله : يقال ما أتاك ليلا فهو طارق كذا لأبي ذر ، وسقط من رواية النسفي وثبت للباقين ؛ لكن بدون لفظ يقال ، وقيل معنى طرقه جاءه ليلا ، وقال ابن فارس : حكى بعضهم أن ذلك قد يقال في النهار أيضا ، وقيل أصل الطروق من الطرق وهو الدق ، وسمي الآتي بالليل طارقا لحاجته إلى دق الباب ، قوله : ويقال الطارق النجم ، والثاقب المضيء قال تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل ، قوله : أثقب أمر من الثقب وهو متعد ، يقال ثقبت الشيء ثقبا ، وهو من باب نصر ينصر والأمر منه أثقب بضم الهمزة ، قوله : للموقد بكسر القاف وهو الذي يوقد النار .