49 - بَاب إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ 685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ : قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ ، فَلَبِثْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا ، فَقَالَ : لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى بِلَادِكُمْ فَعَلَّمْتُمُوهُمْ ، مُرُوهُمْ فَلْيُصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا ، وَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعَ مَا سَأُبَيِّنُهُ مِنْ زِيَادَةٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْبَابِ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ مَرْفُوعًا : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ ، فَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهُمْ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ سِنًّا ، الْحَدِيثَ . وَمَدَارُهُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ ضَمْعَجٍ عَنْهُ ، وَلَيْسَا جَمِيعًا مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْعِلَلِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَكِنْ هُوَ فِي الْجُمْلَةِ يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، وَقَدْ عَلَّقَ مِنْهُ طَرَفًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ ، كَمَا سَيَأْتِي ، وَاسْتَعْمَلَهُ هُنَا فِي التَّرْجَمَةِ ، وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِاسْتِوَاءِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْقِرَاءَةِ ، وَأَجَابَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ وَغَيْرُهُ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ تَسَاوِيَ هِجْرَتِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ وَغَرَضِهِمْ بِهَا مَعَ مَا فِي الشَّبَابِ غَالِبًا مِنَ الْفَهْمِ - ثُمَّ تَوَجُّهُ الْخِطَابِ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يُعَلِّمُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ - دَالٌّ عَلَى اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ . قُلْتُ : وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : وَكُنَّا يَوْمَئِذٍ مُتَقَارِبِينَ فِي الْعِلْمِ انْتَهَى . وَأَظُنُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِدْرَاجًا ؛ فَإِنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ : قُلْتُ لِأَبِي قِلَابَةَ : فَأَيْنَ الْقِرَاءَةُ ؟ قَالَ : إِنَّهُمَا كَانَا مُتَقَارِبَيْنِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ وَقَالَ فِيهِ : قَالَ الْحَذَّاءُ : وَكَانَا مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدَ أَبِي قِلَابَةَ فِي ذَلِكَ هُوَ إِخْبَارُ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ، كَمَا أَنَّ مُسْتَنَدَ الْحَذَّاءِ هُوَ إِخْبَارُ أَبِي قِلَابَةَ لَهُ بِهِ فَيَنْبَغِي الْإِدْرَاجُ عَنِ الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : ضَمْعَجٌ وَالِدُ أَوْسٍ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ مَعْنَاهُ الْغَلِيظُ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ : أَقْرَؤُهُمْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْأَفْقَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَفْقَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَقْرَأِ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَضْبُوطٌ ، وَالَّذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْفِقْهِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ ، فَقَدْ يَعْرِضُ فِي الصَّلَاةِ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُرَاعَاةِ الصَّلَاةِ فِيهِ إِلَّا كَامِلُ الْفِقْهِ ، وَلِهَذَا قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْبَاقِينَ مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَصَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَقْرَأُ مِنْهُ ، كَأَنَّهُ عَنَى حَدِيثَ : أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ . قَالَ : وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْأَقْرَأَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ هُوَ الْأَفْقَهُ . قُلْتُ : وَهَذَا الْجَوَابُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ نَصَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّهُ أَقْرَأُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَفْقَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، فَيَفْسُدُ الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ تَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ لِأَنَّهُ الْأَفْقَهُ . ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ : إِنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ : فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً ، فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ مُطْلَقًا . انْتَهَى . وَهُوَ وَاضِحٌ لِلْمُغَايَرَةِ . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءٍ ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ إِنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونَ عَارِفًا بِمَا يَتَعَيَّنُ مَعْرِفَتُهُ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِذَلِكَ فَلَا يُقَدَّمُ اتِّفَاقًا ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الْعَصْرِ كَانُوا يَعْرِفُونَ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ ؛ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ اللِّسَانِ ، فَالْأَقْرَأُ مِنْهُمْ بَلِ الْقَارِئُ كَانَ أَفْقَهَ فِي الدِّينِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَنَحْنُ شَبَبَةٌ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ ؛ جَمْعُ شَابٍّ ، زَادَ فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ أَيُّوبَ : شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ وَالْمُرَادُ تَقَارُبُهُمْ فِي السِّنِّ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَالِ قُدُومِهِمْ . قَوْلُهُ : ( نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ الْمَذْكُورَةِ الْجَزْمُ بِهِ وَلَفْظُهُ : فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَالْمُرَادُ بِأَيَّامِهَا ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، عَنْ أَيُّوبَ . قَوْلُهُ : ( رَحِيمًا ، فَقَالَ : لَوْ رَجَعْتُمْ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَعَبْدِ الْوَهَّابِ : رَحِيمًا رَقِيقًا ، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِنَا ، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا ، فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ : ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلَى طَرِيقِ الْإِينَاسِ بِقَوْلِهِ : لَوْ رَجَعْتُمْ إِذْ لَوْ بَدَأَهُمْ بِالْأَمْرِ بِالرُّجُوعِ لَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَنْفِيرٌ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا أَجَابُوهُ بِنَعَمْ ، فَأَمَرَهُمْ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ : ارْجِعُوا ، وَاقْتِصَارُ الصَّحَابِيِّ عَلَى ذِكْرِ سَبَبِ الْأَمْرِ بِرُجُوعِهِمْ بِأَنَّهُ الشَّوْقُ إِلَى أَهْلِيهِمْ دُونَ قَصْدِ التَّعْلِيمِ ، هُوَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عُرِفَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ الْقَوْلِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ سَبَبُ تَعْلِيمِهِمْ قَوْمَهُمْ أَشْرَفَ فِي حَقِّهِمْ ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ بِالْوَاقِعِ وَلَمْ يَتَزَيَّنْ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ ، وَلَمَّا كَانَتْ نِيَّتُهُمْ صَادِقَةً صَادَفَ شَوْقُهُمْ إِلَى أَهْلِهِمُ الْحَظَّ الْكَامِلَ فِي الدِّينِ وَهُوَ أَهْلِيَّةُ التَّعْلِيمِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْحِرْصِ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ : حَظٌّ وَافَقَ حَقًّا . قَوْلُهُ : ( وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ) ظَاهِرُهُ تَقْدِيمُ الْأَكْبَرِ بِكَثِيرِ السِّنِّ وَقَلِيلِهِ ، وَأَمَّا مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالْكِبَرِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ السِّنِّ أَوِ الْقَدْرِ كَالتَّقَدُّمِ فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَالدِّينِ فَبَعِيدٌ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَهْمِ رَاوِي الْخَبَرِ حَيْثُ قَالَ لِلتَّابِعِيِّ : فَأَيْنَ الْقِرَاءَةُ ، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ كِبَرَ السِّنِّ ، وَكَذَا دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ : وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ ، مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ : يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْأَكْبَرِ عَلَى الْأَقْرَأِ وَالثَّانِي عَكْسُهُ ، ثُمَّ انْفَصَلَ عَنْهُ بِأَنَّ قِصَّةَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ قَابِلَةٌ لِلِاحْتِمَالِ ، بِخِلَافِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ تُفِيدُ التَّعْمِيمَ ، قَالَ : فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَكْبَرُ مِنْهُمْ كَانَ يَوْمَئِذٍ هُوَ الْأَفْقَهُ . انْتَهَى . وَالتَّنْصِيصُ عَلَى تَقَارُبِهِمْ فِي الْعِلْمِ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، فَالْجَمْعُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَوْلَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضْلُ الْهِجْرَةِ وَالرِّحْلَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَفَضْلِ التَّعْلِيمِ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الشَّفَقَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ ، وَإِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقِيَامِ الْحُجَّةِ بِهِ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي بَابِ مَنْ قَالَ : يُؤَذِّنُ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ . وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فِي بَابِ إِجَازَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا اسْتَوَوْا فِي الْقِرَاءَةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ · ص 200 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا اسْتَوَوْا فِي الْقراَءةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ · ص 133 49 - باب إذا اسْتَوَوْا فِي الْقراَءةِ فَلْيَؤُمَّهُمْ أَكْبَرُهُمْ 685 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب ، ثنا حماد بْن زيد ، عَن أيوب ، عَن أبي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : قدمنا عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة ، فلبثنا عنده نحواً من عشرين ليلة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً ، فَقَالَ : ( لَوْ رجعتم إلى بلادكم ، فعلمتموهم ، مروهم فليصلوا صلاة كذا فِي حِينَ كذا ، وصلاة كذا فِي حِينَ كذا ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم ) . هَذَا الحديث خرجه مُسْلِم - بمعناه - من حَدِيْث خَالِد الحذاء ، عَن أَبِي قلابة ، وزاد فِيهِ : قَالَ الحذاء : وكانا متقاربين فِي القراءة . وخرجه أبو داود ، وزاد فِيهِ : وكنا يومئذ متقاربين فِي العلم . ورواه حماد بْن سَلَمَة ، عَن أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤم القوم أكبرهم سناً ) . ذكره أبو بَكْر الأثرم ، وَقَالَ : غلط حماد فِي لفظه ، وإنما رواه بالمعنى . وفي ( صحيح مُسْلِم ) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، وأقدمهم قراءةً ، فإن كَانَتْ قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا فِي الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً ) . وفي ألفاظ هَذَا الحَدِيْث اخْتِلاَف ، وقد توقف فِيهِ أبو حاتم الرَّازِي ، وحكى عَن شعبة أَنَّهُ كَانَ يهابه ؛ لتفرد إِسْمَاعِيل بْن رجاء بِهِ عَن أوس ، فَقَالَ : إنما رواه الْحَسَن بْن يزيد الأصم ، عَن السدي ، وَهُوَ شيخ ، وأخاف أن لا يكون محفوظاً ، يعني : حَدِيْث السدي . وهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى التقديم بالسن عِنْدَ التساوي فِي القراءة وغيرها من الفضائل ، وقد أخذ بذلك أكثر العلماء . قَالَ عَطَاء والثوري وأبو حنيفة : إذا استووا فِي القراءة والفقه فأسنهم . وَقَالَ مَالِك : للسن حق . ولكن اختلفوا : هَلْ تقدم الهجرة والنسب عَلَى السن ، أم لا ؟ وفيه اخْتِلاَف بَيْن أصحابنا وغيرهم من الفقهاء . وقول إِسْحَاق : إنه يقدم بالهجرة ، وبعدها بالسن ، وقيل : إنه ظاهر كلام أحمد ، أَيْضاً . ومما يفرع عَلَى التقديم بالسن ، أَنَّهُ : هَلْ يكره أن يؤم الرَّجُلُ أباه إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ وأفقه ؟ فمن العلماء من كرهه ، منهم : عَطَاء ، وحكي عَن أَبِي حنيفة ، ورواية عَن أحمد ، والمشهور الَّذِي نقله عَنْهُ أكثر أصحابه : أَنَّهُ لا يكره إذا كَانَ أقرأ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلِ الثوري . وروي عَن أَبِي أسيد الأنصاري - وَهُوَ من الصَّحَابَة - أَنَّهُ كَانَ يأتم بابنه ، وكذلك عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي كَانَ يؤم الحي وفيهم أبوه ، وقد قدم أبو بَكْر الصديق مكة فِي خلافته فأمهم وفيهم أبو قحافة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم · ص 212 ( باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم ) . أي هذا باب ترجمته إذا استووا إلى آخره يعني إذا استوى الحاضرون للصلاة في القراءة فليؤمهم من كان أكبر السن منهم . 76 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث قال : قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن شببة فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - رحيما ، فقال : لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا ، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم . مطابقته للترجمة ، وإن لم تذكر في الحديث صريحا استواؤهم في القراءة من حيث اقتضاء القصة هذا القيد لأنهم أسلموا وهاجروا معا وصحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولازموه عشرين ليلة ، واستووا في الأخذ عنه فلم يبق مما يقدم به إلا السن ، وقال بعضهم : هذه الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعا : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا ، انتهى . قلت : ما أبعد هذا الوجه لبيان التطابق بين الحديث والترجمة ! فكيف يضع ترجمة لحديث أخرجه غيره والمطلوب من التطابق أن يكون بين الترجمة وحديث الباب ؟ ! ( ذكر رجاله ) وهم خمسة مضى ذكرهم غير مرة ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي ، وقد مضى حديث مالك بن الحويرث هذا في باب " من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد " . أخرجه عن معلى بن أسد ، عن وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي ، الحديث . وقد ذكرنا هناك جميع متعلقات الحديث مستوفى . قوله : ( ونحن شببة ) جملة إسمية وقعت حالا ، والشببة بفتح الشين المعجمة والباءين الموحدتين جمع شاب ، وفي رواية في الأدب : شببة متقاربون أي في السن ، قوله : ( نحوا من عشرين ) ، وفي رواية هناك : عشرين ليلة بتعيين العشرين جزما ، والمراد بأيامها كما وقع التصريح به في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب عن أيوب ، قوله : ( رحيما ) ، وفي رواية ابن علية وعبد الوهاب : رحيما رقيقا ، قوله : ( لو رجعتم ) جواب لو ، قوله : ( مروهم ) ، وقوله : ( فعلمتوهم ) عطف على قوله : ( رجعتم ) ، ويجوز أن يكون جواب لو محذوفا تقديره لو رجعتم لكان خيرا لكم ، إنما قال صلى الله تعالى عليه وسلم ، ذلك لأنه علم منهم أنهم اشتاقوا إلى أهليهم وأولادهم ، والدليل على هذا رواية عبد الوهاب : فظن أنا اشتقنا إلى أهلينا . الحديث ، فقال ذلك على طريق الإيناس لأن في الأمر بالرجوع بغير هذا الوجه تنفيرا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحاشى عن ذلك ، ثم على تقدير أن يكون جواب لو محذوفا يكون قوله : ( مروهم ) استئنافا كأن سائلا سأل : ماذا نعلمهم ؟ فقال : مروهم بالطاعات كذا وكذا ، والأمر بها مستلزم للتعليم ، قوله : ( وليؤمكم أكبركم ) يعني بالسن عند التساوي في شروط الإمامة ، وإلا فالأسن إذا وجد وكان منهم من هو أصغر منه ولكنه أقرأ قدم الأقرأ ؛ كما في حديث عمرو بن سلمة ، وكان قد أم قومه في مسجد عشيرته وهو صغير وفيهم الشيوخ والكهول ، ولكن قالوا : إنما كان تقديم الأقرأ في ذلك الزمان لأنه كان في أول الإسلام حين كان الحفاظ قليلا ، وتقديم عمرو كان لذلك أو نقول : لا يكاد يوجد قارئ إذ ذاك إلا وهو فقيه ، وقد بسطنا الكلام فيه في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة .