باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم
( باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم ) . 76 - حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث قال : قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن شببة فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - رحيما ، فقال : لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم مروهم فليصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا ، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم .
مطابقته للترجمة ، وإن لم تذكر في الحديث صريحا استواؤهم في القراءة من حيث اقتضاء القصة هذا القيد لأنهم أسلموا وهاجروا معا وصحبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولازموه عشرين ليلة ، واستووا في الأخذ عنه فلم يبق مما يقدم به إلا السن ، وقال بعضهم : هذه الترجمة منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعا : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى ، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا ، انتهى . قلت : ما أبعد هذا الوجه لبيان التطابق بين الحديث والترجمة ! فكيف يضع ترجمة لحديث أخرجه غيره والمطلوب من التطابق أن يكون بين الترجمة وحديث الباب ؟ ! ( ذكر رجاله ) وهم خمسة مضى ذكرهم غير مرة ، وأيوب هو السختياني ، وأبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي ، وقد مضى حديث مالك بن الحويرث هذا في باب " من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد " . أخرجه عن معلى بن أسد ، عن وهيب ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن مالك بن الحويرث ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من قومي ، الحديث .
وقد ذكرنا هناك جميع متعلقات الحديث مستوفى . قوله : ( ونحن شببة ) جملة إسمية وقعت حالا ، والشببة بفتح الشين المعجمة والباءين الموحدتين جمع شاب ، وفي رواية في الأدب : شببة متقاربون أي في السن ، قوله : ( نحوا من عشرين ) ، وفي رواية هناك : عشرين ليلة بتعيين العشرين جزما ، والمراد بأيامها كما وقع التصريح به في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب عن أيوب ، قوله : ( رحيما ) ، وفي رواية ابن علية وعبد الوهاب : رحيما رقيقا ، قوله : ( لو رجعتم ) جواب لو ، قوله : ( مروهم ) ، وقوله : ( فعلمتوهم ) عطف على قوله : ( رجعتم ) ، ويجوز أن يكون جواب لو محذوفا تقديره لو رجعتم لكان خيرا لكم ، إنما قال صلى الله تعالى عليه وسلم ، ذلك لأنه علم منهم أنهم اشتاقوا إلى أهليهم وأولادهم ، والدليل على هذا رواية عبد الوهاب : فظن أنا اشتقنا إلى أهلينا . الحديث ، فقال ذلك على طريق الإيناس لأن في الأمر بالرجوع بغير هذا الوجه تنفيرا ، والنبي صلى الله عليه وسلم يتحاشى عن ذلك ، ثم على تقدير أن يكون جواب لو محذوفا يكون قوله : ( مروهم ) استئنافا كأن سائلا سأل : ماذا نعلمهم ؟ فقال : مروهم بالطاعات كذا وكذا ، والأمر بها مستلزم للتعليم ، قوله : ( وليؤمكم أكبركم ) يعني بالسن عند التساوي في شروط الإمامة ، وإلا فالأسن إذا وجد وكان منهم من هو أصغر منه ولكنه أقرأ قدم الأقرأ ؛ كما في حديث عمرو بن سلمة ، وكان قد أم قومه في مسجد عشيرته وهو صغير وفيهم الشيوخ والكهول ، ولكن قالوا : إنما كان تقديم الأقرأ في ذلك الزمان لأنه كان في أول الإسلام حين كان الحفاظ قليلا ، وتقديم عمرو كان لذلك أو نقول : لا يكاد يوجد قارئ إذ ذاك إلا وهو فقيه ، وقد بسطنا الكلام فيه في باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة .