51 - بَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالنَّاسِ وَهُوَ جَالِسٌ ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِذَا رَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ يَعُودُ فَيَمْكُثُ بِقَدْرِ مَا رَفَعَ ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْإِمَامَ ، وَقَالَ الْحَسَنُ فِيمَنْ يَرْكَعُ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ : يَسْجُدُ لِلرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَقْضِي الرَّكْعَةَ الْأُولَى بِسُجُودِهَا ، وَفِيمَنْ نَسِيَ سَجْدَةً حَتَّى قَامَ : يَسْجُدُ . 687 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زَائِدَةُ ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْتُ : أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : بَلَى ، ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ قُلْنَا : لَا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ ، قَالَ : ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ، قَالَتْ : فَفَعَلْنَا ، فَاغْتَسَلَ ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ قُلْنَا : لَا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ، قَالَتْ : فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ قُلْنَا : لَا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ ، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، فَقَالَ : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ فَقُلْنَا : لَا ، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا - : يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ، قَالَ : أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ ، فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ ، قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : هَاتِ ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا ، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : هُوَ عَلِيٌّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي فِي الْبَابِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّ الِائْتِمَامَ يَقْتَضِي مُتَابَعَةَ الْمَأْمُومِ لِإِمَامِهِ فِي أَحْوَالِ الصَّلَاةِ ، فَتَنْتِفِي الْمُقَارَنَةُ وَالْمُسَابَقَةُ وَالْمُخَالَفَةُ إِلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهِ ، وَلِهَذَا صَدَّرَ الْمُصَنِّفُ الْبَابَ بِقَوْلِهِ : وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَهُوَ جَالِسٌ ، أَيْ : وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْجُلُوسِ كَمَا سَيَأْتِي ، فَدَلَّ عَلَى دُخُولِ التَّخْصِيصِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ وَلَفْظُهُ : لَا تُبَادِرُوا أَئِمَّتَكُمْ بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ ، وَإِذَا رَفَعَ أَحَدُكُمْ رَأْسَهُ وَالْإِمَامُ سَاجِدٌ فَلْيَسْجُدْ ، ثُمَّ لْيَمْكُثْ قَدْرَ مَا سَبَقَهُ بِهِ الْإِمَامُ ، انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ؛ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ : وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُمَرَ نَحْوَ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَفْظُهُ : أَيُّمَا رَجُلٍ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فَلْيَضَعْ رَأْسَهُ بِقَدْرِ رَفْعِهِ إِيَّاهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : إِذَا كَانَ الرَّافِعُ الْمَذْكُورُ يُؤْمَرُ عِنْدَهُ بِقَضَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ عَنِ الْإِمَامِ ، فَأَوْلَى أَنْ يَتَّبِعَهُ فِي جُمْلَةِ السُّجُودِ فَلَا يَسْجُدُ حَتَّى يَسْجُدَ ، وَظَهَرَتْ بِهَذَا مُنَاسَبَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِلتَّرْجَمَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْحَسَنُ ، إِلَخْ ) فِيهِ فَرْعَانِ : أَمَّا الْفَرْعُ الْأَوَّلُ فَوَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ ، وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ وَلَفْظُهُ : فِي الرَّجُلِ يَرْكَعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَزْحَمُهُ النَّاسُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ - قَالَ - فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ صَلَاتِهِمْ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ لِرَكْعَتِهِ الْأُولَى ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَحَمَّلُ الْأَرْكَانَ ، فَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ لَهُ الرَّكْعَةُ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنِ الْإِمَامِ لَمْ يَسْتَمِرَّ مُتَابِعًا فِي صَلَاتِهِ الَّتِي اخْتَلَّ بَعْضُ أَرْكَانِهَا حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى تَدَارُكِهِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ . وَأَمَّا الْفَرْعُ الثَّانِي فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ ، وَلَفْظُهُ : فِي رَجُلٍ نَسِيَ سَجْدَةً مِنْ أَوَّلِ صَلَاتِهِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا حَتَّى كَانَ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ - قَالَ : - يَسْجُدُ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ ، فَإِنْ ذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ يَسْجُدُ سَجْدَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الصَّلَاةِ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَوَّلِ فِي بَابٍ : حَدُّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُنَاسَبَتَهُ لِلتَّرْجَمَةِ قَبْلُ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : ضَعُونِي مَاءً كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ بِالنُّونِ ، وَلِلْبَاقِينَ ضَعُوا لِي وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ ، وَالْأَوَّلُ كَمَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَحْمُولٌ عَلَى تَضْمِينِ الْوَضْعِ مَعْنَى الْإِعْطَاءِ ، أَوْ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ، أَيْ : ضَعُونِي فِي مَاءٍ . وَالْمُخَضَّبُ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْوُضُوءِ ، وَأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ كَانَ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ ، وَذَكَرْتُ حِكْمَةَ ذَلِكَ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( ذَهَبَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ثُمَّ ذَهَبَ . ( لِيَنُوءَ ) بِضَمِّ النُّونِ بَعْدَهَا مَدَّةٌ ، أَيْ : لِيَنْهَضَ بِجُهْدٍ . قَوْلُهُ : ( فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ) فِيهِ أَنَّ الْإِغْمَاءَ جَائِزٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ؛ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالنَّوْمِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : جَازَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ فَلَمْ يَجُزْ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ . قَوْلُهُ : ( يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِلَامِ التَّعْلِيلِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ ، وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الرَّاوِيَ كَأَنَّهُ فَسَّرَ الصَّلَاةَ الْمَسْئُولُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَصَلَّى النَّاسُ ؟ فَذَكَرَهُ ، أَيِ : الصَّلَاةَ الْمَسْئُولُ عَنْهَا هِيَ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ : وَخَرَجَ بِالْوَاوِ . قَوْلُهُ : ( لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتِ الظُّهْرَ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا الصُّبْحُ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقِرَاءَةَ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ ، هَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، لَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ لَمَّا قَرُبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْآيَةَ الَّتِي كَانَ انْتَهَى إِلَيْهَا خَاصَّةً ، وَقَدْ كَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْمِعُ الْآيَةَ أَحْيَانًا فِي الصَّلَاةِ السَّرِيَّةِ ، كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْرِبَ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ، ثُمَّ مَا صَلَّى لَنَا بَعْدَهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَفَاةِ مِنْ آخِرِ الْمَغَازِي ، لَكِنْ وَجَدْتُ بَعْدُ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ الَّتِي ذَكَرَتْهَا أُمُّ الْفَضْلِ كَانَتْ فِي بَيْتِهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا قَاعِدًا ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ فِيهَا أَوَّلًا إِمَامًا ثُمَّ صَارَ مَأْمُومًا يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ . قَوْلُهُ : ( فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ قَائِمٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ : وَهُوَ يَأْتَمُّ مِنَ الِائْتِمَامِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اسْتِخْلَافَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ إِذَا اشْتَكَى أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ بِهِمْ قَاعِدًا ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِمْ قَاعِدًا غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ الْمَعْذُورِ بِمِثْلِهِ وَبِالْقَائِمِ أَيْضًا ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِيمَا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مَرْفُوعًا : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا ، وَاعْتَرَضَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : قَدْ عَلِمَ مَنِ احْتَجَّ بِهَذَا أَنْ لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَمِنْ رِوَايَةِ رَجُلٍ يَرْغَبُ أَهْلُ الْعِلْمِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، يَعْنِي جَابِرًا الْجُعْفِيَّ ، وَقَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْعَ الصَّلَاةَ بِالْجَالِسِ ، أَيْ : يُعْرَبُ قَوْلُهُ : جَالِسًا ، مَفْعُولًا لَا حَالًا . وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِمْ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ أَمْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ لَهُمْ بِالْجُلُوسِ لَمَّا صَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ لَوْ صَحَّ إِلَى تَارِيخٍ ، وَهُوَ لَا يَصِحُّ . لَكِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ تَقَوَّى بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ ، قَالَ : وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَكِنْ مُوَاظَبَتَهُمْ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ تَشْهَدُ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَدَمَ النَّقْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ ، ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ الْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا اكْتَفَوْا بِاسْتِخْلَافِ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ بِالْقَائِمِ مَرْجُوحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَلَاةِ الْقَائِمِ بِمِثْلِهِ ، وَهَذَا كَافٍ فِي بَيَانِ سَبَبِ تَرْكِهِمُ الْإِمَامَةَ مِنْ قُعُودٍ ، وَاحْتُجَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا صَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ ؛ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ الْأَئِمَّةَ شُفَعَاءُ ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ شَافِعًا لَهُ ، وَتُعُقِّبَ بِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِلَا خِلَافٍ . وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ . وَالْعَجَبُ أَنَّ عُمْدَةَ مَالِكٍ فِي مَنْعِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ قَوْلُ رَبِيعَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ مَأْمُومًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ ، وَإِنْكَارُهُ أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ، فَكَيْفَ يَدَّعِي أَصْحَابُهُ عَدَمَ تَصْوِيرِ أَنَّهُ صَلَّى مَأْمُومًا ؟ وَكَأَنَّ حَدِيثَ إِمَامَتِهِ الْمَذْكُورَ لَمَّا كَانَ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ رَدُّهُ سَلَكُوا فِي الِانْتِصَارِ وُجُوهًا مُخْتَلِفَةً ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِصَلَاتِهِ خَلْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْعِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي غَيْرِ الْإِمَامَةِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِ الْأَئِمَّةِ شُفَعَاءَ ، أَيْ فِي حَقِّ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّفَاعَةِ . ثُمَّ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَؤُمَّهُ أَحَدٌ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْعِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ ، وَقَدْ أَمَّ قَاعِدًا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَجَابِرٌ ، وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَالْأَسَانِيدُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ صَحِيحَةٌ أَخْرَجَهَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ ، بَلِ ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ ، كَمَا سَيَأْتِي . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ : لَا جَوَابَ لِأَصْحَابِنَا عَنْ حَدِيثِ مَرَضِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْلُصُ عِنْدَ السَّبْكِ ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى ، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ . قَالَ : إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ بَعْضَ الْأَشْيَاخِ يَقُولُ : الْحَالُ أَحَدُ وُجُوهِ التَّخْصِيصِ ، وَحَالُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّبَرُّكُ بِهِ وَعَدَمُ الْعِوَضِ عَنْهُ يَقْتَضِي الصَّلَاةَ مَعَهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ . وَأَيْضًا فَنَقْصُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ عَنِ الْقَائِمِ لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ ، وَيُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ . وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ رَدُّهُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ النَّقْصَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْقَادِرِ فِي النَّافِلَةِ ، وَأَمَّا الْمَعْذُورُ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا نَقْصَ فِي صَلَاتِهِ عَنِ الْقَائِمِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ الْأَمْرِ بِصَلَاةِ الْمَأْمُومِ قَاعِدًا إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ قَاعِدًا لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ الصَّحَابَةَ عَلَى الْقِيَامِ خَلْفَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ ، هَكَذَا قَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ عَنْ شَيْخِهِ الْحُمَيْدِيِّ وَهُوَ تِلْمِيذُ الشَّافِعِيِّ ، وَبِذَلِكَ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَحَكَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ نَسْخَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ بِذَلِكَ وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِتَنْزِيلِهِمَا عَلَى حَالَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا إِذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ الصَّلَاةَ قَاعِدًا لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَحِينَئِذٍ يُصَلُّونَ خَلْفَهُ قُعُودًا ، ثَانِيَتُهُمَا إِذَا ابْتَدَأَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ قَائِمًا لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا سَوَاءٌ طَرَأَ مَا يَقْتَضِي صَلَاةَ إِمَامِهِمْ قَاعِدًا أَمْ لَا كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي مَرَضِ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنَّ تَقْرِيرَهُ لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمُ الْجُلُوسُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بِهِمْ قَائِمًا وَصَلَّوْا مَعَهُ قِيَامًا ، بِخِلَافِ الْحَالَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا ، فَلَمَّا صَلَّوْا خَلْفَهُ قِيَامًا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ . وَيُقَوِّي هَذَا الْجَمْعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ ، لَا سِيَّمَا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْتَلْزِمُ دَعْوَى النَّسْخِ مَرَّتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي حُكْمِ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ لَا يُصَلِّيَ قَاعِدًا ، وَقَدْ نُسِخَ إِلَى الْقُعُودِ فِي حَقِّ مَنْ صَلَّى إِمَامُهُ قَاعِدًا ، فَدَعْوَى نَسْخِ الْقُعُودِ بَعْدَ ذَلِكَ تَقْتَضِي وُقُوعَ النَّسْخِ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ نَقْلِ عِيَاضٍ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ النَّسْخِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَابْنِ حِبَّانَ ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى ، مِنْهَا قَوْلُ ابْنِ خُزَيْمَةَ : إِنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَتْ بِأَمْرِ الْمَأْمُومِ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا تَبَعًا لِإِمَامِهِ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي صِحَّتِهَا وَلَا فِي سِيَاقِهَا ، وَأَمَّا صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا فَاخْتُلِفَ فِيهَا ، هَلْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا ؟ قَالَ : وَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ لِمُخْتَلَفٍ فِيهِ . وَأُجِيبَ بِدَفْعِ الِاخْتِلَافِ وَالْحَمْلِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا مَرَّةً وَمَأْمُومًا أُخْرَى . وَمِنْهَا أَنَّ بَعْضَهُمْ جَمَعَ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْجُلُوسِ كَانَ لِلنَّدْبِ ، وَتَقْرِيرُهُ قِيَامُهُمْ خَلْفَهُ كَانَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، فَعَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَنْ أَمَّ قَاعِدًا لِعُذْرٍ تَخَيَّرَ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ بَيْنَ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ ، وَالْقُعُودُ أَوْلَى ؛ لِثُبُوتِ الْأَمْرِ بِالِائْتِمَامِ وَالِاتِّبَاعِ ، وَكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ . وَأَجَابَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ اسْتِبْعَادِ مَنِ اسْتَبْعَدَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ صَدَرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْهَاءِ - الْأَنْصَارِيِّ : أَنَّ إِمَامًا لَهُمُ اشْتَكَى لَهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : فَكَانَ يَؤُمُّنَا وَهُوَ جَالِسٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ . وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ ، فَاشْتَكَى ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ شَكْوَاهُ ، فَأَمَرُوهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَقَالَ : إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُصَلِّيَ قَائِمًا فَاقْعُدُوا ، فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا وَهُمْ قُعُودٌ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ إِمَامَنَا مَرِيضٌ ، قَالَ : إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا ، وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ اشْتَكَى ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا ، وَصَلَّوْا مَعَهُ جُلُوسًا ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَقَدْ أَلْزَمَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ مَا رَوَيَ بِأَنْ يَقُولَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَجَابِرًا رَوَيَا الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ ، وَاسْتَمَرَّا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَالْفُتْيَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا رَوَى وَعَمِلَ بِخِلَافِهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا عَمِلَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ هُنَا عَمِلَ بِوَفْقِ مَا رَوَى . وَقَدِ ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ السُّكُوتَ ؛ لِأَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ أَرْبَعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ وَقَالَ : إِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ غَيْرِهِمُ الْقَوْلَ بِخِلَافِهِ ، لَا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ إِنَّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافَ ذَلِكَ ، ثُمَّ نَازَعَ فِي ثُبُوتِ كَوْنِ الصَّحَابَةِ صَلَّوْا خَلْفَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ قَاعِدٌ قِيَامًا غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ صَرِيحًا ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ بِمَا لَا طَائِلَ فِيهِ . وَالَّذِي ادَّعَى نَفْيَهُ قَدْ أَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ : إِنَّهُ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ مُصَرَّحًا بِهِ أَيْضًا فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَفْظُهُ : فَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا ، وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَرَاءَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ ، وَصَلَّى النَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامًا ، وَهَذَا مُرْسَلٌ يَعْتَضِدُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَّقَهَا الشَّافِعِيُّ ، عَنِ النَّخَعِيِّ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ ؛ فَإِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ قِيَامًا بِلَا نِزَاعٍ ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ . ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حِبَّانَ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ قَعَدُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قِيَامًا ، بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ ، قَالَ : فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا فَقَعَدْنَا . فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِنْ كِدْتُمْ لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ ، فَلَا تَفْعَلُوا الْحَدِيثَ . وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ حَيْثُ سَقَطَ عَنِ الْفَرَسِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ ، عَنْ جَابِرٍ أَيْضًا ، قَالَ : رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ ، الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، فَلَا حُجَّةَ عَلَى هَذَا لِمَا ادَّعَاهُ ، إِلَّا أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ وَقَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ فِي مَرَضِهِ الْأَوَّلِ كَانَتْ فِي مَشْرَبَةِ عَائِشَةَ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يُسْمِعُهُمْ تَكْبِيرَهُ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؛ فَإِنَّهَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَاحْتَاجَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُسْمِعَهُمُ التَّكْبِيرَ . انْتَهَى . وَلَا رَاحَةَ لَهُ فِيمَا تَمَسَّكَ بِهِ ؛ لِأَنَّ إِسْمَاعَ التَّكْبِيرِ فِي هَذَا لَمْ يُتَابِعْ أَبَا الزُّبَيْرِ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ حَفِظَهُ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُسْمِعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ التَّكْبِيرَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ صَوْتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ خَفِيًّا مِنَ الْوَجَعِ ، وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْهَرُ عَنْهُ بِالتَّكْبِيرِ لِذَلِكَ . وَوَرَاءَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّهُ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ لَا يُتْرَكُ لِأَجْلِهِ الْخَبَرُ الصَّرِيحُ بِأَنَّهُمْ صَلَّوْا قِيَامًا ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ ، بَلْ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ أَنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا قِيَامًا إِلَى أَنِ انْقَضَتِ الصَّلَاةُ . نَعَمْ وَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَطَاءٍ الْمَذْكُورِ مُتَّصِلًا بِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَصَلَّى النَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامًا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا صَلَّيْتُمْ إِلَّا قُعُودًا ، فَصَلُّوا صَلَاةَ إِمَامِكُمْ مَا كَانَ ؛ إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُقَوِّي مَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : إِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهَا نَسْخُ الْأَمْرِ بِوُجُوبِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ قُعُودًا إِذَا صَلَّى إِمَامُهُمْ قَاعِدًا ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ بِالْإِعَادَةِ ، لَكِنْ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ يَبْقَى الْجَوَازُ ، وَالْجَوَازُ لَا يُنَافِي الِاسْتِحْبَابَ فَيُحْمَلُ أَمْرُهُ الْأَخِيرُ بِأَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ رُفِعَ بِتَقْرِيرِهِ لَهُمْ وَتَرْكِ أَمْرِهِمْ بِالْإِعَادَةِ . هَذَا مُقْتَضَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَاقِي فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ · ص 202 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ · ص 140 51 - باب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وصلى النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه الَّذِي توفي فِيه بالناس وَهُوَ جالس . وَقَالَ ابن مَسْعُود : إذا رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ، ثُمَّ يتبع الإمام وَقَالَ الْحَسَن - فيمن يركع مَعَ الإمام ركعتين ولا يقدر عَلَى السجود - : يسجد للركعة الأخيرة سجدتين ، ثُمَّ يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حَتَّى قام : يسجد . المقصود بهذا الباب : أن الإمام يتبع فِي جميع أفعاله ، وإن فات من متابعته شيء ، فإنه يقضيه المأموم ثُمَّ يتبعه ، وإنما يتم هَذَا بأن يصلوا وراءه جلوساً إذا صلى جالساً . وهذا المعنى هُوَ الَّذِي قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لأجله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ) ، والبخاري يدعي نسخه ، كما ذكره فِي آخر الباب ، فعلى قوله يفوت كمال المتابعة والائتمام بِهِ . وما علقه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فِي مرضه قَدْ خرجه فِي الباب بإسناده . وأما مَا حكاه عَن ابن مَسْعُود ، فمضمونه : أن من رفع رأسه قَبْلَ الإمام فإنه يعود إلى الركوع والسجود الَّذِي رفع مِنْهُ ، فيمكث بقدر مَا رفع قبله ليتم متابعته ، ويكون ركوعه وسجوده بقدر ركوع الإمام وسجوده . وهكذا قَالَ عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : إذا رفع أحدكم رأسه من ركعته أو سجدته قَبْلَ الإمام فليعد حَتَّى يرى أنه قَدْ أدرك مَا فاته . خرجه حرب الكرماني والإسماعيلي فِي ( مسند عُمَر ) من طريق ابن إِسْحَاق ، عَن يعقوب بْن عَبْد الله بْن الأشج ، عَن بسر بْن سَعِيد ، عَن الحارث بْن مخلد ، عَن أَبِيه مخلد ، قَالَ : سَمِعْت عُمَر ، فذكره . وخرجه الحافظ أبو موسى المديني ، من طريق حماد بْن مسعدة ، عَن ابن أَبِي ذئب ، عَن يعقوب بْن الأشج ، بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورفعه فِيهِ نكارة . وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هَذَا القدر من المتابعة للإمام ، كما خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، وليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، يجبكم الله ، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ) ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، يسمع الله لكم ؛ فإن الله تعالى قَالَ عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : سَمِعَ الله لمن حمده ، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع ) ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) وذكر بقية الحَدِيْث . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) : أن مَا سبقكم من ركوعه قبلكم وسجوده قبلكم تدركونه بتأخركم بالرفع بعده من الركوع والسجود ، فتساوونه فِي قدر ركوعه وسجوده بذلك . وروى أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ، فمهما أسبقكم بِهِ إذا ركعت تدركوني إذا رفعت ، ومهما أسبقكم بِهِ إذا سجدت تدركوني بِهِ إذا رفعت ؛ إني قَدْ بدنت ) . وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث ابن مسعدة صاحب الجيوش ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( إني قَدْ بدنت ، فمن فاته ركوعي أدركه فِي بطء قيامي ) . فلهذا المعنى قَالَ ابن مَسْعُود : فمن رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ثُمَّ يتبع الإمام . وفيه معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ إذا فعل ذَلِكَ فَقَدْ تخلص من محذور رفعه قَبْلَ الإمام ، وَهُوَ منهي عَنْهُ . وقد روي مثل قَوْلِ ابن مَسْعُود عَن عُمَر وابنه ، وعن كثير من التابعين ومن بعدهم من العلماء ، وَهُوَ قَوْلِ الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد . وأوجب أصحابنا عَلَى السابق أن يرفع ليتبع الإمام ، مَا دام الإمام لَمْ يرفع بعد . فإن رفع الإمام ، فقالوا : يستحب لَهُ أن يعوض عَن ذَلِكَ بالتطويل فِي السجدة الثانية ، وحملوا عَلِيهِ مَا روي عَن ابن عُمَر ، قَالَ : من رفع رأسه فِي السجدة الأولى قَبْلَ الإمام فليطول فِي الثانية . وعن ابن مَسْعُود ، قَالَ : ليصنع فِي الثانية بعد الإمام بقدر مَا كَانَ رفع فِي الأولى . خرجهما سَعِيد بْن منصور فِي ( سننه ) . ولم يفرق أكثرهم بَيْن أن يرفع قبله عمداً أو سهواً ، وهذا عَلَى أصل الحنفية ظاهر ؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصلاة بزيادة ركوع أو سجود عمداً ، وأما أصْحَاب الشَّافِعِيّ وأحمد فعندهم تبطل الصلاة بذلك عمداً . وَقَالَ بعض متأخريهم : إنه إن رفع قَبْلَ الإمام عمداً لَمْ يعد إلى متابعته فيما رفع عَنْهُ من ركوع أو سجود ؛ لأنه يكون قَدْ تعمد زيادة ركن عمداً فتبطل صلاته بذلك . والصحيح : مَا أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم ؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لما فعله من القيام والقعود الَّذِي سبق بِهِ الإمام ، وعود إلى متابعة الإمام ، وليس عوده إتماماً للركوع ولا للسجود الَّذِي سبق بِهِ ، بل هُوَ إبطال لَهُ ، فلا يصير بذلك متعمداً لزيادة ركن تام . وبكل حال ؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا . وقيل : إن البطلان ظاهر كلام أحمد ، وروي عَن ابن عُمَر ، وأكثر العلماء عَلَى أنها لا تبطل ، ويعتد لَهُ بِهَا إذا اجتمع مَعَ إمامه فيما بعد . ولو كَانَ سبق الإمام سهواً حَتَّى أدركه إمامه اعتد لَهُ بذلك عِنْدَ أصحابنا وغيرهم ، خلافاً لزفر . وقد بسطت القول عَلَى ذَلِكَ فِي ( كِتَاب القواعد فِي الفقه ) . والله أعلم . وأما مَا حكاه البخاري عَن الْحَسَن ، فإنه يتضمن مسألتين : إحداهما : إذا صلى مَعَ الإمام ركعتين ، وقدر عَلَى الركوع فيهما مَعَهُ دون السجود فإنه عجز عَنْهُ ، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد سجد سجدتين ، فكملت لَهُ الركعة الثانية ، وأعاد الركعة الأولى الَّتِيْ عجز عَن سجدتيها . وهذا يدل عَلَى أن المأموم إذا تخلف عَن متابعة الإمام فِي سجدتين من ركعة ، فَقَدْ فات المأموم تلك الركعة ؛ فلهذا لَمْ يعتد بالركعة الأولى ، وإنما يعتد بالثانية ؛ لأنه قدر عَلَى قضاء السجدتين ، وإدراك الإمام قَبْلَ سلامه ، فهو كما لَوْ أدركهما مَعَهُ . وفي هَذَا نظر ؛ فإنه كَانَ ينبغي أن يأتي بالسجدتين فِي قيام الإمام إلى الثانية ، ثُمَّ يلحقه كما يأتي بهما فِي حال تشهده فِي الثانية ، ولا فرق بَيْنَهُمَا . وقد يحمل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتمكن من السجدتين إلا فِي التشهد ، ولم يتمكن فِي حال قيام الإمام فِي الثانية . وعن أحمد فيما إذا تخلف عَن الإمام حَتَّى فاته مَعَهُ سجدتان - روايتان : إحداهما : أَنَّهُ تلغى ركعته ، كما قَالَ الْحَسَن ، ولكن لا فرق عنده بَيْن الركعة الأولى والثانية . والرواية الثانية : إن خاف فوات الركعة الثانية بتشاغله بقضاء السجدتين فكذلك ، وإن لَمْ يخف قضى السجدتين إذا قام الإمام فِي الثانية ثُمَّ لحقه فيها . واختلف الأصحاب فِي ذَلِكَ : فمنهم من قَالَ : هاتان الروايتان جاريتان فِي جميع صور التخلف عَن متابعة الإمام بركنين ، سواء كَانَ لسهو أو نوم أو زحام . ومنهم من قَالَ : إنما نَصَّ أحمد فِي الساهي والنائم عَلَى أن ركعته تلغى ، ونص فِي المزحوم عَلَى أَنَّهُ يقضي ثُمَّ يلحق الإمام ، فيقر النصان عَلَى مَا نَصَّ عَلِيهِ من غير نقل ولا تخريج ، ويفرق بَيْن المزحوم وغيره بأن غير المزحوم مفرط ومقصر فتلغى ركعته ، بخلاف المزحوم فإنه معذور فيأتي بما فاته ويلحق إمامه . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، فِي رَجُل صلى مَعَ الإمام ركعة ، فلما كَانَ فِي الثانية ركع الإمام وسجد سجدتيه ، ثُمَّ قام فِي الثالثة والرجل قائم ؟ قَالَ : إن أدركه فِي سجدتيه ركع وسجد معهم ، وإن كَانَ قَدْ نهض فِي الثالثة اتبعه فيما بقي من صلاته ، ثُمَّ يقضي تلك الركعة الَّتِيْ نام عَنْهَا أو غفل . وعن الزُّهْرِيّ ، فِي الرَّجُلُ يصلي مَعَ الإمام ، فينام حَتَّى يفرغ الإمام من الركعة والسجدتين ؟ قَالَ : يصلي مَا تركه بعد أن يسلم ، ويسجد سجدتي السهو . وبإسناده ، عَن هِشَام ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل كَانَ مَعَ القوم ، فنام أو سها ، فركعوا أو سجدوا ؟ قَالَ : يتبعهم بالركوع والسجود ، وليس عَلِيهِ غيره . وهذا يدل عَلَى أن كلام الْحَسَن الَّذِي حكاه البخاري إنما أراد بِهِ أَنَّهُ عجز عَن قضاء السجدتين قَبْلَ تشهد الإمام . والله أعلم . ويدل عَلِيهِ - أَيْضاً - : مَا خرجه عَبْد الرزاق فِي ( كتابه ) ، عَن معمر ، عَن رَجُل ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل دَخَلَ مَعَ قوم فِي صلاتهم ، فنعس حَتَّى ركع الإمام وسجد ؟ قَالَ : يتبع الإمام . وعن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : قُلتُ لَهُ : لَوْ كبرت مَعَ الإمام لاستفتاح الصلاة ، ثُمَّ ركع فسهوت ، فَلَمْ أركع حَتَّى رفع ؟ قَالَ : قَدْ أدركتها فاعتد بِهَا . قُلتُ لعطاء : فنعست ، فَلَمْ أزل قائماً حَتَّى رفع النَّاس وسجدوا ، فجبذني إنسان ، فجلست كما أنا ؟ قَالَ : فأوف تلك الركعة - يعني : تقضيها - . وَقَالَ عَبْد الرزاق عَن الثوري ، فِي رَجُل كبر مَعَ الإمام فِي أول الصلاة ، ثُمَّ نعس حتى صلى الإمام ركعة أو ركعتين ؟ قَالَ : إذا استيقظ ركع وسجد مَا سبقه ، ثُمَّ يتبع الإمام بما بقي ، فهو يركع ويسجد بغير قراءة . وهذا قَوْلِ غريب . وقد تقدم عَن الأوزاعي أَنَّهُ يتبعه ، ويأتي بما فاته مَا لَمْ ينهض الإمام إلى الركعة الَّتِيْ بعدها . وَقَالَ مَالِك : إن أدركهم فِي أول سجودهم سجد معهم واعتد بِهَا ، وإن علم أَنَّهُ لا يقدر عَلَى الركوع وأن يدركهم فِي السجود حَتَّى يقوموا فِي الثانية تبعهم فيما بقي ، وقضى الركعة بعد السلام ، وسجد للسهو . ومذهب الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يسجد ويتبعه مَا لَمْ يركع الإمام الركعة الثانية ؛ فإن ركع لغت ركعته ، ثُمَّ قضاها بعد سلام الإمام . ومذهب الإمام أحمد : إذا فاته مَعَ الإمام أكثر من ركنين لغت ركعته ، ويقضيها بعد سلام الإمام كالمسبوق . وعن الإمام أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ إذا نام حَتَّى فاته ركعتان بطلت صلاته . وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ نوماً طويلاً ، فانتقضت طهارته ، فيعيد الوضوء والصلاة . وحكي عَنْهُ رِوَايَة أخرى : إذا نام حَتَّى رفع الإمام من الركوع تبطل صلاته . وهي محمولة - أَيْضاً - عَلَى أَنَّهُ نام مدة قيام الأول وركوعه ورفعه ، فهو نوم طويل ناقض للطهارة . والله أعلم . المسألة الثانية : أن من نسي سجدة حَتَّى قام الإمام سجد ، ثُمَّ تابعه . وهذا قَوْلِ جمهور العلماء . ومن أصحابنا من قَالَ : لا نعلم فِيهِ خلافاً ؛ لأنه تخلف يسير لعذر ، وتعم بِهِ البلوى كثيراً فِي حق من صلى خلف من لا يطيل المكث فِي ركوعه وسجوده . وهذا مطرد فِي كل من فاته مَعَ الإمام ركن واحد لعذر من زحام أو نوم أو نسيان . ولا فرق بَيْن ركن وركن فِي ذَلِكَ عِنْدَ كثير من العلماء من أصحابنا وغيرهم . ومن أصحابنا من فرق بَيْن الركوع وغيره ، فَقَالَ : إن فاته الركوع وحده حَتَّى رفع الإمام فحكمه حكم التخلف عَن الإمام بركنين ، كما سبق ، فإما أن تفوته الركعة ويقضيها ، أو أن يركع ثُمَّ يتابع إمامه ، عَلَى مَا سبق . وحكي رِوَايَة عَن أحمد ، أَنَّهُ تبطل صلاته ، وقَدْ سبق ذكرها وتأويلها . وفرق هؤلاء بَيْن الركوع وغيره بأن الركوع عماد الركعة ، وبه تلحق وتفوت بفوته ، فألحق بالركنين فِي التخلف بِهِ عَن الإمام ، وهذه طريقة ابن أَبِي موسى وغيره . ومن سوى بَيْن الركوع وغيره فرق بَيْن هَذَا وبين المسبوق ، بأن المسبوق قَدْ فاته مَعَ الإمام معظم الركعة ، وَهُوَ القيام والقراءة والركوع ، وليس هَذَا كذلك . وقد سبق عَن عَطَاء مَا يدل عَلَى أَنَّهُ يركع بعد إمامه ويعتد لَهُ بتلك الركعة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ · ص 147 خرج البخاري فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 687 - حَدَّثَنَا أحمد بْن يونس ، ثنا زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله ، قَالَ : دخلت عَلَى عَائِشَة ، فَقُلْت : ألا تحدثيني عَن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَتْ : بلى ؛ ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( أصلى النَّاس ؟ ) فقلنا : لا ، يَا رسول الله ، وهم ينتظرونك ، فَقَالَ : ( ضعوا لِي ماء فِي المخضب ) ، قَالَتْ : ففعلنا ، فاغتسل ، فذهب لينوء فأغمي عَلِيهِ ثُمَّ أفاق ، فَقَالَ : ( أصلى النَّاس ؟ ) قلنا : لا ، وهم ينتظرونك يَا رسول الله ، والناس عكوف فِي المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة لعشاء الآخرة ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أَبِي بَكْر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول ، فَقَالَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس ، فَقَالَ أبو بَكْر - وكان رجلاً رقيقاً - : يَا عُمَر ، صل بالناس ، فقالَ لهُ عُمَر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بَكْر تلك الأيام ، ثُمَّ إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فخرج بَيْن رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يتأخر ، قَالَ : ( أجلساني إلى جنبه ) ، فأجلساه إلى جنب أَبِي بَكْر ، قَالَ : فجعل أبو بَكْر يصلي وَهُوَ يأتم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد . قَالَ عُبَيْدِ الله : فدخلت عَلَى عَبْد الله بْن عَبَّاس ، فَقُلْت : ألا أعرض عَلَيْك مَا حَدَّثَتني عَائِشَة عَن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ : هات ، فعرضت عَلِيهِ حديثها ، فما أنكر مِنْهُ شيئاً ، غير أَنَّهُ قَالَ : أسمت لَكَ الرَّجُلُ الآخر الَّذِي كَانَ مَعَ العباس ؟ قُلتُ : لا ، قَالَ : هُوَ عَلِيّ . هَذَا السياق من أتم مَا روي عَن عَائِشَة فِي هَذَا الباب ، وقد تفرد بِهِ موسى بن أَبِي عَائِشَة عَن عُبَيْدِ الله ، وقد سبق مَا قاله أبو حاتم الرَّازِي فِي حديثه هَذَا ، وأنه مِمَّا يرتاب بِهِ ، ولعل فِيهِ ألفاظاً مدرجة . والظاهر : أن مَا ذكره فِي آخره : ( فجعل أبو بَكْر يصلي ) مدرج من قَوْلِ بعض الرواة ، فلهذا قَالَ فِيهِ : ( قَالَ ) ، ولم يقل : ( قَالَتْ ) ، فالظاهر أن عَائِشَة لَمْ تقل ذَلِكَ ، إنما قاله عُبَيْدِ الله أو غيره كما تقدم ذَلِكَ من قَوْلِ عُرْوَةَ ، زاده فِي حديثه عَن عائشة . وقوله : ( ذهب لينوء ) ، أي : ينهض بثقل ، من قولهم : نؤت بالحمل أنوء بِهِ إذا نهضت بِهِ . وفي هَذَا الحَدِيْث من العلم مسائل كثيرة : مِنْهَا : أن الإمام إذا كَانَ قريباً من المسجد وعرف عذره المانع لَهُ من الخروج إلى الصلاة ، فإنه ينتظر خروجه . ومنها : أن المغمى عَلِيهِ إذا أفاق فإنه يستحب لَهُ أن يغتسل ، وقد سبقت المسألة فِي ( الطهارة ) . ومنها : أن المأمور بالصلاة بالناس لَهُ أن يأذن لغيره فِي الصلاة بهم ؛ فإن أبا بَكْر أذن لعمر . ويؤخذ من هَذَا : أن الوكيل لَهُ أن يوكل فيما وكل فِيهِ من غير إذن لَهُ فِي التوكيل ، كما هُوَ أحد قولي العلماء ، وإحدى الروايتين عَن أحمد . ومنها : جواز وقوف المأموم إلى جانب الإمام ، وإن كَانَ وراءه صفوف ، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ . ومنها - وَهُوَ مقصود البخاري هاهنا - : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ هُوَ الإمام فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر مؤتماً بِهِ ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فِي هذه الصلاة ، وكان أبو بَكْر إلى جانبه قائماً ، والناس وراءه قياماً ، ولم يأمره بالجلوس ، وهذه الصلاة كَانَتْ فِي آخر حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فدل ذَلِكَ عَلَى نسخ أمره بالجلوس وراء الإمام إذا صلى جالساً ؛ لأن ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ هَذَا بغير شك . وقد ذكره البخاري فِي آخر الباب عَن أَبِي بَكْر الحميدي ، والحميدي أخذه عَن الشَّافِعِيّ ، وسيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ بعد ذكر باقي أحاديث الباب إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إنما جعل الإمام ليؤتم به · ص 213 ( باب إنما جعل الإمام ليؤتم به ) . أي هذا باب ترجمته إنما جعل الإمام ليؤتم أي ليقتدى به ، وهذه الترجمة قطعة من حديث مالك من أحاديث الباب على ما يأتي إن شاء الله تعالى . ( وصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه بالناس وهو جالس ) . هذا التعليق تقدم مسندا من حديث عائشة ؛ فإن قلت : هذا لا دخل له في الترجمة فما فائدة ذكره ؟ قلت : إنه يشير به إلى أن الترجمة التي هي قطعة من الحديث عام يقتضي متابعة المأموم الإمام مطلقا ، وقد لحقه دليل الخصوص ، وهو حديث عائشة فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس والناس خلفه قيام ، ولم يأمرهم بالجلوس فدل على دخول التخصيص في عموم قوله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) . ( وقال ابن مسعود : إذا رفع قبل الإمام يعود فيمكث بقدر ما رفع ثم يتبع الإمام ) . مطابقته للترجمة تؤخذ من لفظ الترجمة على ما لا يخفى ، وهذا التعليق ، وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عن هشيم ، أخبرنا حصين ، عن هلال بن يسار ، عن أبي حيان الأشجعي ، وكان من أصحاب عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود ، وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ، ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام . وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قول ابن مسعود بإسناد صحيح ، ولفظه : أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه ، ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة ، وقال البيهقي : ورويناه عن إبراهيم والشعبي أنه يعود فيسجد ، وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه ، ومذهب مالك أن من خفض أو رفع قبل إمامه أنه يرجع فيفعل ما دام إمامه لم يرفع من ذلك ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، والحسن ، والنخعي ، وروي نحوه عن عمر رضي الله تعالى عنه ، وقال ابنه : من ركع أو سجد قبل إمامه لا صلاة له ، وهو قول أهل الظاهر ، وقال الشافعي وأبو ثور : إذا ركع أو سجد قبله فإن إدركه الإمام فيهما أساء ويجزيه . حكاه ابن بطال ، ولو أدرك الإمام في الركوع فكبر مقتديا به ووقف حتى رفع الإمام رأسه فركع لا يجزيه عندنا خلافا لزفر . ( وقال الحسن فيمن يركع مع الإمام ركعتين ، ولا يقدر على السجود يسجد للركعة الآخرة سجدتين ثم يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حتى قام يسجد ) . أي الحسن البصري ، والذي قاله مسألتان : الأولى : قوله : ( فيمن يركع ) ، إلى قوله : ( بسجودها ) ، ووصلها سعيد بن منصور ) ، عن هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، ولفظه : في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحمه الناس فلا يقدر على السجود ، قال : إذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين لركعته الأولى ، ثم يقوم فيصلي ركعة وسجدتين ، قوله : ( ولا يقدر على السجود ) ، أي لزحام ونحوه على السجود بين الركعتين ، وقد فسره فيما رواه سعيد بن منصور بقوله : ( في الرجل يركع يوم الجمعة فيزاحمه الناس فلا يقدر على السجود ) ، وإنما ذكر يوم الجمعة في هذا ، وإن كان الحكم عاما لأن الغالب في يوم الجمعة ازدحام الناس ، قوله : ( الآخرة ) ، ويروى : الأخيرة ، وإنما قال : الركعة الأولى دون الثانية لاتصال الركوع الثاني به . المسألة الثانية : قوله : ( وفيمن نسي سجدة ) ، أي قال الحسن فيمن نسي سجدة من أول صلاته ، قوله : ( يسجد ) يعني يطرح القيام الذي فعله على غير نظم الصلاة ، ويجعل وجوده كالعدم ، ووصلها ابن أبي شيبة بأتم منه ، ولفظه : في رجل نسي سجدة من أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخر ركعة من صلاته ، قال : يسجد ثلاث سجدات فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة ، وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة ؛ فإن قلت : ما مطابقة المروي عن الحسن للترجمة قلت : مطابقته لها من حيث إن فيه متابعة الإمام بوجود بعض المخالفة فيه ، وقال مالك في مسألة الزحام : لا يسجد على ظهر أحد فإن خالف يعيد ، وقال أصحابنا والشافعي وأبو ثور : يسجد ولا إعادة عليه . 78 - حدثنا أحمد بن يونس ، قال : حدثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، قال : دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدثيني عن مرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قالت : بلى ، ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك . قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : ففعلنا ، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال صلى الله عليه وسلم : أصلى الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : ضعوا لي ماء في المخضب ، قالت : فقعد فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، وهم ينتظرونك يا رسول الله ، فقال : ضعوا لي ماء في المخضب ، فقعد فاغتسل ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق ، فقال : أصلى الناس ؟ فقلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاة العشاء الآخرة ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس ، فأتاه الرسول فقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر ، وكان رجلا رقيقا : يا عمر صل بالناس ، فقال له عمر : أنت أحق بذلك ، فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر ، فأومأ إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يتأخر ، قال : أجلساني إلى جنبه ، فأجلساه إلى جنب أبي بكر ، قال : فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والناس بصلاة أبي بكر ، والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد ، قال عبيد الله : فدخلت على عبد الله بن عباس ، فقلت له : ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : هات ، فعرضت عليه حديثها فما أنكر منه شيئا غير أنه قال : أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت : لا ، قال : هو علي . مطابقته للترجمة في قوله : ( فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - عليه الصلاة والسلام - ) وكون الإمام جعل ليؤتم به ظاهر هاهنا . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة . الأول : أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله التميمي اليربوعي الكوفي ، الثاني : زائدة بن قدامة البكري الكوفي ، الثالث : موسى بن أبي عائشة الهمداني أبو بكر الكوفي ، الرابع : عبيد الله بتصغير العبد ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود أبو عبد الله الهذلي أحد الفقهاء السبعة ، مات سنة ثمان وتسعين . الخامس : أم المؤمنين عائشة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن الثلاثة الأول من الرواة كوفيون ، وفيه شيخ البخاري مذكور باسم جده . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أما البخاري فإنه أخرج هذا الحديث مقطعا ومطولا ومختصرا في مواضع عديدة قد ذكرنا أكثرها ، وأخرجه هنا عن أحمد بن يونس ووافقه في ذلك مسلم ، وأخرجه عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة به ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن ابن عباس العنبري عن ابن مهدي عن زائدة به ، وفي الوفاة عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن زائدة . ( ذكر معناه ) ، قوله : ( ألا ) للعرض والاستفتاح ، قوله : ( بلى ) بمعنى نعم أحدثك ، قوله : ( لما ثقل ) بضم القاف يعني لما اشتد مرضه ، وقد استقصينا الكلام فيه في باب الغسل ، والوضوء في المخضب ، وفي حد المريض أن يشهد الجماعة وغيرهما ، ونذكر هاهنا بعض شيء مما يحتاج إليه لسرعة الوقوف عليه ، قوله : ( أصلى الناس ) ؟ الهمزة فيه للاستفهام والاستخبار ، قوله : ( فقلنا : لا ) ، ويروى : " قلنا " بدون الفاء ، قوله : ( وهم ينتظرونك ) الواو فيه للحال ، قوله : ( ضعوا لي ماء ) باللام ، وفي رواية المستملي والسرخسي : ضعوني بالنون ، والكرماني ذهل عن رواية الجمهور التي هي باللام وسأل على رواية النون ، فقال : القياس باللام لا بالنون لأن الماء مفعول وهو لا يتعدى إلى مفعولين ، ثم أجاب بأن الوضع ضمن معنى الإيتاء أو لفظ الماء تمييز عن المخضب مقدم عليه إن جوزنا التقديم أو هو منصوب بنزع الخافض ، قلت : كل هذا تعسف إلا معنى التضمين فله وجه ، قوله : ( في المخضب )بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة ، وهو المركن أي الإجانة ، قوله : ( ففعلنا فاغتسل ) ، ويروى : ففعلنا فقعد فاغتسل ، قوله : ( فذهب ) بالفاء ، وفي رواية الكشميهني : ثم ذهب ، قوله : ( لينوء ) بضم النون بعدها همزة أي لينهض بجهد ، وقال الكرماني : وينوء كيقوم لفظا ومعنى ، قوله : ( فأغمي عليه ) فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء لأنه شبيه بالنوم ، وقال النووي : لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون فإنه لم يجز عليهم لأنه نقص ، قلت : العقل في الإغماء يكون مغلوبا ، وفي المجنون يكون مسلوبا ، قوله : ( قلنا لا ) يعني لم يصلوا ، قوله : ( هم ينتظرونك ) جملة اسمية ، وقعت حالا بلا واو ، وهو جائز ، وقد وقع في القرآن نحو قوله تعالى : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وكذلك هم ينتظرونك ، الثاني : قوله : ( لصلاة العشاء ) ، كذا باللام في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والكشميهني : الصلاة العشاء الآخرة ، قوله : ( عكوف ) بضم العين جمع العاكف أي مجتمعون ، وأصل العكف اللبث ، ومنه الاعتكاف لأنه لبث في المسجد ، قوله : ( تلك الأيام ) أي التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها مريضا غير قادر على الخروج ، قوله : ( لصلاة الظهر ) هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت صلاة الظهر ، وزعم بعضهم أنها الصبح ، قوله : ( أجلساني ) من الإجلاس ، قوله : ( وهو يأتم بصلاة النبي - عليه الصلاة والسلام - ) هذه رواية المستملي ، والسرخسي ، ورواية الأكثرين : فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم من القيام ، قوله : ( بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ) ويروى بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد قال الشافعي بأنه عليه الصلاة والسلام لم يصل بالناس في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة ، وهي هذه التي صلى فيها قاعدا ، وكان أبو بكر فيها إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير ، قوله : ( ألا ) أعرض الهمزة للاستفهام ، ولا للنفي ، وليس حرف التنبيه ، ولا حرف التحضيض بل هو استفهام للعرض . ( ذكر ما يستفاد منه ) وقد ذكرنا أكثر فوائد هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ، ونذكر أيضا ما لم نذكره هناك فيه دليل على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بالقوم قاعدا لأنه صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ، ولم يصل بهم قاعدا غير مرة واحدة ، وفيه صحة إمامة المعذور لمثله ، وفيه دليل على صحة إمامة القاعد للقائم أيضا خلافا لما روي عن مالك في المشهور عنه ، ولمحمد بن الحسن ، وقالا في ذلك أن الذي نقل عنه صلى الله عليه وسلم كان خاصا به ، واحتج محمد أيضا بحديث جابر عن الشعبي مرفوعا : لا يؤمن أحد بعدي جالسا ، أخرجه الدارقطني ثم البيهقي ، وقال الدارقطني : لم يروه عن الشعبي غير جابر الجعفي ، وهو متروك ، والحديث مرسل لا تقوم به حجة ، وقال ابن بزيزة : لو صح لم يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون المراد منه الصلاة بالجالس ، قلت : يعني يجعل جالسا مفعولا لا حال ، وهذا خلاف ظاهر التركيب في زعم المحتج به ، وزعم عياض ناقلا عن بعض المالكية أن الحديث المذكور يدل على نسخ الأمر المتقدم لهم بالجلوس لما صلوا خلفه قياما ، ورد بأن ذلك على تقدير صحته يحتاج إلى تاريخ ثم اعلم أن جواز صلاة القائم خلف القاعد هو مذهب أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، والشافعي ، ومالك في رواية ، والأوزاعي ، واحتجوا في ذلك بحديث عائشة المذكور ، فإن قلت : روى البخاري ومسلم والأربعة عن أنس قال : سقط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرس . الحديث ، وفيه : إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا . وروى البخاري أيضا ، ومسلم عن عائشة قالت : اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل عليه ناس من أصحابه . الحديث ، وفيه : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ، قلت : هؤلاء يجعلون هذين الحديثين منسوخين بحديث عائشة المتقدم أنه صلى آخر صلاته قاعدا والناس خلفه قيام ، وأيضا أن تلك الصلاة كانت تطوعا ، والتطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض ، وقد صرح بذلك في بعض طرقه كما أخرجه أبو داود في سننه عن أبي سفيان عن جابر قال : ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا له في المدينة فصرعه على جذع نخلة ، فانفكت قدمه ، فأتيناه نعوده ، فوجدناه في مشربة لعائشة يسبح جالسا ، قال : فقمنا خلفه فسكت عنا ، ثم أتيناه مرة أخرى نعوده ، فصلى المكتوبة جالسا ، فقمنا خلفه فأشار إلينا فقعدنا ، قال : فلما قضى الصلاة ، قال : إذا صلى الإمام جالسا فصلوا جلوسا ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما ولا تفعلوا كما يفعل أهل الفارس بعظمائها . ورواه ابن حبان في صحيحه كذلك ثم قال : وفي هذا الخبر دليل على أن ما في حديث حميد عن أنس أنه صلى بهم قاعدا وهم قيام أنه إنما كانت الصلاة سبحة ، فلما حضرت الفريضة أمرهم بالجلوس فجلسوا فكان أمر فريضة لا فضيلة ، قلت : ومما يدل على أن التطوعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الفرائض ما أخرجه الترمذي عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال : قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة ، فإن كان لا بد ففي التطوع لا في الفريضة . وقال : حديث حسن .