حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ

باب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وصلى النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه الَّذِي توفي فِيه بالناس وَهُوَ جالس . وَقَالَ ابن مَسْعُود : إذا رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ، ثُمَّ يتبع الإمام وَقَالَ الْحَسَن - فيمن يركع مَعَ الإمام ركعتين ولا يقدر عَلَى السجود - : يسجد للركعة الأخيرة سجدتين ، ثُمَّ يقضي الركعة الأولى بسجودها ، وفيمن نسي سجدة حَتَّى قام : يسجد . المقصود بهذا الباب : أن الإمام يتبع فِي جميع أفعاله ، وإن فات من متابعته شيء ، فإنه يقضيه المأموم ثُمَّ يتبعه ، وإنما يتم هَذَا بأن يصلوا وراءه جلوساً إذا صلى جالساً .

وهذا المعنى هُوَ الَّذِي قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لأجله : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ) ، والبخاري يدعي نسخه ، كما ذكره فِي آخر الباب ، فعلى قوله يفوت كمال المتابعة والائتمام بِهِ . وما علقه من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم جالساً فِي مرضه قَدْ خرجه فِي الباب بإسناده . وأما مَا حكاه عَن ابن مَسْعُود ، فمضمونه : أن من رفع رأسه قَبْلَ الإمام فإنه يعود إلى الركوع والسجود الَّذِي رفع مِنْهُ ، فيمكث بقدر مَا رفع قبله ليتم متابعته ، ويكون ركوعه وسجوده بقدر ركوع الإمام وسجوده .

وهكذا قَالَ عُمَر بْن الخَطَّاب ، قَالَ : إذا رفع أحدكم رأسه من ركعته أو سجدته قَبْلَ الإمام فليعد حَتَّى يرى أنه قَدْ أدرك مَا فاته . خرجه حرب الكرماني والإسماعيلي فِي ( مسند عُمَر ) من طريق ابن إِسْحَاق ، عَن يعقوب بْن عَبْد الله بْن الأشج ، عَن بسر بْن سَعِيد ، عَن الحارث بْن مخلد ، عَن أَبِيه مخلد ، قَالَ : سَمِعْت عُمَر ، فذكره . وخرجه الحافظ أبو موسى المديني ، من طريق حماد بْن مسعدة ، عَن ابن أَبِي ذئب ، عَن يعقوب بْن الأشج ، بِهِ ، إلا أَنَّهُ رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

ورفعه فِيهِ نكارة . وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هَذَا القدر من المتابعة للإمام ، كما خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ، وليؤمكم أحدكم ، فإذا كبر فكبروا ، وإذا قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فقولوا : آمين ، يجبكم الله ، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا ، فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم ) ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، يسمع الله لكم ؛ فإن الله تعالى قَالَ عَلَى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم : سَمِعَ الله لمن حمده ، فإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا ؛ فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع ) ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) وذكر بقية الحَدِيْث . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ( فتلك بتلك ) : أن مَا سبقكم من ركوعه قبلكم وسجوده قبلكم تدركونه بتأخركم بالرفع بعده من الركوع والسجود ، فتساوونه فِي قدر ركوعه وسجوده بذلك .

وروى أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ، فمهما أسبقكم بِهِ إذا ركعت تدركوني إذا رفعت ، ومهما أسبقكم بِهِ إذا سجدت تدركوني بِهِ إذا رفعت ؛ إني قَدْ بدنت ) . وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث ابن مسعدة صاحب الجيوش ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( إني قَدْ بدنت ، فمن فاته ركوعي أدركه فِي بطء قيامي ) . فلهذا المعنى قَالَ ابن مَسْعُود : فمن رفع قَبْلَ الإمام يعود فيمكث بقدر مَا رفع ثُمَّ يتبع الإمام .

وفيه معنى آخر ، وَهُوَ : أَنَّهُ إذا فعل ذَلِكَ فَقَدْ تخلص من محذور رفعه قَبْلَ الإمام ، وَهُوَ منهي عَنْهُ . وقد روي مثل قَوْلِ ابن مَسْعُود عَن عُمَر وابنه ، وعن كثير من التابعين ومن بعدهم من العلماء ، وَهُوَ قَوْلِ الفقهاء المشهورين كأبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي وأحمد . وأوجب أصحابنا عَلَى السابق أن يرفع ليتبع الإمام ، مَا دام الإمام لَمْ يرفع بعد .

فإن رفع الإمام ، فقالوا : يستحب لَهُ أن يعوض عَن ذَلِكَ بالتطويل فِي السجدة الثانية ، وحملوا عَلِيهِ مَا روي عَن ابن عُمَر ، قَالَ : من رفع رأسه فِي السجدة الأولى قَبْلَ الإمام فليطول فِي الثانية . وعن ابن مَسْعُود ، قَالَ : ليصنع فِي الثانية بعد الإمام بقدر مَا كَانَ رفع فِي الأولى . خرجهما سَعِيد بْن منصور فِي ( سننه ) .

ولم يفرق أكثرهم بَيْن أن يرفع قبله عمداً أو سهواً ، وهذا عَلَى أصل الحنفية ظاهر ؛ لأنهم يرون أن لا تبطل الصلاة بزيادة ركوع أو سجود عمداً ، وأما أصْحَاب الشَّافِعِيّ وأحمد فعندهم تبطل الصلاة بذلك عمداً . وَقَالَ بعض متأخريهم : إنه إن رفع قَبْلَ الإمام عمداً لَمْ يعد إلى متابعته فيما رفع عَنْهُ من ركوع أو سجود ؛ لأنه يكون قَدْ تعمد زيادة ركن عمداً فتبطل صلاته بذلك . والصحيح : مَا أطلقه الأئمة وأكثر أصحابهم ؛ فإن عوده إلى المتابعة قطع لما فعله من القيام والقعود الَّذِي سبق بِهِ الإمام ، وعود إلى متابعة الإمام ، وليس عوده إتماماً للركوع ولا للسجود الَّذِي سبق بِهِ ، بل هُوَ إبطال لَهُ ، فلا يصير بذلك متعمداً لزيادة ركن تام .

وبكل حال ؛ فإذا تعمد المأموم سبق إمامه ففي بطلان صلاته بذلك وجهان لأصحابنا . وقيل : إن البطلان ظاهر كلام أحمد ، وروي عَن ابن عُمَر ، وأكثر العلماء عَلَى أنها لا تبطل ، ويعتد لَهُ بِهَا إذا اجتمع مَعَ إمامه فيما بعد . ولو كَانَ سبق الإمام سهواً حَتَّى أدركه إمامه اعتد لَهُ بذلك عِنْدَ أصحابنا وغيرهم ، خلافاً لزفر .

وقد بسطت القول عَلَى ذَلِكَ فِي ( كِتَاب القواعد فِي الفقه ) . والله أعلم . وأما مَا حكاه البخاري عَن الْحَسَن ، فإنه يتضمن مسألتين : إحداهما : إذا صلى مَعَ الإمام ركعتين ، وقدر عَلَى الركوع فيهما مَعَهُ دون السجود فإنه عجز عَنْهُ ، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد سجد سجدتين ، فكملت لَهُ الركعة الثانية ، وأعاد الركعة الأولى الَّتِيْ عجز عَن سجدتيها .

وهذا يدل عَلَى أن المأموم إذا تخلف عَن متابعة الإمام فِي سجدتين من ركعة ، فَقَدْ فات المأموم تلك الركعة ؛ فلهذا لَمْ يعتد بالركعة الأولى ، وإنما يعتد بالثانية ؛ لأنه قدر عَلَى قضاء السجدتين ، وإدراك الإمام قَبْلَ سلامه ، فهو كما لَوْ أدركهما مَعَهُ . وفي هَذَا نظر ؛ فإنه كَانَ ينبغي أن يأتي بالسجدتين فِي قيام الإمام إلى الثانية ، ثُمَّ يلحقه كما يأتي بهما فِي حال تشهده فِي الثانية ، ولا فرق بَيْنَهُمَا . وقد يحمل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يتمكن من السجدتين إلا فِي التشهد ، ولم يتمكن فِي حال قيام الإمام فِي الثانية .

وعن أحمد فيما إذا تخلف عَن الإمام حَتَّى فاته مَعَهُ سجدتان - روايتان : إحداهما : أَنَّهُ تلغى ركعته ، كما قَالَ الْحَسَن ، ولكن لا فرق عنده بَيْن الركعة الأولى والثانية . والرواية الثانية : إن خاف فوات الركعة الثانية بتشاغله بقضاء السجدتين فكذلك ، وإن لَمْ يخف قضى السجدتين إذا قام الإمام فِي الثانية ثُمَّ لحقه فيها . واختلف الأصحاب فِي ذَلِكَ : فمنهم من قَالَ : هاتان الروايتان جاريتان فِي جميع صور التخلف عَن متابعة الإمام بركنين ، سواء كَانَ لسهو أو نوم أو زحام .

ومنهم من قَالَ : إنما نَصَّ أحمد فِي الساهي والنائم عَلَى أن ركعته تلغى ، ونص فِي المزحوم عَلَى أَنَّهُ يقضي ثُمَّ يلحق الإمام ، فيقر النصان عَلَى مَا نَصَّ عَلِيهِ من غير نقل ولا تخريج ، ويفرق بَيْن المزحوم وغيره بأن غير المزحوم مفرط ومقصر فتلغى ركعته ، بخلاف المزحوم فإنه معذور فيأتي بما فاته ويلحق إمامه . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، فِي رَجُل صلى مَعَ الإمام ركعة ، فلما كَانَ فِي الثانية ركع الإمام وسجد سجدتيه ، ثُمَّ قام فِي الثالثة والرجل قائم ؟ قَالَ : إن أدركه فِي سجدتيه ركع وسجد معهم ، وإن كَانَ قَدْ نهض فِي الثالثة اتبعه فيما بقي من صلاته ، ثُمَّ يقضي تلك الركعة الَّتِيْ نام عَنْهَا أو غفل . وعن الزُّهْرِيّ ، فِي الرَّجُلُ يصلي مَعَ الإمام ، فينام حَتَّى يفرغ الإمام من الركعة والسجدتين ؟ قَالَ : يصلي مَا تركه بعد أن يسلم ، ويسجد سجدتي السهو .

وبإسناده ، عَن هِشَام ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل كَانَ مَعَ القوم ، فنام أو سها ، فركعوا أو سجدوا ؟ قَالَ : يتبعهم بالركوع والسجود ، وليس عَلِيهِ غيره . وهذا يدل عَلَى أن كلام الْحَسَن الَّذِي حكاه البخاري إنما أراد بِهِ أَنَّهُ عجز عَن قضاء السجدتين قَبْلَ تشهد الإمام . والله أعلم .

ويدل عَلِيهِ - أَيْضاً - : مَا خرجه عَبْد الرزاق فِي ( كتابه ) ، عَن معمر ، عَن رَجُل ، عَن الْحَسَن ، فِي رَجُل دَخَلَ مَعَ قوم فِي صلاتهم ، فنعس حَتَّى ركع الإمام وسجد ؟ قَالَ : يتبع الإمام . وعن ابن جُرَيْج ، عَن عَطَاء ، قَالَ : قُلتُ لَهُ : لَوْ كبرت مَعَ الإمام لاستفتاح الصلاة ، ثُمَّ ركع فسهوت ، فَلَمْ أركع حَتَّى رفع ؟ قَالَ : قَدْ أدركتها فاعتد بِهَا . قُلتُ لعطاء : فنعست ، فَلَمْ أزل قائماً حَتَّى رفع النَّاس وسجدوا ، فجبذني إنسان ، فجلست كما أنا ؟ قَالَ : فأوف تلك الركعة - يعني : تقضيها - .

وَقَالَ عَبْد الرزاق عَن الثوري ، فِي رَجُل كبر مَعَ الإمام فِي أول الصلاة ، ثُمَّ نعس حتى صلى الإمام ركعة أو ركعتين ؟ قَالَ : إذا استيقظ ركع وسجد مَا سبقه ، ثُمَّ يتبع الإمام بما بقي ، فهو يركع ويسجد بغير قراءة . وهذا قَوْلِ غريب . وقد تقدم عَن الأوزاعي أَنَّهُ يتبعه ، ويأتي بما فاته مَا لَمْ ينهض الإمام إلى الركعة الَّتِيْ بعدها .

وَقَالَ مَالِك : إن أدركهم فِي أول سجودهم سجد معهم واعتد بِهَا ، وإن علم أَنَّهُ لا يقدر عَلَى الركوع وأن يدركهم فِي السجود حَتَّى يقوموا فِي الثانية تبعهم فيما بقي ، وقضى الركعة بعد السلام ، وسجد للسهو . ومذهب الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يسجد ويتبعه مَا لَمْ يركع الإمام الركعة الثانية ؛ فإن ركع لغت ركعته ، ثُمَّ قضاها بعد سلام الإمام . ومذهب الإمام أحمد : إذا فاته مَعَ الإمام أكثر من ركنين لغت ركعته ، ويقضيها بعد سلام الإمام كالمسبوق .

وعن الإمام أحمد رِوَايَة : أَنَّهُ إذا نام حَتَّى فاته ركعتان بطلت صلاته . وهذا محمول عَلَى أَنَّهُ كَانَ نوماً طويلاً ، فانتقضت طهارته ، فيعيد الوضوء والصلاة . وحكي عَنْهُ رِوَايَة أخرى : إذا نام حَتَّى رفع الإمام من الركوع تبطل صلاته .

وهي محمولة - أَيْضاً - عَلَى أَنَّهُ نام مدة قيام الأول وركوعه ورفعه ، فهو نوم طويل ناقض للطهارة . والله أعلم . المسألة الثانية : أن من نسي سجدة حَتَّى قام الإمام سجد ، ثُمَّ تابعه .

وهذا قَوْلِ جمهور العلماء . ومن أصحابنا من قَالَ : لا نعلم فِيهِ خلافاً ؛ لأنه تخلف يسير لعذر ، وتعم بِهِ البلوى كثيراً فِي حق من صلى خلف من لا يطيل المكث فِي ركوعه وسجوده . وهذا مطرد فِي كل من فاته مَعَ الإمام ركن واحد لعذر من زحام أو نوم أو نسيان .

ولا فرق بَيْن ركن وركن فِي ذَلِكَ عِنْدَ كثير من العلماء من أصحابنا وغيرهم . ومن أصحابنا من فرق بَيْن الركوع وغيره ، فَقَالَ : إن فاته الركوع وحده حَتَّى رفع الإمام فحكمه حكم التخلف عَن الإمام بركنين ، كما سبق ، فإما أن تفوته الركعة ويقضيها ، أو أن يركع ثُمَّ يتابع إمامه ، عَلَى مَا سبق . وحكي رِوَايَة عَن أحمد ، أَنَّهُ تبطل صلاته ، وقَدْ سبق ذكرها وتأويلها .

وفرق هؤلاء بَيْن الركوع وغيره بأن الركوع عماد الركعة ، وبه تلحق وتفوت بفوته ، فألحق بالركنين فِي التخلف بِهِ عَن الإمام ، وهذه طريقة ابن أَبِي موسى وغيره . ومن سوى بَيْن الركوع وغيره فرق بَيْن هَذَا وبين المسبوق ، بأن المسبوق قَدْ فاته مَعَ الإمام معظم الركعة ، وَهُوَ القيام والقراءة والركوع ، وليس هَذَا كذلك . وقد سبق عَن عَطَاء مَا يدل عَلَى أَنَّهُ يركع بعد إمامه ويعتد لَهُ بتلك الركعة .

والله سبحانه وتعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث