باب إذا زَارَ الإمَامُ قَوْماً فَأَمَّهُمْ
باب إذا زَارَ الإمَامُ قَوْماً فَأَمَّهُمْ 686 - حَدَّثَنَا معاذ بن أسد ، ثنا عَبْد الله ، أنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، قَالَ : أخبرني محمود بْن الربيع ، قَالَ : سَمِعْت عتبان بْن مَالِك الأنصاري ، قَالَ : استأذن عَلِيّ النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت لَهُ ، فَقَالَ : ( أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ ) فأشرت لَهُ إلى المكان الَّذِي أحب ، فقام وصففنا خلفه ، ثُمَّ سلم فسلمنا . قَدْ سبق هَذَا الحَدِيْث مطولاً ومختصراً فِي ( أبواب المساجد ) . وإنما مقصوده مِنْهُ هاهنا : أَنَّهُ يجوز للزائر أن يؤم فِي منزل من زاره بإذنه .
وقد اختلف فِي كراهة ذَلِكَ : فكرهه طائفة ، منهم : إِسْحَاق ، واستدل بما رَوَى بديل بْن ميسرة ، عَن أَبِي عطية مَوْلَى لهم ، عَن مَالِك بْن الحويرث ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من زار قوماً فلا يؤمهم ، وليؤمهم رَجُل منهم ) . خرجه أبو داود والترمذي ، وخرجه النسائي بمعناه ، وحسنه الترمذي . وقد عمل بهذا الحَدِيْث مَالِك بْن الحويرث ، ولم يتقدم فِي منزل غيره مَعَ أمرهم لَهُ بالتقدم ، واستدل بما رواه .
وأبو عطية هَذَا ، قَالَ ابن المديني : لا نعرفه . رَوَى إِسْحَاق بْن يَحْيَى بْن طلحة ، عَن المُسَيِّب بْن رافع ومعبد بْن خَالِد ، عَن عَبْد الله بْن يزيد الخطمي - وكان أميراً عَلَى الكوفة - فَقَالَ : أتينا قيس بْن سعد بْن عُبَادَة فِي بيته ، فأذن بالصلاة ، فقلنا لقيس : قم فصل لنا ، فَقَالَ : لَمْ أكن لأصلي بقوم لست عليهم بأمير ، فَقَالَ رَجُل ليس بدونه - يقال لَهُ : عَبْد الله بن حنظلة الغسيل - : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الرَّجُلُ أحق أن يؤم فِي رحله ) . خرجه الجوزجاني .
وخرجه الطبراني والبزار ، وعنده : ( فِي بيته ) ، وزاد : ( فأمر مَوْلَى لَهُ فتقدم فصلى ) . وخرجه البيهقي - أَيْضاً - بمعناه . وإسحاق هَذَا ، ضَعِيف جداً .
وقد روي هَذَا المعنى من وجوه متعددة فيها ضعف . وروى أبو نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد مَوْلَى أَبِي أسيد ، قَالَ : بنيت عَلَى أهلي وأنا مملوك ، فدعوت أناساً من أصْحَاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيهم : عبد الله بن مسعود وأبو ذر وحذيفة ، فحضرت الصلاة ، فَقُلْت : يتقدم بعضكم ، فقالوا : لا ، تقدم أنت أحق ، فقدموني . خرجه وكيع وابن أَبِي شيبة وغيرهما .
واستدل بِهِ أحمد وغيره عَلَى إمامة العبد . وروى أبو إِسْحَاق ، عَن علقمة - قَالَ : ولم أسمعه مِنْهُ - ، أن ابن مَسْعُود أتى أَبَا موسى فِي منزله ، فحضرت الصلاة ، فَقَالَ أبو موسى : تقدم يَا أَبَا عَبْد الرحمن ؛ فإنك أقدمنا سنا وأعلم ، قَالَ : بل تقدم أنت ؛ فإنما أتيناك فِي منزلك ومسجدك ، فأنت أحق ، فتقدم أبو موسى . وَقَالَ أشعث ، عَن الْحَسَن : صاحب البيت أحق بالإمامة .
ورخص آخرون فِي إمامة الزائر بإذن رب البيت ، وَهُوَ قَوْلِ مَالِك وأحمد . وهذا القول هُوَ الَّذِي بوب عَلِيهِ البخاري هاهنا ، ولكنه لَمْ يشترط الإذن . وقد وافقه ابن عقيل من أصحابنا ، وَقَالَ : إنما يكون رب البيت وإمام المسجد أولى ممن سواه لا ممن هُوَ أقرأ مِنْهُ أو أفقه .
وظاهر هَذَا : أَنَّهُ يقدم الأقرأ والأفقه مطلقاً عَلَى إمام المسجد ورب البيت ، بإذنه وغيره . وقد روي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن مَا يدل عَلَى ذَلِكَ - أَيْضاً - وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى . وأكثر العلماء عَلَى أَنَّهُ إنما يقدم عَلَى رب البيت وإمام المسجد بإذنه ، وإنما يعتبر الإذن فِي حق غير النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد ذكر أبو بَكْر الأثرم فِي كتابه ( الناسخ والمنسوخ ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يصلي بالقوم إذا زارهم من غير استئذان ؛ لأنه كَانَ إمام النَّاس كلهم حيثمَا كَانَ ، وليس هَذَا لغيره ، قَالَ : والنهي عَن إمامة الزائر يحمل فِي حق أمته عَلَى إمامتهم بغير إذنهم . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يؤمن الرَّجُلُ الرَّجُل فِي سلطانه ، ولا يقعد فِي بيته عَلَى تكرمته إلا بإذنه ) . قَالَ الإمام أحمد : أرجو أن يكون الاستثناء عَلَى كله ، وأما التكرمة فلا بأس بِهِ إذا أذن .
يعني : أن الاستثناء يعود إلى الجلوس عَلَى التكرمة قطعاً من غير شك ، ويرجى عوده إلى الإمامة فِي سلطانه - أَيْضاً - فيكون مرخصاً فيها بإذنه . وفسر سُفْيَان وأحمد السلطان فِي هَذَا الحَدِيْث بداره . ونقل حرب عَن أحمد ، قَالَ : إذا كَانَ الرَّجُلُ فِي قريته وداره فهو فِي سلطانه ، لا ينبغي لأحد أن يتقدمه إلا بإذنه .
وفي رِوَايَة لمسلم فِي حَدِيْث أَبِي مَسْعُود ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي أهله ولا فِي سلطانه ) . وعلى هذه الرواية ، فالمراد بأهله : بيته ، وبسلطانه : مَا يتصرف فِيهِ بأمره ونهيه ، كأمير البلد . وخرجه أبو داود ، ولفظه : ( ولا يؤمن الرَّجُلُ فِي بيته ، ولا فِي سلطانه ) .
ولو اجتمع السلطان العام والسلطان الخاص ، مثل أن يجتمع فِي بيت رَجُل رب البيت وسلطان المصر ، أو فِي مسجد إمام المسجد والسلطان ، فهل يقدم السلطان عَلَيْهِمَا ، أم يقدمان عَلِيهِ ، أم يقدم عَلَى إمام المسجد دون صاحب البيت ؛ لأن إمام المسجد إنما يقدم بتقديم السلطان لَهُ غالباً ؟ فِيهِ ثَلاَثَة أوجه لأصحابنا . وظاهر مَا تقدم عَن قيس بْن سعد يقتضي أن رب البيت أولى من السلطان وإمام المسجد ، كرب البيت فيما ذكرنا . وروى الشَّافِعِيّ : أنا عَبْد المجيد ، عَن ابن جُرَيْج ، قَالَ : أخبرني نَافِع ، قَالَ : أقيمت الصلاة فِي مسجد بطائفة المدينة ، ولابن عُمَر قريب من ذَلِكَ المسجد أرض يعملها ، وإمام ذَلِكَ المسجد مولى لَهُ ، ومسكن ذَلِكَ المَوْلَى وأصحابه ثمَّ ، فلما سمعهم عَبْد الله جَاءَ ليشهد معهم الصلاة ، فَقَالَ لَهُ المولى صاحب المسجد : تقدم فصل ، فَقَالَ عَبْد الله : أنت أحق أن تصلي فِي مسجدك مني ، فصلى المولى .
قُلتُ : لعل هَذَا المولى كَانَ عتيقاً لابن عُمَر ، وأما لَوْ كَانَ رقيقاً لَهُ ففي كونه أولى بالإمامة نظر . وقد قَالَ أصحابنا : السيد فِي منْزل عبده أولى مِنْهُ بالإمامة ؛ لأنه يملكه ويملك منْزله . وهذا قَدْ يبنى عَلَى أن العبد : هَلْ يملك ماله ، أم هُوَ ملك للسيد ؟ وفيه خلاف مشهور .
والله أعلم . وروى أبو قيس ، عَن هزيل بْن شرحبيل ، قَالَ : جَاءَ ابن مَسْعُود إلى مسجدنا ، فأقيمت الصلاة ، فقلنا لَهُ : تقدم ، فَقَالَ : يتقدم إمامكم ، فقلنا : إن إمامه ليس هاهنا ، قَالَ : يتقدم رَجُل منكم . خرجه البيهقي .
وهذا مِمَّا يشهد لَهُ مَا تقدم عَن أحمد ، أن الرَّجُلُ إذا كَانَ فِي قريته فهو فِي سلطانه ، فلا يتقدم عَلِيهِ . وروى حرب بإسناده ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ دَخَلَ مسجداً ، فَقَالَ لَهُ إمامه : تقدم يَا أَبَا سَعِيد ، قَالَ : الإمام أحق بالإمامة . وروي عَن حميد بْن عَبْد الرحمن ، أَنَّهُ تقدم فِي بعض البوادي عَلَى إمامهم بغير إذن ، وكره إمامه الأعرابي ، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى .