689 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ ، فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ الْحُمَيْدِيُّ : قَوْلُهُ : إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا ، هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا ، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : ( فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ) كَذَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَكَذَا لَهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ إِلَّا فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي بَابِ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ فَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَرُجِّحَ إِثْبَاتُ الْوَاوِ بِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى زَائِدًا ؛ لِكَوْنِهَا عَاطِفَةً عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ : رَبَّنَا اسْتَجِبْ ، أَوْ : رَبَّنَا أَطَعْنَاكَ وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ مَعًا ، وَرَجَّحَ قَوْمٌ حَذْفَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقْدِيرِ فَتَكُونُ عَاطِفَةً عَلَى كَلَامٍ غَيْرِ تَامٍّ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا ، وَالْوَجْهَانِ جَائِزَانِ بِغَيْرِ تَرْجِيحٍ ، وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ الْكَلَامُ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهُمَّ قَبْلَهَا ، وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَأَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَلَيْسَ فِي السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ فِعْلِهِ ، نَعَمْ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ عَقِبَ قَوْلِ الْإِمَامِ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَأَمَّا مَنْعُ الْإِمَامِ مِنْ قَوْلِ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يَقُولُ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَأْتِي بَاقِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : أَخْبَرَنِي أَنَسٌ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : اللَّامُ لِلْعَهْدِ ظَاهِرًا ، وَالْمُرَادُ الْفَرْضُ ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ لَهَا بِخِلَافِ النَّافِلَةِ . وَحَكَى عِيَاضٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا كَانَتْ نَفْلًا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَأَبِي دَاوُدَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا فَرْضٌ كَمَا سَيَأْتِي ، لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهَا ، إِلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : فَصَلَّى بِنَا يَوْمَئِذٍ فَكَأَنَّهَا نَهَارِيَّةٌ ، الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا ) ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هَذِهِ اخْتِصَارًا ، وَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُمْ بالْجُلُوسِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ ، وَفِيهَا أَيْضًا اخْتِصَارٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ قَوْلَهُ لَهُمُ : اجْلِسُوا ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمُ ابْتَدَؤُوا الصَّلَاةَ قِيَامًا ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِأَنْ يَقْعُدُوا فَقَعَدُوا ، فَنَقَلَ كُلٌّ مِنَ الزُّهْرِيِّ ، وَحُمَيْدٍ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، وَجَمَعَتْهُمَا عَائِشَةُ ، وَكَذَا جَمَعَهُمَا جَابِرٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَجَمَعَ الْقُرْطُبِيُّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَعَدَ مِنْ أَوَّلِ الْحَالِ وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ أَنَسٌ ، وَبَعْضُهُمْ قَامَ حَتَّى أَشَارَ إِلَيْهِ بِالْجُلُوسِ وَهَذَا الَّذِي حَكَتْهُ عَائِشَةُ . وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ قُعُودِ بَعْضِهِمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّسْخَ بِالِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقَادِرِ فِي الْأَصْلِ الْقِيَامُ . وَجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُمَا بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ إِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ فِيهِ سَابِقَةٌ لَزِمَ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ النَّسْخِ بِالِاجْتِهَادِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَخِّرَةٌ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةِ قَوْلِ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، إِلَخْ لِأَنَّهُمْ قَدِ امْتَثَلُوا أَمْرَهُ السَّابِقَ وَصَلَّوْا قُعُودًا لِكَوْنِهِ قَاعِدًا . ( فَائِدَةٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَعُودُونَهُ مَرَّتَيْنِ فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِمَا ، لَكِنْ بَيَّنَ أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ نَافِلَةً وَأَقَرَّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ وَهُوَ جَالِسٌ ، وَالثَّانِيَةُ كَانَتْ فَرِيضَةً وَابْتَدَؤُوا قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالْجُلُوسِ . وَفِي رِوَايَةِ بِشْرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْجَالِسِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فِي جُلُوسِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ ، قَالَ : فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا تَعْظِيمًا لَهُ ، فَأَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ تَوَاضُعًا ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ : إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ ، يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ ، فَلَا تَفْعَلُوا ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَغَيْرُهُ بِالِاسْتِبْعَادِ ، وَبِأَنَّ سِيَاقَ طُرُقِ الْحَدِيثِ تَأْبَاهُ ، وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْأَمْرَ بِالْجُلُوسِ فِي الرُّكْنِ لَقَالَ : وَإِذَا جَلَسَ فَاجْلِسُوا ؛ لِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ : وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، فَلَمَّا عَدَلَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ : وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا كَانَ كَقَوْلِهِ : وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا ، فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الصَّلَاةِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ أَنَسٍ : فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا . قَوْلُهُ : ( أَجْمَعُونَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْوَاوِ ، إِلَّا أَنَّ الرُّوَاةَ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ إِقَامَةِ الصَّفِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَجْمَعِينَ بِالْيَاءِ ، وَالْأَوَّلُ تَأْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ : صَلُّوا ، وَأَخْطَأَ مَنْ ضَعَّفَهُ ؛ فَإِنَّ الْمَعْنَى عَلَيْهِ ، وَالثَّانِي نُصِبَ عَلَى الْحَالِ ، أَيْ : جُلُوسًا مُجْتَمِعِينَ ، أَوْ عَلَى التَّأْكِيدِ لِضَمِيرٍ مُقَدَّرٍ مَنْصُوبٍ ، كَأَنَّهُ قَالَ : أَعْنِيكُمْ أَجْمَعِينَ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ : مَشْرُوعِيَّةُ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالتَّدَرُّبِ عَلَى أَخْلَاقِهَا وَالتَّأَسِّي لِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ سُقُوطٌ وَنَحْوُهُ بِمَا اتَّفَقَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَبِهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ . وَفِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ مِنَ الْأَسْقَامِ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ فِي مِقْدَارِهِ بِذَلِكَ ، بَلْ لِيَزْدَادَ قَدْرُهُ رِفْعَةً وَمَنْصِبُهُ جَلَالَةً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ · ص 210 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ · ص 149 الحَدِيْث الثاني : 688 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أم المُؤْمِنيِن ، أنها قَالَتْ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي بيته وَهُوَ شاك ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) . الحَدِيْث الثالث : 689 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بْن مَالِك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصرع عَنْهُ ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وَهُوَ قاعد ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . قَالَ الحميدي : هَذَا منسوخ ، قوله : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، هَذَا هُوَ فِي مرضه القديم ، ثُمَّ صلى بعد ذَلِكَ جالساً والناس خلفه قياماً . قَالَ أبو عَبْد الله : ولم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ جالساً والناس خلفه قيام . وقد خرج البخاري فيما تقدم من حَدِيْث أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا كبر فكبروا ) فذكر مثل حَدِيْث أنس إلى قوله : ( أجمعون ) . وخرجه فيما بعد من حَدِيْث همام بْن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد اختلف العلماء فِي صلاة القادر عَلَى القيام خلف الجالس : فَقَالَتْ طائفة : لا يجوز ذَلِكَ بالكلية ، هَذَا قَوْلِ مُحَمَّد بن الْحَسَن ، والحسن بن حي ، ومالك فِي ظاهر مذهبه ، والثوري فِي رواية عَنْهُ . وتعلق بعضهم بحديث مرسل ، رواه جابر الجعفي ، عَن الشَّعْبِيّ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لا يؤمن أحد بعدي جالساً ) . وجابر لا يحتج بما يسنده ، فكيف بما يرسله ؟ وقد طعن فِي حديثه هَذَا الشَّافِعِيّ وابن أَبِي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم . وروى سيف بن عُمَر الضبي : ثنا سَعِيد بن عَبْد الله الجمحي ، عَن أَبِيه ، عَن مُحَمَّد بن مسَلَمَة ، قَالَ : دخلت عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي شكوى اشتكاه ، وحضرت الصلاة ، فصلى بنا جالساً ونحن قيام ، فلما انصرف قَالَ : ( إذا صلى إمامكم جالساً فصلوا جلوساً ) ، وكنا نفعل ذَلِكَ حَتَّى حج حجته ، فنهى فيها أن يؤم أحد قوماً وَهُوَ جالس . خرجه القاضي مُحَمَّد بن بدر فِي ( كِتَاب المناهي ) . وَهُوَ حَدِيْث باطل ، وسيف هَذَا مشهور بالكذب . وقالت طائفة : يجوز أن يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس العاجز عَن القيام بكل حال ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك - في رِوَايَة عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما . واختلفت الرواية عَن الإمام أحمد فِي ذَلِكَ ، فالمشهور عَنْهُ : أَنَّهُ لا يجوز أن يأتم القادر عَلَى القيام بالعاجز عَنْهُ ، إلا أن يكون العاجز إمام الحي ، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه ، ويأتمون بِهِ جلوساً ، كما سيأتي إن شاء الله . ونقل عَنْهُ الميموني ، أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ إلا خلف الإمام الأعظم خاصة ، إذا كَانَ مرضه يرجى برؤه . وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى جواز الائتمام بالجالس مطلقاً ، لكن إن كَانَ إمام الحي ورجي زوال علته صلّوا وراءه جلوساً ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ صلوا وراءه قياماً . واختلف القائلون بجواز اقتداء القادر عَلَى القيام بالجالس : هَلْ يصلي وراءه جالساً ، أو قائماً ؟ فَقَالَتْ طائفة : يصلي وراءه قائماً ، هَذَا قَوْلِ المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور . واعتمدوا عَلَى أقيسة أو عمومات ، مثل قوله : ( صل قائماً ، فإن لَمْ تستطع فقاعداً ) . وتبعهم عَلَى ذَلِكَ طائفة من المحدثين كالحميدي والبخاري ، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرض موته قاعداً والناس خلفه قياماً ، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري ، وحكاه عَن الحميدي . وَقَالَ آخرون : بل يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس جالساً ، هَذَا هُوَ المروي عَن الصَّحَابَة ، ولا يعرف عنهم اختلاف فِي ذَلِكَ . وممن روي عَنْهُ ذَلِكَ من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر بن عَبْد الله وأبو هُرَيْرَةَ ومحمود بن لبيد . ولا يعرف عَن صحابي خلاف ذَلِكَ ، بل كانوا يفعلون ذَلِكَ فِي مساجدهم ظاهراً ، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي . رَوَى سُلَيْمَان بن بلال ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن بشير بن يسار ، أن أسيد بن الحضير كَانَ يؤم قومه بني عَبْد الأشهل فِي مسجدهم ، ثُمَّ اشتكى ، فخرج إليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أقوم ، قالوا : لا يصلي لنا أحد غيرك مَا كُنْتُ فينا ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا ، فصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً . خرجه الأثرم وغيره . وهذا إسناد صحيح . وروى هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن كثير بن السائب ، عَن محمود بن لبيد ، قَالَ : كَانَ أسيد بن حضير قَدْ اشتكى عرق النسا ، وكان لنا إماماً ، فكان يخرج إلينا فيشير إلينا بيده أن اجلسوا ، فنجلس فيصلي بنا جالساً ونحن جلوس . خرجه الدارقطني . وروى قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن قيس بن قهد ، أن إماماً لهم اشتكى أياماً . قَالَ : فصلينا بصلاته جلوساً . خرجه أبو الْقَاسِم البغوي وذكره البخاري فِي ( تاريخه ) . وروى يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، أَنَّهُ فعل ذَلِكَ مَعَ أصحابه . وروى وكيع ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : الإمام أمير ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً . قَالَ الإمام أحمد : فعله أربعة من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير ، وقيس بن قهد ، وجابر ، وأبو هُرَيْرَةَ . قَالَ : ويروى عَن خمسة عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، ولا أعلم شيئاً يدفعه . وهذا من علمه وورعه - رضي الله عنه - ، فإنه إنما دفع ذَلِكَ بالنسخ وهي دعوى مردودة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وكان الإمام أحمد يتورع عَن إطلاق النسخ ؛ لأن إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مَعَ إمكان الجمع بينها وبين مَا يدعى معارضها غير جائز ، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بِهَا كلها وجب ذَلِكَ ، ولم يجز دعوى النسخ مَعَهُ ، وهذه قاعدة مطردة . وهي : أنا إذا وجدنا حديثاً صحيحاً صريحاً فِي حكم من الأحكام ، فإنه لا يرد باستنباط من نَصَّ آخر لَمْ يسق لذلك المعنى بالكلية ، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حَدِيْث النغير ، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث : ( مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رَجُل استأجر أجراء ) ... الحَدِيْث ، ولا أحاديث : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) بقوله : ( فيما سقت السماء العشر ) . وقد ذكر الشَّافِعِيّ أن هَذَا لَمْ يسق لبيان قدر مَا يجب مِنْهُ الزَّكَاةِ ، بل لبيان قدر الزَّكَاةِ ، وما أشبه هَذَا . وممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالساً خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء : الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بَكْر بن أَبِي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان ، ونقله إجماعاً قديماً من السلف ، حَتَّى قَالَ فِي ( صحيحه ) : أول من أبطل فِي هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً : المغيرة بن مقسم ، وعنه أخذ أبو حنيفة . وأما دعوى النسخ فِي هَذَا فَقَدْ بينا أَنَّهُ لا يجوز دعوى بطلان الحكم مَعَ إمكان العمل بِهِ ولو بوجه ، وسنبين وجه العمل بِهِ ، والجمع بَيْن مَا ادعي عَلِيهِ التعارض إن شاء الله تعالى . ويدل عَلَى أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ : أن النبي صلى الله عليه وسلم علله بعلل لَمْ تنسخ ولم تبطل منذ شرعت . ومنها : أَنَّهُ علله بأن الإمام إنما جعل إماماً ليؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ فِي أفعاله ، وَقَالَ : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . وما قَبْلَ الصلاة جلوساً لَمْ ينسخ مِنْهُ شيء ، فكذلك القعود ؛ لأن الجميع مرتب عَلَى أن الإمام يؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام جنة ، فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، فإذا وافق قول أهل الأرض قَوْل أهل السماء غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه ) . ومعنى كونه جنة : أَنَّهُ يتقى بِهِ ويستتر ، ولهذا إذا سلمت سترته لَمْ يضر مَا مر بَيْن يديه ، كما سبق تقريره . ومنها : أَنَّهُ جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء ، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطاعته من طاعة الله ، ومعلوم أَنَّهُ لَمْ ينسخ من هذه شيء ، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة . فخرج الإمام أحمد وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث ابن عُمَر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي نفر من أصحابه ، فَقَالَ : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أنك رسول الله ، قَالَ : ( ألستم تعلمون أَنَّهُ من أطاعني أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتي ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أَنَّهُ من أطاعك فَقَدْ أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتك ، قَالَ : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) . وفي رِوَايَة لهما أَيْضاً ( ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ) . وهذا يصلح أن يكون متمسكاً للإمام أحمد فِي تخصيصه ذَلِكَ بإمام الحي ؛ فإن أئمة الحي إنما ينصبهم الأئمة غالباً ، وخصه - فِي رِوَايَة عَنْهُ - بالإمام الأعظم الَّذِي تجب طاعته . ومنها : أَنَّهُ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها ، حيث يقومون وملوكهم جلوس ، وشريعتنا جاءت بخلاف ذَلِكَ ، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يتمثل لَهُ الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) . وَقَالَ عُمَر بن عَبْد العزيز للناس : أيها النَّاس ، إن تقوموا نقم ، وإن تجلسوا نجلس ، فإنما يقوم النَّاس لرب العالمين . وهذا حكم مستقر فِي الشريعة ، لَمْ ينسخ ولم يبدل . وقد دل عَلَى مَا ذكرناه : مَا خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وراءه وَهُوَ قاعد ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس تكبيره ، فالتفت إلينا ، فرآنا قياماً ، فأشار إلينا ، فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم قَالَ : ( إن كدتم - آنفاً - تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون عَلَى ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم ، إن صلوا قياماً فصلوا قياماً ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) . وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث الأعمش ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن جابر - فِي هذه القصة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لهم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً ، ولا تقوموا وَهُوَ جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها ) . وأما الكلام عَلَى دعوى النسخ ، عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنه كَانَ إماماً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتم بِهِ ، كما تقدم عَن مَالِك وغيره ، فلا دلالة فِي الحَدِيْث حينئذ عَلَى أن الائتمام بالقاعد بالكلية . وأما من قَالَ : إن الإمام كَانَ هُوَ النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قاله الشَّافِعِيّ والإمام أحمد والبخاري والأكثرون ، فالجمع بَيْن هَذَا الحَدِيْث وبين الأحاديث المتقدمة الَّتِيْ فيها الأمر بالجلوس فِي الصلاة من وجهين : أحدهما - وَهُوَ الَّذِي ذكره الإمام أحمد - : أن المؤتمين بأبي بَكْر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وَهُوَ قائم ، ثُمَّ لما انتقلت مِنْهُ الإمامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم انتقلوا إلى الائتمام بقاعد ، فأتموا خلفه قياماً لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم . فعلى هَذَا التقرير نقول : إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالساً صلوا وراءه جلوساً ، وإن ابتدأ بهم قائماً ثُمَّ اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً . هكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه . ومنهم من قَالَ : إنه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قياماً إذا جلس فِي أثناء صلاته لعلة ، وسواء كَانَ إمام حي أو لَمْ يكن ، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف الجالس ، فإنها لا تصح عِنْدَ الإمام أحمد إلا إذا كَانَ إمام الحي ، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة ، فإنه يغتفر فِي الاستدامة مَا لا يغتفر فِي الابتداء . وممن قَالَ ذَلِكَ من أصحابنا : أبو الفتح الحلواني . والثاني : أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود عَلَى الاستحباب ، وحديث صلاته فِي مرضه من غير أمر لهم بالجلوس عَلَى جواز أن يأتموا بالقاعد قياماً ، فيكون المأمومون مخيرين بَيْن الأمرين ، وإن كَانَ الجلوس أفضل . وهذا يتخرج عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنهم إذا ائتموا بالجالس قياماً صحت صلاتهم ، وقد اختلف أصحابنا فِي ذَلِكَ عَلَى وجهين . وظهر لِي وجه ثالث فِي الجمع بَيْن هذه الأحاديث ، وَهُوَ متجه عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إماماً لأبي بَكْر ، وكان أبو بَكْر إماماً للناس ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . وحينئذ فيقال : لما اجتمع فِي هذه الصلاة إمامان ، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قياماً اتباعاً لإمامهم القائم ؛ فإن الأصل القيام ، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم ، وموجب للقعود أو مبيح لَهُ ، فغلب جانب القيام ؛ لأنه الأصل ، كما إذا اجتمع فِي حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر ، فإنه يغلب الحظر . وأما أبو بَكْر فإنه إنما صلى قائماً ؛ لأنه وإن ائتم بقاعد إلا أَنَّهُ أم قادرين عَلَى القيام ، وَهُوَ قادر عَلِيهِ ، فاجتمع فِي حقه - أَيْضاً - سببان : موجب للقيام ، ومسقط لَهُ ، فغلب إيجاب القيام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إنما جعل الإمام ليؤتم به · ص 218 80 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب فرسا فصرع عنه ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعودا ، فلما انصرف قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى قائما فصلوا قياما ، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون . مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا في الحديث الذي قبله ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وهو إنه مثل الحديث الأول غير أن ذاك عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، وهذا عن مالك عن الزهري عن أنس ، واعتبر الاختلاف في المتن من حيث الزيادة والنقصان ، قوله : ( عن أنس ) ، في رواية شعيب عن الزهري : أخبرني أنس ، قوله : ( فصلى ) صلاة من الصلوات ، وفي رواية سفيان عن الزهري : فحضرت الصلاة ، وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي ، وقال القرطبي : اللام للعهد ظاهرا ، والمراد الفرض لأن المعهود من عادتهم اجتماعهم للفرض بخلاف النافلة ، وحكى عياض عن ابن القاسم أن هذه الصلاة كانت نفلا ، وقال بعضهم : وتعقب بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض لكني لم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس فصلى بنا يومئذ ، والظاهر أنها الظهر أو العصر ، انتهى . قلت : لا ظاهر هنا يدل على ما دعاه ، ولما لا يجوز أن تكون التي صلى بهم يومئذ نفلا ، قوله : ( فجحش ) بجيم مضمومة ثم حاء مهملة مكسورة أي خدش . وهو أن يتقشر جلد العضو ، قوله : ( فصلينا وراءه قعودا ) أي حال كوننا قاعدين ؛ فإن قلت : هذا يخالف حديث عائشة لأن فيه فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما ، قلت : أجيب عن ذلك بوجوه : الأول : أن في رواية أنس اختصارا ، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس . الثاني : ما قاله القرطبي ، وهو أنه يحتمل أن يكون بعضهم قعد من أول الحال ، وهو الذي حكاه أنس ، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس ، وهو الذي حكته عائشة ، الثالث : ما قاله قوم ، وهو احتمال تعدد الواقعة ، وقال بعضهم : وفيه بعد قلت : البعد في الوجهين الأولين ، والوجه الثالث هو القريب ، ويدل عليه ما وقع في رواية أبي داود عن جابر رضي الله تعالى عنه أنهم دخلوا يعودونه مرتين فصلى بهم فيهما ، وبين أن الأولى كانت نافلة وأقرهم على القيام وهو جالس ، والثانية كانت فريضة وابتدأوا قياما فأشار إليهم بالجلوس ، وفي رواية بشر عن حميد عن أنس نحوه عند الإسماعيلي ، قوله : ( وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ) ، قيل : إن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين لأنه ذكر ذلك عقيب ذكر الركوع والرفع منه والسجود ، فيحمل على أنه لما جلس بين السجدتين قاموا تعظيما له فأمرهم بالجلوس تواضعا ، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر : إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا . وقال ابن دقيق العيد : هذا بعيد لأن سياق طرق الحديث يأباه ، ولأنه لو كان المراد بالجلوس في الركن لقال : وإذا جلس فاجلسوا ، ليناسب قوله : ( فإذا سجدوا ) ، فلما عدل عن ذلك إلى قوله : ( وإذا صلى جالسا ) كان كقوله : ( وإذا صلى قائما ) . ومما يستفاد منه غير ما ذكرنا في الحديث السابق مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها واستحباب التأسي إذا حصل له منها سقوط أو عثرة أو غير ذلك بما اتفق للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة ، وبه الأسوة الحسنة ، ومن ذلك أنه يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك ، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إنما جعل الإمام ليؤتم به · ص 219 ( قال أبو عبد الله : قال الحميدي : قوله : إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ، هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ، والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، والحميدي هو شيخ البخاري وتلميذ الشافعي ، واسمه عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد القرشي الأسدي المكي ، ويكنى أبا بكر ، وهو من أفراد البخاري ، مات سنة تسع عشرة ومائتين ، ويفهم من هذا الكلام أن ميل البخاري إلى ما قاله الحميدي ، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي ، والثوري ، وأبو ثور ، وجمهور السلف أن القادر على القيام لا يصلي وراء القاعد إلا قائما ، وقال المرغيناني : الفرض والنفل سواء ، وقوله : ( إنما يؤخذ ) إلى آخره إشارة إلى أن الذي يجب به العمل هو ما استقر عليه آخر الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولما كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم صلاته قاعدا والناس وراءه قيام دل على أن ما كان قبله من ذلك مرفوع الحكم ؛ فإن قلت : ابن حبان لم ير النسخ فإنه قال بعد أن روى حديث عائشة المذكور : وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا ، وأفتى به من الصحابة جابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ، وأسيد بن حضير ، وقيس بن فهد ، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع فكان إجماعا ، والإجماع عندنا إجماع الصحابة ، وقد أفتى به أيضا من التابعين ، وأول من أبطل ذلك من الأمة المغيرة بن مقسم ، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ، ثم أخذه عنه أبو حنيفة ، ثم عنه أصحابه ، وأعلى حديث احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحد بعدي جالسا ، وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا ، والمرسل عندنا وما لم يرو سيان ؛ لأنا لو قبلنا إرسال تابعي وإن كان ثقة للزمنا قبول مثله عن أتباع التابعين ، وإذ قبلنا لزمنا قبوله من أتباع التابعين ، ويؤدي ذلك إلى أن نقبل من كل أحد إذا قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا نقض الشريعة ، والعجب أن أبا حنيفة يخرج عن جابر الجعفي ويكذبه ، ثم لما اضطره الأمر جعل يحتج بحديثه ، وذلك كما أخبرنا به الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان بالرقة ، حدثنا أحمد بن أبي الحوراء ، سمعت أبا يحيى الجمان ، سمعت أبا حنيفة يقول : ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء ، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي ، ما أثبته بشيء من رأيي إلا جاءني فيه بحديث ، قلت : أما إنكاره النسخ فليس له وجه على ما بيناه ، وأما قوله : ( أفتى به من الصحابة جابر وغيره ) ، فقد قال الشافعي : إنهم لم يبلغهم النسخ ، وعلم الخاصة يوجد عند بعض ويعزب عن بعض ، انتهى . وكذا من أفتى به من التابعين لم يبلغهم خبر النسخ وأفتى بظاهر الخبر المنسوخ ، وأما قوله : ( والإجماع ) إجماع الصحابة فغير مسلم فإن الأدلة غير فارقة بين أهل عصر ، بل تتناول لأهل كل عصر كتناولها لأهل عصر الصحابة ؛ إذ لو كان خطابا للموجودين وقت النزول فقط يلزم أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا وقت النزول ؛ لأنه حينئذ لا يكون إجماعهم أجماع جميع المخاطبين وقت النزول ، ويلزم أن لا يعتد بخلاف من أسلم أو ولد من الصحابة بعد النزول لكونهم خارجين عن الخطاب ، وقد اتفقتم معنا على إجماع هؤلاء فلا يختص بالمخاطبين ، والخطاب لا يختص بالموجودين كالخطاب بسائر التكاليف ، وهذا الذي قاله ابن حبان هو من مذهب داود وأتباعه ، وأما قوله : ( والمرسل عندنا وما لم يرو سيان ) إلى آخره ، فغير مسلم أيضا لأن إرسال العدل من الأئمة تعديل له إذ لو كان غير عدل لوجب عليه التنبيه على جرحه والإخبار عن حاله ، فالسكوت بعد الرواية عنه يكون تلبيسا أو تحميلا للناس على العمل بما ليس بحجة والعدل لا يتهم بمثل ذلك ، فيكون إرساله توثيقا له لأنه يحتمل أنه كان مشهورا عنده ، فروى عنه بناء على ظاهر حاله ، وفوض تعريف حاله إلى السامع حيث ذكر اسمه ، وقد استدل بعض أصحابنا لقبول المرسل باتفاق الصحابة فإنهم اتفقوا على قبول روايات ابن عباس مع أنه لم يسمع من النبي – عليه الصلاة والسلام - إلا أربع أحاديث لصغر سنه كما ذكره الغزالي أو بضع عشر حديثا كما ذكره شمس الأئمة السرخسي ، وقال ابن سيرين : ما كنا نسند الحديث إلى أن وقعت الفتنة ، وقال بعضهم : رد المراسيل بدعة حادثة بعد المائتين ، والشعبي والنخعي من أهل الكوفة ، وأبو العالية والحسن من أهل البصرة ، ومكحول من أهل الشام كانوا يرسلون ، ولا يظن بهم إلا الصدق فدل على كون المرسل حجة ، نعم وقع الاختلاف في مراسيل من دون القرن الثاني والثالث ، فعند أبي الحسن الكوفي يقبل إرسال كل عدل في كل عصر ، فإن العلة الموجبة لقبول المراسيل في القرون الثلاثة ، وهي العدالة والضبط تشمل سائر القرون ، فبهذا التقدير انتقض قوله : ( وفي هذا نقض للشريعة ) ، وأما قوله : ( والعجب من أبي حنيفة ) إلى آخره ، كلام فيه إساءة أدب وتشنيع بدون دليل جلي ، فإن أبا حنيفة من أين احتج بحديث جابر الجعفي في كونه ناسخا ومن نقل هذا من الثقات عن أبي حنيفة حتى يكون متناقضا في قوله : ( وفعله ) ، بل احتج أبو حنيفة في نسخ هذا الباب مثل ما احتج به غيره كالثوري ، والشافعي ، وأبي ثور ، وجمهور السلف كما مر مستوفى .