56 - بَاب إِمَامَةِ الْمَفْتُونِ وَالْمُبْتَدِعِ وَقَالَ الْحَسَنُ : صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ 695 - قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ : ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ : إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ ، فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ . وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِمَامَةِ الْمَفْتُونِ ) أَيِ : الَّذِي دَخَلَ فِي الْفِتْنَةِ فَخَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَالْمُبْتَدِعُ ) أَيْ : مَنِ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِمَّا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : صَلِّ ، وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، أَنَّ الْحَسَنَ سُئِلَ عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : صَلِّ خَلْفَهُ ، وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ) هُوَ الْفِرْيَابِيُّ ، قِيلَ : عَبَّرَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أَخَذَهُ مِنْ شَيْخِهِ فِي الْمُذَاكَرَةِ فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَحَمَّلَهُ بِالْإِجَازَةِ أَوِ الْمُنَاوَلَةِ أَوِ الْعَرْضِ ، وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ مُنْقَطِعٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى . وَالَّذِي ظَهَرَ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ ، لَكِنَّهُ لَا يُعَبِّرُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْمَتْنُ مَوْقُوفًا ، أَوْ كَانَ فِيهِ رَاوٍ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَالَّذِي هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) أَيِ : ابْنِ عَوْفٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ . وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَخَالَفَهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ مَقْتَلِ عُثْمَانَ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ شَيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيٍّ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ مِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِكَوْنِهِ وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عُثْمَانُ مِنْ أَقَارِبِ أُمِّهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ ) أَيْ : جَمَاعَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ : وَأَنْتَ الْإِمَامُ أَيِ : الْأَعْظَمُ . قَوْلُهُ : ( وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى ) أَيْ : مِنَ الْحِصَارِ . قَوْلُهُ : ( وَيُصَلِّي لَنَا ) أَيْ : يَؤُمُّنَا . قَوْلُهُ : ( إِمَامُ فِتْنَةٍ ) أَيْ : رَئِيسُ فِتْنَةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَقِيلَ : هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلْوِيُّ أَحَدُ رُءُوسِ الْمِصْرِيِّينَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَانَ ، قَالَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَزَادَ : إِنَّ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ أَحَدُ رُءُوسِهِمْ صَلَّى بِالنَّاسِ أَيْضًا . قُلْتُ : وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ؛ فَإِنَّ سَيْفَ بْنَ عُمَرَ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ فِي كِتَابِ الْفُتُوحِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ ، فَقَالَ فِيهِ : دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ ، وَكِنَانَةُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَقُلْتُ : كَيْفَ تَرَى الْحَدِيثَ . وَقَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ حُصِرَ عُثْمَانُ ، أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ لَكِنْ بِإِذْنِ عُثْمَانَ ، وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَكَذَلِكَ صَلَّى بِهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِيمَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ الْخَطِّيُّ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ مِنْ رِوَايَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ الْحَمَّانِيِّ قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عِيدِ الْأَضْحَى جَاءَ عَلِيٌّ فَصَلَّى بِالنَّاسِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِيمَا رَوَاهُ الْحَسَنُ الْحَلْوَانِيُّ : لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ غَيْرَهَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : صَلَّى بِهِمْ عِدَّةَ صَلَوَاتٍ ، وَصَلَّى بِهِمْ أَيْضًا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ ، رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ . وَقِيلَ : صَلَّى بِهِمْ أَيْضًا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مُرَادًا بِقَوْلِهِ : إِمَامُ فِتْنَةٍ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهِ : إِمَامُ فِتْنَةٍ أَيْ : إِمَامُ وَقْتِ فِتْنَةٍ ، وَعَلَى هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْخَارِجِيِّ . قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَذْكُرِ الَّذِي أَمَّهُمْ بِمَكْرُوهٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّ فِعْلَهُ أَحْسَنُ الْأَعْمَالِ . انْتَهَى . وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ مِنْ تَرْجَمَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ : وَنَتَحَرَّجُ مُنَاسِبًا . قَوْلُهُ : ( وَنَتَحَرَّجُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ : وَإِنَّا لَنَتَحَرَّجُ مِنَ الصَّلَاةِ مَعَهُ ، وَالتَّحَرُّجُ : التَّأَثُّمُ ، أَيْ : نَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الْإِثْمِ ، وَأَصْلُ الْحَرَجِ الضِّيقُ ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْإِثْمِ ؛ لِأَنَّهُ يُضَيِّقُ عَلَى صَاحِبِهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : الصَّلَاةُ أَحْسَنُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ : أَنَّ الصَّلَاةَ أَحْسَنُ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْقِلِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : مِنْ أَحْسَنِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ مَعَهُمْ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَا يَضُرُّكَ كَوْنُهُ مَفْتُونًا ، بَلْ إِذَا أَحْسَنَ فَوَافِقْهُ عَلَى إِحْسَانِهِ وَاتْرُكْ مَا افْتَتَنَ بِهِ ، وَهُوَ الْمُطَابِقُ لِسِيَاقِ الْبَابِ ، وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الدَّاوُدِيُّ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى تَقْدِيرِ حَذْفٍ فِي قَوْلِهِ : إِمَامُ فِتْنَةٍ ، وَخَالَفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَهُ لَا تَصِحُّ ، فَحَادَ عَنِ الْجَوَابِ بِقَوْلِهِ : إِنَّ الصَّلَاةَ أَحْسَنُ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هِيَ الصَّلَاةُ الصَّحِيحَةُ ، وَصَلَاةُ الْخَارِجِيِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ . انْتَهَى . وَهَذَا قَالَهُ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَيْفًا رَوَى فِي الْفُتُوحِ عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَرِهَ النَّاسُ الصَّلَاةَ خَلْفَ الَّذِينَ حَصَرُوا عُثْمَانَ إِلَّا عُثْمَانَ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ دَعَا إِلَى الصَّلَاةِ فَأَجِيبُوهُ . انْتَهَى . فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَقْصُودَهُ بِقَوْلِهِ : الصَّلَاةُ أَحْسَنُ الْإِشَارَةُ إِلَى الْإِذْنِ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ ، وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا فَهِمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ : إِمَامُ فِتْنَةٍ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ ، قَالَ : قَالُوا لِعُثْمَانَ : إِنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نُصَلِّيَ خَلْفَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَصَرُوكَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ . وَهَذَا مُنْقَطِعٌ إِلَّا أَنَّهُ اعْتَضَدَ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ ) فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالدُّخُولِ فِيهَا ، وَمِنْ جَمِيعِ مَا يُنْكَرُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ ، وَفِي هَذَا الْأَثَرِ الْحَضُّ عَلَى شُهُودِ الْجَمَاعَةِ وَلَا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ ؛ لِئَلَّا يَزْدَادَ تَفَرُّقُ الْكَلِمَةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ أَوْلَى مِنْ تَعْطِيلِ الْجَمَاعَةِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا يُجْزِئُ أَنْ تُقَامَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ ) بِضَمِّ الزَّاي هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ . قَوْلُهُ : ( الْمُخَنَّثُ ) رُوِّينَاهُ بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا ، فَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ بِهِ مَنْ فِيهِ تَكَسُّرٌ وَتَثَنٍّ وَتَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ . وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ مَنْ يُؤْتَى ، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا مَانِعَ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَصْلُ خِلْقَتِهِ . وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ فَيَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ ، وَلِهَذَا جَوَّزَ الدَّاوُدِيُّ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُرَادًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا ؛ لِأَنَّ الْمُخَنَّثَ مُفْتَتَنٌ فِي طَرِيقَتِهِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ ) أَيْ : بِأَنْ يَكُونَ ذَا شَوْكَةٍ أَوْ مِنْ جِهَتِهِ فَلَا تُعَطَّلُ الْجَمَاعَةُ بِسَبَبِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِغَيْرِ قَيْدٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ ، وَلَفْظُهُ قُلْتُ : فَالْمُخَنَّثُ ؟ قَالَ : لَا وَلَا كَرَامَةَ ، لَا يُؤْتَمُّ بِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِمَامَةِ الْمَفْتُونِ وَالْمُبْتَدِعِ · ص 220 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إمَامَةِ المَفْتُونِ والمبُتْدَعِ · ص 182 56 - باب إمَامَةِ المَفْتُونِ والمبُتْدَعِ وَقَالَ الْحَسَن : تصلي وعليه بدعته . 695 - وَقَالَ لنا مُحَمَّد بن يوسف : حَدَّثَنَا الأوزاعي ، ثنا الزُّهْرِيّ ، عَن حميد بن عَبْد الرحمن ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن خيار ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَان بن عَفَّانَ ، وَهُوَ محصور ، فَقَالَ : إنك إمام عامة ، ونزل بك مَا ترى ، ويصلي لنا إمام فتنة ، ونتحرج ، فَقَالَ : الصلاة أحسن مَا يعمل النَّاس ، فإذا أحسن النَّاس فأحسن معهم ، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم . وَقَالَ الزبيدي : قَالَ الزُّهْرِيّ : لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد مِنْهَا . 696 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن أبان ، ثنا غندر ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن أَبِي التياح ، سَمِعَ أَنَس بن مَالِك يَقُول : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : ( اسمع وأطع ، ولو لحبشي ، كأن رأسه زبيبة ) . مَا ذكره عَن الْحَسَن رواه سَعِيد بن منصور ، ثنا ابن المبارك ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن الْحَسَن ، أَنَّهُ سئل عَن صاحب البدعة : الصلاة خلفه ؟ قَالَ : صل خلفه ، وعليه بدعته . وخرجه حرب ، عَن سَعِيد بن منصور ، بِهِ . وخرج - أَيْضاً - بإسناده ، عَن جَعْفَر بن برقان ، قَالَ : سألت ميمون بن مهران عَن الصلاة خلف من يذكر أَنَّهُ من الخوارج ؟ فَقَالَ : إنك لا تصلي لَهُ ، إنما تصلي لله ، قَدْ كنا نصلي خلف الحجاج وَهُوَ حروري أزرقي ، فنظرت إليه ، فَقَالَ : أتدري مَا الحروري الأزرقي ، هُوَ الَّذِي إذا خالفت آيةً سماك كافراً ، واستحل دمك ، وكان الحجاج كذلك . وروى أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) : ثنا سُفْيَان ، عَن هِشَام ، عَن ابن سيرين ، قَالَ : كَانَ يكون أمراء عَلَى المدينة ، فسئل ابن عُمَر عَن الصلاة معهم ، فَقَالَ : الصلاة لا أبالي من شاركني فيها . وروى أبو شِهَاب : ثنا يونس بن عُبَيْدِ ، عَن نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر يسلم عَلَى الخشبية والخوارج وهم يقتتلون ، فَقَالَ : من قَالَ : ( حي عَلَى الصلاة ) أجبته ، ومن قَالَ : حي عَلَى الفلاح ، أجبته ، ومن قَالَ : حي عَلَى قتل أخيك الْمُسْلِم وأخذ ماله ، قُلتُ : لا ، خرجه البيهقي . وروى عَن ابن عُمَر من وجوه أَنَّهُ كَانَ يصلي خلف الحجاج . وذكر البخاري فِي ( تاريخه ) : قَالَ لنا عَبْد الله ، عَن معاوية بن صالح ، عَن عَبْد الكريم البكاء ، قَالَ : أدركت عشرة من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يصلي خلف أئمة الجور . وخرج أبو داود من حَدِيْث مكحول ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الجهاد واجب عليكم مَعَ كل أمير ، براً كَانَ أو فاجراً ، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مُسْلِم ، براً كَانَ أو فاجراً ) . وهذا منقطع ؛ مكحول لَمْ يسمع من أَبِي هُرَيْرَةَ . وقد أنكر أحمد هَذَا ، ولم يره صحيحاً . قَالَ مهنا : سألت أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا أدري مَا هَذَا ، ولا أعرف هَذَا ، مَا ينبغي لنا أن نصلي خلف فاجر ، وأنكر هَذَا الكلام . وَقَالَ يعقوب بن بختان : سئل أحمد عَن الصلاة خلف كل بر وفاجر ؟ قَالَ : مَا سمعنا بهذا . وأما الأثر الَّذِي ذكره البخاري عَن عُثْمَان : فرواه عَبْد الرزاق ، عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عروة ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي بن الخيار ، عَن عُثْمَان ، فخالف معمر الأوزاعي فِي إسناده . وذكر الدارقطني أن الزبيدي والنعمان بن راشد وأبا أيوب الأفريقي ، رووه ، عن الزهري كما رواه عنه الأوزاعي . وخالفهم شعيب بن أَبِي حَمْزَة وإسحاق بن راشد وعبيد الله بن أَبِي زياد ، فرووه عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي . وكذلك قال عبد الواحد بن زياد وغندر ، عَن معمر . وَقَالَ مُحَمَّد بن ثور : عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي ، لَمْ يذكر بَيْنَهُمَا أحداً . وأرسله حماد بن زيد عَن معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، وتابعه جَعْفَر بن برقان ، عَن الزُّهْرِيّ . قَالَ : وحديث حميد بن عَبْد الرحمن هُوَ المحفوظ ، قَالَ : ولا يدفع حَدِيْث عُرْوَةَ أن يكون الزُّهْرِيّ حفظ عنهما جميعاً . ورواه سعد بن إِبْرَاهِيْم بن عَبْد الرحمن بن عوف ، عَن أَبِيه ، عَن عُبَيْدِ الله بن عدي ، حدث بِهِ مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَنْهُ . انتهى . وأما مَا ذكره عَن الزبيدي ، عَن الزُّهْرِيّ ، أَنَّهُ لا يصلى خلف المخنث إلا أن لا يجد مِنْهُ بداً . فالمخنث : هُوَ الَّذِي يتشبه بالنساء فِي هيئته وكلامه . وكلام الزُّهْرِيّ هَذَا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا اضطر إلى الصلاة خلف من يكره صلى وراءه . وَقَالَ مسرور بن مُحَمَّد : قَالَ الأوزاعي : لا تصل خلف قدري ؛ إلا أن تضطر . وَقَالَ بقية بن الوليد : سألت الزبيدي : هَلْ يصلى خلف صاحب بدعة أو مكذب بالقدر ؟ فَقَالَ : إن كَانَ والياً فليس من الأمر فِي شيء ، وأنت فِي عذر ، وإن لَمْ يكن والياً فلا تصل خلفه . وكره آخرون الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور . رَوَى بقية بن الوليد : ثنا حبيب بن عُمَر الأنصاري ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعْت واثلة بن الأسقع يَقُول : لَوْ صليت خلف قدري لأعدت صلاتي . خرجه حرب الكرماني . وخرج - أَيْضاً - من طريق نوح بن جعونة ، ثنا عَبْد الكريم ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : لأن أصلي خلف جيفة حمار أحب إلي من أن أصلي خلف قدري . وفي كلا الإسنادين ضعف . وروى عَن أَبِي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلِيّ ، أَنَّهُ أمر بإعادة الصلاة خلف القدري . وكذلك سُفْيَان . وفرقت طائفة بَيْن البدع المغلظة وغيرها . فَقَالَ أبو عُبَيْدِ فيمن صلى خلف الجهمي أو الرافضي : يعيد ، ومن صلى خلف قدري أو مرجئ أو خارجي : لا آمره بالإعادة . وكذلك الإمام أحمد ، قَالَ فِي الصلاة خلف الجهمية : إنها تعاد . والجهمي عنده من يَقُول : القرآن مخلوق ؛ فإنه كافر ، أو يقف ولا يَقُول مخلوق ولا غير مخلوق ، ونص أَنَّهُ تعاد الصلاة خلفه - أَيْضاً - ، وقال : لا يصلى خلف من قَالَ : لفظي بالقرآن مخلوق ، وَهُوَ جهمي . وقال : لا يصلى خلف القدري إذا قَالَ : لا يعلم الشيء حَتَّى يكون ، فهذا كافر ، فإن صلى يعيد . وَقَالَ - أَيْضاً - فِي القدري : إذا كَانَ داعياً مخاصماً تعاد الصلاة خلفه . وهذا محمول عَلَى من لا ينكر منهم العلم القديم . وَقَالَ فِي الخوارج إذا تغلبوا عَلَى بلد : صلي خلفهم . وَقَالَ - مرة - : يصلى خلفهم الجمعة ؛ صلى ابن عُمَر خلف نجدة الحروري . وَقَالَ فِي الرافضي الَّذِي يتناول الصَّحَابَة : لا يصلى خلفه . وَقَالَ فيمن يقدم علياً عَلَى أَبِي بَكْر وعمر : إن كَانَ جاهلاً لا علم لَهُ فصلى خلفه فأرجو أن لا يكون بِهِ بأس ، وإن كَانَ يتخذه ديناً فلا تصل خلفه . وَقَالَ فِي المرجئ - وَهُوَ : من لا يدخل الأعمال فِي الإيمان - : إن كَانَ داعياً فلا يصلى خلفه . وَقَالَ فِي الصلاة خلف أهل الأهواء : إذا كَانَ داعيةً ويخاصم فِي بدعته فلا يصلى خلفه ، وإلا فلا بأس . وهذا محمول عَلَى البدع الَّتِيْ لا يكفر صاحبها ، فأما مَا يكفر صاحبه فتعاد الصلاة خلفه ، كما تقدم عَنْهُ . قَالَ حرب : قُلتُ لأحمد : فتكره الصلاة خلف أهل البدع كلهم ؟ فَقَالَ : إنهم لا يستوون . وأما الصلاة خلف الفساق ، فَقَالَ أحمد - فيمن يسكر - : لا يصلى خلفه ، وفيمن ترك شيئاً من فرائض الإسلام أو تعامل بالربا : لا يصلى خلفه ، ولا خلف من كل بيعه عينة - يعني : نسأة - ، ولا خلف من يكثر كذبه . وسئل عَن الصلاة خلف من يغتاب النَّاس ؟ فَقَالَ : لَوْ كَانَ كل من عصى الله لا يصلى خلفه ، متى كَانَ يقوم النَّاس عَلَى هَذَا ؟ وفرق - مرة - بَيْن المستتر والمعلن . قَالَ أحمدبن الْقَاسِم : سئل أحمد عَن الصلاة خلف من لا يرضى ؟ قَالَ : قَدْ اختلف فِيهِ ؛ فإن كَانَ لا يظهر أمره فِي منكر أو فاحشة بينة أو مَا أشبه ذَلِكَ فليصل . وفرق - مرة - بَيْن الصلاة خلف الأمراء وغيرهم . قَالَ الميموني : سَمِعْت أحمد قَالَ : إذا كَانَ الإمام من أئمة الأحياء يسكر فلا أحب أن أصلي خلفه البتة ؛ لأن لِي اختيار الأئمة ، وليس هُوَ والي المُسْلِمِين ؛ لأن ابن عُمَر سئل عَن الصلاة خلف الأمراء ؟ فَقَالَ : إنما هِيَ حسنة ، لا أبالي من شركني فيها . ولهذا المعنى لَمْ يختلف فِي حضور الجمعة والعيدين خلف كل بر وفاجر . والمشهور عَنْهُ : إعادتها خلف الفاجر ، فإن كَانَ يكفر ببدعته ففي حضورها مَعَهُ روايتان ، ومع حضورها يعيدها ظهراً . وحكي عَنْهُ : لا يعيد . واختلف أصحابنا فِي حكاية المذهب فِي الإعادة خلف الفاسق ؛ فمنهم من قَالَ : فِي الإعادة روايتان مطلقاً . ومنهم من قالَ : إن لم يعلم فسقه فلا إعادة ، وإن علم ففي الإعادة روايتان . ومنهم من قَالَ : إن كَانَ مستتراً لَمْ يعد ، وإن كَانَ متظاهراً ففي الإعادة روايتان . فأما من يكفر ببدعته فحكمه حكم الكفار . ولذلك فرق إِسْحَاق بن راهويه بَيْن القدري والمرجئ ، فَقَالَ فِي القدري : لا يصلى خلفه ، وَقَالَ فِي المرجئ : إن كَانَ داعية لَمْ يصل خلفه . وَقَالَ حرب : ثنا ابن أَبِي حزم القطعي ، ثنا معاذ بن معاذ ، ثنا أشعث ، عَن الْحَسَن ، فِي السكران يؤم القوم ؟ قَالَ : إذا أتم الركوع والسجود فَقَدْ أجزأ عنهم . وَقَالَ مُحَمَّد بن سيرين : يعيدون جميعاً ، والإمام . وحكى ابن المنذر ، عَن مَالِك ، أَنَّهُ قَالَ : لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم ، ويصلى خلف أئمة الجور . وعن الشَّافِعِيّ : أَنَّهُ يجيز الصلاة خلف من أقام الصلاة ، وإن كَانَ غير محمود فِي دينه . اختار ابن المنذر هَذَا القول ، مَا لَمْ تخرجه بدعته إلى الكفر . وفي ( تهذيب المدونة ) : تجزئ الجمعة وغيرها خلف من ليس بمبتدع من الولاة ، وإذا كَانَ الإمام من أهل الأهواء فلا يصلى خلفه ولا الجمعة ، إلا أن يتقيه ، فليصلها مَعَهُ ، وليعد ظهراً ، ووقف مَالِك فِي إعادة من صلى خلف مبتدع ، وَقَالَ ابن الْقَاسِم : يعيد فِي الوقت . انتهى . وفي مصنف عَلَى مذهب سُفْيَان الثوري : تكره إمامة أهل البدع والأهواء الداعية إلى ذَلِكَ ؛ سئل سُفْيَان عَن الصلاة خلف الأمراء الذين يقولون : طاعتنا لله طاعة ، ومعصيتنا لله معصية ؟ قَالَ : كَانَ الحجاج يَقُول ذَلِكَ ، وهم يصلون خلف رافضي أو قدري فليعد الصلاة ، ولا يصلى خلف من يَقُول : الإيمان قَوْلِ بلا عمل . وحديث أَنَس الَّذِي خرجه البخاري فِي هَذَا الباب يستدل بِهِ عَلَى الصلاة خلف أئمة الجور وأعوانهم ؛ وقد جعله البخاري دليلاً عَلَى إمامة المبتدع - أَيْضاً - كما يطاع فِي غير معصية ، إذا كَانَ لَهُ ولاية عَلَى النَّاس ، فإنه أمر بطاعتهم مطلقاً ، مَعَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه يكون من بعده ولاة يغيرون ويبدلون ، ونهى عَن قتالهم مَا أقاموا الصلاة ، ولم ينه عَن الصلاة وراءهم ، وإنما أمر بالصلاة فِي الوقت إذا أخر الأمراء الصلاة عَن الوقت ، وأمر بالصلاة معهم نافلة ، وقد سبق هَذَا الحَدِيْث فِي ( المواقيت ) . ويستدل بِهِ عَلَى صحة الصلاة النافلة خلف الفاجر . ومن أصحابنا من قَالَ : تصح النافلة خلفهم بغير خلاف فِي المذهب . وقد روي عَن أحمد رِوَايَة أخرى أَنَّهُ لا يصلى التراويح خلف من يسكر . وقد روي حَدِيْث مرفوع فِي كراهة الصلاة خلف الفاجر فِي غير الجمعة . خرجه ابن ماجه من رِوَايَة عَبْد الله بن مُحَمَّد العدوي ، عَن عَلِيّ بن زيد ، عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، عَن جابر ، قَالَ : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : ( إن الله قَدْ افترض عليكم الجمعة فِي مقامي هَذَا إلى يوم القيامة ، فمن تركها فِي حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافاً بِهَا ، وجحوداً لها ؛ فلا جمع الله لَهُ شمله ، ولا بارك لَهُ فِي أمره ، ألا ولا صلاة لَهُ ، ولا زكاة لَهُ ، ولا حج لَهُ ، ولا بركة حَتَّى يتوب ، ألا لا تؤمن امرأة رجلاً ، ولا يؤم أعرابي مهاجراً ، ألا ولا يؤم فاجر مؤمناً إلا أن يقهره بسلطان يخاف سيفه وشرطه ) . والعدوي هَذَا ، قَالَ البخاري وأبو حاتم : منكر الحَدِيْث ، وَقَالَ أبو حاتم : مجهول ، وَقَالَ الدارقطني : متروك . قَالَ العقيلي : وقد روي هَذَا من وجه آخر يشبه هَذَا فِي الضعف . وذكر الدارقطني فِي ( العلل ) أَنَّهُ رواه أبو فَاطِمَة مسكين بن عَبْد الله الطفاوي وحمزة بن حسان ، عَن عَلِيّ بن زيد - أَيْضاً - ، ورواه الثوري عَن عَلِيّ بن زيد أَيْضاً . ثُمَّ خرجه من طريق مهنا بن يَحْيَى الشامي - صاحب الإمام أحمد - : حَدَّثَنَا زيد بن أَبِي الزرقاء ، عَن سُفْيَان ، عَن عَلِيّ بن زيد ، فذكره مختصراً . وهذا إسناد قوي ؛ إلا أن الحَدِيْث منكر ، قاله أبو حاتم الرَّازِي . وَقَالَ الدارقطني : هُوَ غير ثابت . وَقَالَ ابن عَبْد البر : أسانيده واهية . قُلتُ : وقد روي أوله من طرق متعددة ، كلها واهية .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إمامة المفتون والمبتدع · ص 230 ( باب إمامة المفتون والمبتدع ) . أي هذا باب في بيان حكم إمامة المفتون ، وهو من فتن الرجل فهو مفتون إذا ذهب ماله وعقله ، والفاتن المضل عن الحق ، والمفتون المضل بفتح الضاد ، هكذا فسره الكرماني ، وقال بعضهم : أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام ، قلت : هذا التفسير لا ينطبق إلا على الفاتن لأن الذي يدخل في الفتنة ويخرج على الإمام هو الفاعل ، وكان ينبغي للبخاري أيضا أن يقول : باب إمامة الفاتن ، قوله : ( والمبتدع ) ، وهو الذي يرتكب البدعة ، والبدعة لغة : كل شيء عمل على غير مثال سابق ، وشرعا : إحداث ما لم يكن له أصل في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي على قسمين : بدعة ضلالة وهي التي ذكرنا ، وبدعة حسنة وهي ما رآه المؤمنون حسنا ولا يكون مخالفا للكتاب أو السنة أو الأثر أو الإجماع ، والمراد هنا البدعة الضلالة . ( وقال الحسن : صل ، وعليه بدعته ) . كان الحسن البصري سئل عن الصلاة خلف المبتدع ، فقال : صل وعليه إثم بدعته ، ووصل هذا التعليق سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن حسان أن الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب بدعة ، فقال : صل خلفه وعليه بدعته . ( قال أبو عبد الله : وقال لنا محمد بن يوسف : قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثنا الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور ، فقال : إنك إمام عامة ونزل بك ما ترى ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج ، فقال : الصلاة أحسن ما يعمل الناس ، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم ) . مطابقته للترجمة في قوله : ( ويصلي لنا إمام فتنة ) إلى آخره . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : محمد بن يوسف الفريابي ، الثاني : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الرابع : حميد بن عبد الرحمن بن عوف مر في أوائل كتاب الإيمان ، والخامس : عبيد الله بتصغير العبد ، ابن عدي بفتح العين وكسر الدال المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، ابن خيار بكسر الخاء المعجمة ، وخفة الياء آخر الحروف ، وبالراء النوفلي المدني التابعي ، أدرك زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تثبت رؤيته ، وكان من فقهاء قريش وثقاتهم ، مات زمن الوليد بن عبد الملك . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه أولا : قال البخاري ، قال لنا محمد بن يوسف : قال صاحب التلويح : كأنه أخذ هذا الحديث مذاكرة ، فلهذا لم يقل فيه : حدثنا ، وقيل : إنه مما تحمله بالإجازة أو المناولة أو العرض ، وقيل : إنه متصل من حيث اللفظ منقطع من حيث المعنى ، وقال بعضهم : هو متصل لكن لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفا أو كان فيه راو ليس على شرطه ، والذي هنا من قبيل الأول ، قلت : إذا كان الراوي على غير شرطه كيف يذكره في كتابه ؟ وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض ، وهم الزهري عن حميد عن عبيد الله ، وفيه الزهري عن حميد ، وفي رواية الإسماعيلي : أخبرني حميد ، وفيه حدثنا الأوزاعي ، وفي رواية ابن المبارك عن الأوزاعي ، وفيه عن حميد عن عبيد الله ، وفي رواية أبي نعيم والإسماعيلي : حدثني عبيد الله بن عدي . ( ذكر من وصله ) وصله الإسماعيلي ، قال : حدثنا عبد الله بن يحيى السرخسي ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا أحمد بن يوسف ، حدثنا الأوزاعي ، حدثنا الزهري فذكره ، وقال أيضا : حدثنا إبراهيم بن هانئ ، حدثنا الزيادي ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عنبسة ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عبيد الله بن عدي به ، ومن طريق هقل بن زياد : سمعت الأوزاعي ، عن الزهري ، حدثني حميد ، ومن طريق عيسى عن الأوزاعي عن الزهري عن حميد : حدثني عبيد الله بن عدي ، ورواه أبو نعيم الأصبهاني من طريق الحسن بن سفيان عن حبان ، عن عبد الله بن المبارك ، أخبرنا الأوزاعي ، فذكره . ( ذكر معناه ) : قوله : ( وهو محصور ) جملة اسمية وقعت حالا على الأصل بالواو أي محبوس في الدار ممنوع عن الأمور ، قوله : ( إمام ) عامة بالإضافة أي إمام جماعة ، وفي رواية يونس : وأنت الإمام أي الإمام الأعظم ، قوله : ( ما نرى ) بنون المتكلم ، ويروى ما ترى بتاء المخاطب أي ما ترى من الحصار وخروج الخوارج عليك ، قوله : ( ويصلي لنا إمام فتنة ) أي رئيس فتنة ، وقال الداودي : أي في وقت فتنة ، وقال ابن وضاح : إمام الفتنة هو عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وهو الذي جلب على عثمان رضي الله تعالى عنه أهل مصر ، وقال ابن الجوزي : وقد صلى كنانة بن بشر أحد رؤوس الخوارج بالناس أيضا وكان هؤلاء لما هجموا على المدينة كان عثمان يخرج فيصلي بالناس شهرا ، ثم خرج يوما فحصبوه حتى وقع على المنبر ولم يستطع الصلاة يومئذ ، فصلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، فمنعوه فصلى بهم عبد الرحمن بن عديس تارة وكنانة بن بشر تارة ، فبقيا على ذلك عشرة أيام ؛ فإن قلت : صلى بهم أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، وعلي بن أبي طالب ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب الأنصاري ، وطلحة بن عبيد الله ، فكيف يقال في حقهم إمام فتنة ؟ قلت : وليس واحد من هؤلاء مراد بقوله : ( إمام فتنة ) ، دل على ذلك تفسير الداودي بقوله : ( أي في وقت فتنة ) ، أو يقول أنهم استأذنوه في الصلاة فأذن لهم لعلمه أن المصريين لا يصلون إليهم بشر ، فإن قلت : هل ثبت صلاة هؤلاء ؟ قلت : أما صلاة أبي أمامة فقد رواه عمر بن شيبة بإسناد صحيح ، ورواه المدايني من طريق أبي هريرة ، وأما صلاة علي رضي الله تعالى عنه فرواه الإسماعيلي في تاريخ بغداد من رواية ثعلبة بن يزيد الجماني ، قال : فلما كان يوم العيد عيد الأضحى جاء علي فصلى بالناس ، وقال عبد الله بن المبارك فيما رواه الحسن الحلواني : لم يصل بهم غير صلاة العيد ، وفعل ذلك علي رضي الله تعالى عنه لئلا تضاع السنة ، وقال غيره : صلى بهم عدة صلوات ، وأما صلاة سهل بن حنيف فرواه عمر بن شيبة أيضا بإسناد قوي ، قوله : ( ونتحرج ) بالحاء المهملة ، وبالجيم من التحرج أي نخاف الوقوع في الإثم ، وأصل الحرج الضيق ثم استعمل للإثم لأنه يضيق على صاحبه ، وفي رواية ابن المبارك : وإنا لنتحرج من الصلاة معهم ، وهذا القول ينصرف إلى صلاة من صلى من رؤساء الخوارج في وقت الفتنة ، ولا يدخل فيه من ذكرناهم من الصحابة ، قوله : ( فقال : الصلاة أحسن ) ، أي قال عثمان رضي الله تعالى عنه : الصلاة أحسن ، فقوله : ( الصلاة ) مبتدأ ، وقوله : ( أحسن ) مضاف إلى ما بعده خبره ، وفي رواية ابن المبارك : إن الصلاة أحسن ، وفي رواية هقل بن زياد عن الأوزاعي عن الإسماعيلي : الصلاة أحسن ما يعمل الناس ؛ فإن قلت : هذا يدل على أن عثمان لم يذكر الذي أمهم من رؤساء الخوارج بمكروه ، وتفسير الداودي على هذا لا اختصاص له بالخارجي ، قلت : لا يلزم من كون الصلاة أحسن ما يعمل الناس أو من أحسن ما عمل الناس أن لا يستحق فاعلها ذما عند وجود ما يقتضيه ، قوله : ( فإذا أحسن الناس فأحسن معهم ) ظاهره أن عثمان رضي الله تعالى عنه رخص له في الصلاة معهم كأنه يقول : لا يضرك كونه مفتونا إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتتن به ، وبهذا توجد المطابقة بينه وبين الترجمة ، وقال ابن المنير : يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصح فحاد عن الجواب بقوله : ( الصلاة أحسن ما يعمل الناس ) لأن الصلاة التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحة ، وصلاة الخارجي غير صحيحة لأنه إما كافر أو فاسق ، انتهى . وأجيب بأن هذا الذي قاله إنما هو نصرة لمذهبه في عدم صحة الصلاة خلف الفاسق ، وهذا مردود لما روى سيف بن عمر في الفتوح عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه ، قال : كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال : من دعا إلى الصلاة فأجيبوه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه تحذير من الفتنة والدخول فيها ، ومن جميع ما ينكر من قول أو فعل أو اعتقاد يدل عليه ، قوله : ( وإذا أساؤوا فاجتنب ) ، وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل الجماعة ، وقال بعضهم : وفيه رد على من زعم أن الجمعة لا تجزئ أن تقام بغير إذن الإمام ، قلت : ليس فيه رد بل دعوى الرد على ذلك مردودة لأن عليا صلى يوم عيد الأضحى الذي شرطها أن يصلي من يصلي الجمعة ، فمن أين ثبت أنه صلى بغير إذن عثمان ؟ وكذلك روي عنه أنه صلى عدة صلوات وفيها الجمعة ، فمن ادعى أنه صلى بغير استئذان فعليه البيان ولئن سلمنا أنه صلى بغير استئذان ولكن كان ذلك بسب تخلف الإمام عن الحضور ، وإذا تعذر حضور الإمام فعلى المسلمين إقامة رجل منهم يقوم به ، وهذا كما فعل المسلمون بموته لما قتل الأمراء اجتمعوا على خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أو نقول : إن عليا لم يتوصل إليه ، فعن هذا قال محمد بن الحسن : لو غلب على مصر متغلب وصلى بهم الجمعة جاز ، ونقل ذلك عن الحسن البصري ، وكان علي رضي الله تعالى عنه أولى بذلك لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم رضوا به وصلوا وراءه ، وسواء كان بإذن أو لا بإذن فلا نرى جوازها بغير إذن الإمام ، وكيف وقد روى ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ، قال : خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . . الحديث . وفيه : فمن تركها أي الجمعة في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها فلا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ، ولا زكاة له ، ولا حج له ، ولا صوم له ، ولا بر له حتى يتوب . . الحديث ، ومن هذا أخذ أصحابنا ، وقالوا : لا تجوز إقامتها إلا للسلطان ، وهو الإمام الأعظم أو لمن أمره كالنائب ، والقاضي ، والخطيب ؛ فإن قلت : هذا الحديث ضعيف ، وفي سنده عبد الله بن محمد ، وهو تكلم فيه ، قلت : هذا روي من طرق كثيرة ووجوه مختلفة فحصل له بذلك قوة فلا يمنع من الاحتجاج به ، وأما الصلاة خلف الخوارج وأهل البدع فاختلف العلماء فيه ، فأجازت طائفة منهم ابن عمر إذا صلى خلف الحجاج ، وكذلك ابن أبي ليلى ، وسعيد بن جبير ثم خرجا عليه ، وقال النخعي : كانوا يصلون وراء الأمراء ما كانوا ، وكان أبو وائل يجمع مع المختار بن عبيد ، وسئل ميمون بن مهران عن الصلاة خلف رجل يذكر أنه من الخوارج ، فقال : أنت لا تصلي له إنما تصلي لله عز وجل ، وقد كنا نصلي خلف الحجاج ، وكان حروريا أزرقيا ، وروى أشهب عن مالك : لا أحب الصلاة خلف الإباضية والواصلية ، ولا السكنى معهم في بلد ، وقال ابن القاسم : أرى الإعادة في الوقت على من صلى خلف أهل البدع ، وقال أصبغ : يعيد أبدا ، وقال الثوري في القدري : لا تقدموه ، وقال أحمد بن حنبل : لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعيا إلى هواه ، ومن صلى خلف الجهمية ، والرافضية ، والقدرية يعيد ، وقال أصحابنا : تكره الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة ، ولا تجوز خلف الرافضي ، والجهمي ، والقدري لأنهم يعتقدون أن الله لا يعلم الشيء قبل حدوثه ، وهو كفر ، والمشبهة ومن يقول بخلق القرآن ، وكان أبو حنيفة لا يرى الصلاة خلف المبتدع ، ومثله عن أبي يوسف ، وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ، فزعم ابن الحبيب أن من صلى خلف من شرب الخمر يعيد أبدا إلا أن يكون واليا ، وقيل في رواية : يصح ، وفي المحيط : لو صلى خلف فاسق أو مبتدع يكون محرزا لثواب الجماعة ولا ينال ثواب من صلى خلف المتقي ، وفي المبسوط : يكره الاقتداء بصاحب البدعة . ( وقال الزبيدي : قال الزهري : لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد منها ) . الزبيدي بضم الزاي ، وفتح الموحدة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالدال المكسورة ، وهي نسبة إلى زبيدى ، وهو بطن في مذحج ، وفي الأزد ، وفي خولان القضاعية ، وهو صاحب الزهري ، واسمه محمد بن الوليد أبو الهذيل الشامي الحمصي ، قال ابن سعد : مات سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهو ابن سبعين سنة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، قوله : ( أن يصلى ) على صيغة المجهول ، قوله : ( المخنث ) بكسر النون وفتحها ، والكسر أفصح والفتح أشهر ، وهو الذي خلقه خلق النساء ، وهو نوعان من يكون ذلك خلقة له لا صنع له فيه ، وهذا لا إثم عليه ولا ذم ، ومن تكلف ذلك وليس له خلقيا ، وهذا هو المذموم ، وقيل بكسر النون من فيه تكسر وتثن وتشبه بالنساء ، وبالفتح من يؤتى في دبره ، وقال أبو عبد الملك : أراد الزهري الذي يؤتى في دبره ، وأما من يتكسر في كلامه ومشيه فلا بأس بالصلاة خلفه ، وقال الداودي : أرادهما لأنهما بدعة وجرحة ، وذلك لأن الإمامة موضع كمال واختيار أهل الفضل ، وكما أن إمام الفتنة والمبتدع كل منهما مفتون في طريقته فلما شملهم معنى الفتنة ذهبت إمامتهم إلا من ضرورة ، ولهذا أدخل البخاري هذه المسألة هنا ، وقال ابن بطال : ذكر هذه المسألة هنا لأن المخنث مفتتن في طريقته ، قوله : ( إلا من ضرورة ) أي إلا أن يكون ذا شوكة فلا تعطل الجماعة بسببه ، وقد رواه معمر عن الزهري بغير قيد ، أخرجه عبد الرزاق عنه ، ولفظه : قلت : فالمخنث ، قالا : ولا كرامة لا تأتم به ، وهو محمول على حالة الاختيار - .