60 - بَاب إِذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى 700 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ ) أَيِ : الْمَأْمُومِ ( حَاجَةٌ فَخَرَجَ وَصَلَّى ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : فَصَلَّى بِالْفَاءِ ، وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَكْسُ الَّتِي قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ فِي الْأُولَى جَوَازَ الِائْتِمَامِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، وَفِي الثَّانِيَةِ جَوَازَ قَطْعِ الِائْتِمَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ : فَخَرَجَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْقُدْوَةِ أَوْ مِنَ الصَّلَاةِ رَأْسًا ، أَوْ مِنَ الْمَسْجِدِ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ خَرَجَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى فِيهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ . قَالَ : وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي رَآهُ يُصَلِّي : أَصَلَاتَانِ مَعًا ؟ كَمَا تَقَدَّمَ . قُلْتُ : وَلَيْسَ الْوَاقِعُ كَذَلِكَ ؛ فَإِنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَطَعَ الصَّلَاةَ أَوِ الْقُدْوَةَ ، لَكِنْ فِي مُسْلِمٍ ، فَانْحَرَفَ الرَّجُلُ ، فَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ عَنْ جَابِرٍ ، عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ ، فَرِوَايَةُ عَمْرٍو لِلْمُصَنِّفِ هُنَا عَنْ شُعْبَةَ ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ حَيَّانَ ، وَلِمُسْلِمٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْهُ ، وَرِوَايَةُ مُحَارِبٍ تَأْتِي بَعْدَ بَابَيْنِ ، وَهِيَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مَقْرُونَةٌ بِأَبِي صَالِحٍ ، وَرِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ ، سَأَذْكُرُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْهَا مَعْزُوًّا ، وَإِنَّمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَ هَذِهِ لِتَسْهُلَ الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ شُعْبَةَ مُخْتَصَرَةٌ كَمَا هُنَا ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ عَنْهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ : فَصَلَّى الْعِشَاءَ ، إِلَخْ دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّرِيقِ الْأُولَى ، وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ خَلَتْ عَنْ ذَلِكَ لَمْ تُطَابِقِ التَّرْجَمَةَ ظَاهِرًا . لَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ بِذَلِكَ الْإِشَارَةُ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ عَلَى عَادَتِهِ ، وَاسْتَفَادَ بِالطَّرِيقِ الْأُولَى عُلُوَّ الْإِسْنَادِ ، كَمَا أَنَّ فِي الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ فَائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ عَمْرٍو مِنْ جَابِرٍ . قَوْلُهُ : ( يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ عَمْرٍو : عِشَاءَ الْآخِرَةِ ، فَكَأَنَّ الْعِشَاءَ هِيَ الَّتِي كَانَ يُوَاظِبُ فِيهَا عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ ) فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ الْمَذْكُورَةِ : فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الصَّلَاةَ أَيِ : الْمَذْكُورَةَ ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ الصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ يُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ : فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ فَيُصَلِّيهَا بِهِمْ ، وَلَا مُخَالَفَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ قَوْمَهُ هُمْ بَنُو سَلِمَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ : ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ فِي بَنِي سَلِمَةَ ، وَلِأَحْمَدَ : ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا طَوَّلَ الْإِمَامُ وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى · ص 225 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا طَوَّلَ الإمامُ وَكَانَ للرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرجَ وَلمْ يُصَلِّ · ص 201 60 - باب إذا طَوَّلَ الإمامُ وَكَانَ للرَّجُلِ حَاجَةٌ فَخَرجَ وَلمْ يُصَلِّ 700 - حَدَّثَنَا مُسْلِم بن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو ، عَن جابر بن عَبْد الله ، أن معاذ بن جبل كَانَ يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه . 701 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن بشار ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، عَن عَمْرِو ، سَمِعْت جابر بن عَبْد الله قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يصلي مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ يرجع فيؤم قومه ، فيصلي العشاء ، فقرأ بالبقرة فانصرف رَجُل ، فكأن معاذاً تناول مِنْهُ ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( فتان ) - ثلاث مرار - أو قَالَ : ( فاتن ) - ثلاث مرار - ، وأمره بسورتين من أوسط المفصل . قَالَ عَمْرو : لا أحفظهما . خرجه عالياً مختصراً ، ثُمَّ خرجه بتمامه نازلاً ، وفي سياقه موضع الاستدلال بِهِ عَلَى مَا بوب عَلِيهِ ، وَهُوَ انصراف الرَّجُلُ لما قرأ معاذ بسورة البقرة . وفيه : دليل عَلَى أن الصَّحَابَة لَمْ يكن من عادتهم قراءة بعض سورة فِي الفرض ؛ فإن معاذاً لما افتتح سورة البقرة علم الرَّجُلُ أَنَّهُ يكملها فِي صلاته ، فلذلك انصرف . وقد خرجه مُسْلِم من حَدِيْث سُفْيَان - هُوَ : ابن عُيَيْنَة - ، عَن عَمْرِو ، عَن جابر ، وَقَالَ فِي حديثه : فافتتح بسورة البقرة ، فانحرف رَجُل فسلم ، ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، فقالوا لَهُ : أنافقت يَا فلان ؟ قَالَ : لا ، والله ، ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فَقَالَ : يَا رسول الله ، إنا أصْحَاب نواضح ، نعمل بالنهار ، وإن معاذاً صلى معك العشاء ، ثُمَّ أتى فافتتح بسورة البقرة ، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى معاذ ، فَقَالَ : ( يَا معاذ ، أفتان أنت ؟ ) وذكر الحَدِيْث . ففي هذه الرواية : أَنَّهُ انصرف بمجرد افتتاح معاذ للبقرة . وفيها : أَنَّهُ سلم ثُمَّ صلى وحده وانصرف ، ولم ينكر عَلِيهِ النبي صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ . وذكر البيهقي فِي ( كِتَاب المعرفة ) : أن هذه الزيادة - يعني : سلام الرَّجُلُ - تفرد بِهَا مُحَمَّد بن عباد ، عَن سُفْيَان ، قَالَ : لا أدري هَلْ حفظها عَن سُفْيَان ، أم لا ؛ لكثرة من رواه عَن سُفْيَان بدونها ؟ وقد خرجه النسائي من طريق سُفْيَان - أَيْضاً - وزاد فِيهِ بعد قوله : ( فاستفتح بسورة البقرة ) : ( فلما سَمِعْت ذَلِكَ تأخرت فصليت ) . وخرجه - أَيْضاً - من طريق الأعمش ، عَن محارب بن دثار وأبي صالح ، عَن جابر ، وفي حديثه : أن معاذاً ذكر أمر الرَّجُلُ للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( مَا حملك عَلَى الَّذِي صنعت ؟ ) فَقَالَ : يَا رسول الله ، عملت عَلَى ناضح من النهار ، فجئت وقد أقيمت الصلاة ، فدخلت المسجد فدخلت مَعَهُ فِي الصلاة ، وقرأ سورة كذا وكذا وطول ، فانصرفت فصليت فِي ناحية المسجد ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفتان يَا معاذ ؟ ) . فيستدل بهذا : عَلَى أن الإمام إذا طول عَلَى المأموم وشق عَلِيهِ إتمام الصلاة مَعَهُ ؛ لتعبه أو غلبة النعاس عَلِيهِ أن لَهُ أن يقطع صلاته مَعَهُ ، ويكون ذَلِكَ عذراً فِي قطع الصلاة المفروضة ، وفي سقوط الجماعة فِي هذه الحال ، وأنه يجوز أن يصلي لنفسه منفرداً فِي المسجد ثُمَّ يذهب ، وإن كان الإمام يصلي فِيهِ بالناس . قَالَ سُفْيَان : إذا خشي عَلَى غنمه الذئب ، أو عَلَى دابته أن تؤخذ ، أو عَلَى صبيه أن يأكله الذئب ، فلا بأس أن يقطع صلاته ويذهب إليه . وَقَالَ الْحَسَن وقتادة ، فِي رَجُل كَانَ يصلي فأشفق أن تذهب دابته ، أو أغار عَلَيْهَا السبع ؟ قَالا : ينصرف ، قيلَ لقتادة : يرى سارقاً يريد أن يأخذ نعليه ؟ قَالَ : ينصرف . ولو طول الإمام تطويلاً فاحشاً ، أو حدث للمأموم عذر ، مثل حدوث مرض ، أو سماع حريق وقع فِي داره ، أو خاف فساد طعام لَهُ عَلَى النار ، أو ذهاب دابة لَهُ عَلَى بَاب المسجد ونحو ذَلِكَ ، فنوى مفارقة إمامه ، وأتم صلاته منفرداً وانصرف ، جاز ذَلِكَ عِنْدَ أصحابنا - أَيْضاً - ، وحكوه عَن الشَّافِعِيّ وأبي يوسف ومحمد . وعن مَالِك وأبي حنيفة : تبطل صلاته بذلك . واستدل أصحابنا بما رَوَى الإمام أحمد فِي ( مسنده ) : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل - هُوَ : ابن علية - ، ثنا عَبْد العزيز بن صهيب ، عَن أَنَس ، قَالَ : كَانَ معاذ بن جبل يؤم قومه ، فدخل حرام وَهُوَ يريد أن يسقي نخله ، فدخل المسجد مَعَ القوم ، فلما رأى معاذاً طول تجوز فِي صلاته ولحق بنخله يسقيه ، فلما قضى معاذ الصلاة قيلَ لَهُ : إن حراماً دَخَلَ المسجد ، فلما رآك طولت تجوز فِي صلاته ولحق نخله يسقيه ، قَالَ : إنه لمنافق ، أيعجل عَن الصلاة من أجل سقي نخله ؟ قَالَ : فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ عنده ، فَقَالَ : يَا نبي الله ؛ إني أردت أن أسقي نخلاً لِي ، فدخلت المسجد لأصلي مَعَ القوم ، فلما طول تجوزت فِي صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه ، فزعم أني منافق ، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى معاذ ، فَقَالَ : ( أفتان أنت ؟ لا تطول بهم ، اقرأ بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ونحوهما ) . وخرج - أَيْضاً - من طريق حسين بن واقد ، عَن عَبْد الله بن بريدة ، عَن أَبِيه ، أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه العشاء ، فقرأ فيها اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فقام رَجُل من قَبْلَ أن يفرغ ، فصلى وذهب ، فَقَالَ لَهُ معاذ قولاً شديداً ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذر إليه ، وَقَالَ : إني كُنْتُ أعمل فِي نخل ، وخفت عَلَى الماء ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني لمعاذ - : ( صل بالشمس وضحاها ونحوها من السور ) . وروى مُحَمَّد بن عجلان ، عَن عُبَيْدِ الله بن مقسم ، عَن جابر ، هذه القصة بطولها ، وفيها : فصلى خلفه فتى من قومه ، فلما طال عَلَى الفتى صلى وخرج ، وفي هَذَا الحَدِيْث : أن معاذاً أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما صنع الفتى ، فَقَالَ : يَا رسول الله ، يطيل المكث عندك ، ثُمَّ يرجع فيطول علينا ، فَقَالَ : ( أفتان أنت يَا معاذ ؟ ) وذكر الحَدِيْث . خرجه أبو داود مختصراً لَمْ يتمه . وَقَالَ أصحابنا : هذه قصة أخرى غير قصة الَّذِي سلم من صلاته وصلى لنفسه وانصرف . وقد روي أن الرَّجُل صلى قَبْلَ أن يجيء معاذ ، وانصرف لما أبطأ معاذ ، وأن اسمه : سليم . وهذا يدل عَلَى أن هذه قصة أخرى غير قصة حرام . فروى أسامة بن زيد : سَمِعْت معاذ بن عَبْد الله بن خبيب ، قَالَ : سَمِعْت جابر بن عَبْد الله ، قَالَ : كَانَ معاذ يتخلف عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان إذا جَاءَ أم بقومه ، وكان رَجُل من بني سَلَمَة - يقال لَهُ : سليم - يصلي مَعَ معاذ ، فاحتبس معاذ عنهم ليلة ، فصلى سليم ثُمَّ انصرف ، وذكر الحَدِيْث ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليماً : كَيْفَ صلى ؟ فَقَالَ : قرأت بفاتحة الكتاب وسورة ، ثُمَّ قعدت وتشهدت ، وسألت الجنة وتعوذت من النار ، وصليت عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ انصرفت ، وليس أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قَالَ : ( هَلْ أدندن أنا أو معاذ إلا لندخل الجنة ونعاذ من النار ؟ ) ثُمَّ أرسل إلى معاذ : ( لا تكن فتاناً تفتن النَّاس ، ارجع إليهم فصل بهم قَبْلَ أن يناموا ) . خرجه البزار . وقد روي أن اسم الرَّجُلُ حزم بن أَبِي كعب . وقد خرج أبو داود حديثه مختصراً . وهذا يستدل بِهِ عَلَى أنها وقائع متعددة . ولم نقف فِي شيء من الروايات عَلَى أن الرجل قطع صلاته وخرج من المسجد ولم يصل ، كما بوب عَلِيهِ البخاري ، وفي بعض النسخ : ( فخرج فصلى ) ، وَهُوَ أصح . ولو فارق المأموم لغير عذر ، لَمْ يجز فِي أصح الروايتين عَن أحمد ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة ومالك ، والثانية : يجوز ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي يوسف ومحمد . وللشافعي قولان . واستدلوا عَلَى أَنَّهُ لا يجوز ، وأن الصلاة تبطل بِهِ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فلا تختلفوا عَلِيهِ ) ، ومفارقته من غير عذر من الاختلاف عَلِيهِ . وأيضاً ؛ فَقَدْ سبق الاستدلال عَلَى وجوب الجماعة ، والواجب إذا مَا شرع فِيهِ لَمْ يجز إبطاله وقطعه لغير عذر ، كأصل الصلاة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى · ص 235 ( باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى ) . أي هذا باب ترجمته إذا طول الإمام إلى آخره ، قوله : ( طول الإمام ) يعني صلاته ، قوله : ( وكان الرجل ) أراد به المأموم ، قوله : ( فخرج ) يحتمل الخروج من اقتدائه أو من صلاته بالكلية أو الخروج من المسجد ، لكن في رواية النسائي ما ينفي خروجه من المسجد ، وذلك حيث قال : فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد ، وفي رواية مسلم ما يدل على أنه خرج من الاقتداء أو من الصلاة أيضا بالكلية ، حيث قال : فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده ، وبهذا يرد على ابن رشيد ، قوله : ( الظاهر أنه خرج إلى منزله فصلى فيه ) ، وهو ظاهر قوله : ( في الحديث : فانصرف الرجل وصلى ) ، وفي رواية الكشميهني : فصلى بالفاء ، وجواب إذا محذوف تقديره ، وصلى صحت صلاته ، والحاصل أن للمأموم أن يقطع الاقتداء ويتم صلاته منفردا ، وهذا مذهب الشافعي ، ومال إليه البخاري ، ونذكره عن قريب مفصلا . 90 - حدثنا مسلم ، قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو ، عن جابر بن عبد الله أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع فيؤم قومه . مطابقته للترجمة من حيث إن هذا بعض الحديث الذي يأتي عقيبه ، والكل حديث واحد ، وفيه فانصرف الرجل على ما يأتي ، وفيه المطابقة ؛ فإن قلت : فإذا كان كذلك فلم قطعه ؟ قلت : للتنبيه على فائدتين الأولى : أنه أشار بالطريق الأولى إلى علو الإسناد ، الثانية : أنه أشار بالثانية إلى التصريح بسماع عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : مسلم بن إبراهيم ، وشعبة بن الحجاج ، وعمرو بن دينار ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، والحديث أخرجه البخاري أيضا عن بندار عن غندر على ما يأتي الآن ، ونذكر عن قريب متعلقات الحديث إن شاء الله تعالى .