68 - بَاب الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ وَيُذْكَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ 713 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ ، فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ : قُولِي لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ ، قَالَ : إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي قَاعِدًا ، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . قَوْلُهُ : ( بَابُ الرَّجُلِ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَسْرُوقٍ ، وَالشَّعْبِيِّ : إِنَّ الصُّفُوفَ يَؤُمُّ بَعْضُهَا بَعْضًا ، خِلَافًا لِلْجُمْهُورِ . قُلْتُ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَأْتَمُّونَ بِهِمْ فِي التَّبْلِيغِ فَقَطْ ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ ، بَلِ الْخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ ؛ لِأَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ فِيمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الصَّفَّ الَّذِي يَلِيهِ رُءُوسَهُمْ مِنَ الرَّكْعَةِ : إِنَّهُ أَدْرَكَهَا ، وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ رَفَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ أَئِمَّةٌ . انْتَهَى . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى أَنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ عَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضَ مَا يَتَحَمَّلُهُ الْإِمَامُ ، وَأَثَرُ الشَّعْبِيِّ الْأَوَّلُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَالثَّانِي وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَلَمْ يُفْصِحِ الْبُخَارِيُّ بِاخْتِيَارِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِالتَّرْجَمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ أَيْ : أَنَّهُ فِي مَقَامِ الْمُبَلِّغِ ، ثُمَّ ثَنَّى بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَطْلَقَ فِيهَا اقْتِدَاءَ النَّاسِ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَرَشَّحَ ظَاهِرَهَا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ ، وَيَرَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى : يَسْمَعُ النَّاسُ التَّكْبِيرَ ، لَا يَنْفِي كَوْنَهُمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ ؛ لِأَنَّ إِسْمَاعَهُ لَهُمُ التَّكْبِيرَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ مَا يَأْتَمُّونَ بِهِ فِيهِ ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِغَيْرِهِ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْمَذْكُورِ وَوَكِيعٍ جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، قَالَ فِيهِ : وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا ، فَقَالَ : تَقَدَّمُوا وَائْتَمُّوا بِي ، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْهُ . قِيلَ : وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ؛ لِأَنَّ أَبَا نَضْرَةَ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ ؛ لِضَعْفٍ فِيهِ ، وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِصَوَابٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ شَرْطِهِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ عِنْدَهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ صَالِحًا لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ هُوَ عَلَى شَرْطِ صَحِيحِهِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى شُرُوطِ الصِّحَّةِ . وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالضَّعِيفِ بَلْ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا . بِخِلَافِ صِيغَةِ الْجَزْمِ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الصَّحِيحِ ، وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ لِمَذْهَبِ الشَّعْبِيِّ . وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ مَعْنَى : وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ أَيْ : يَقْتَدِي بِكُمْ مَنْ خَلْفَكُمْ مُسْتَدِلِّينَ عَلَى أَفْعَالِي بِأَفْعَالِكُمْ ، قَالَ : وَفِيهِ جَوَازُ اعْتِمَادِ الْمَأْمُومِ فِي مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ الَّذِي لَا يَرَاهُ وَلَا يَسْمَعُهُ عَلَى مُبَلِّغٍ عَنْهُ أَوْ صَفٍّ قُدَّامَهُ يَرَاهُ مُتَابِعًا لِلْإِمَامِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ تَعَلَّمُوا مِنِّي أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ ، وَلْيَتَعَلَّمْ مِنْكُمُ التَّابِعُونَ بَعْدَكُمْ ، وَكَذَلِكَ أَتْبَاعُهُمْ إِلَى انْقِرَاضِ الدُّنْيَا . قَوْلُهُ : ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي ) كَذَا فِيهِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ابْنِ مَالِكٍ لَهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : أَنْ يُصَلِّيَ . قَوْلُهُ : ( مَتَى يَقُومُ ) كَذَا وَقَعَ لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّهُ شَبَّهَ مَتَى بِإِذَا فَلَمْ تَجْزِمْ ، كَمَا شَبَّهَ إِذَا بِمَتَى فِي قَوْلِهِ : إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ، فَحَذَفَ النُّونَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَتَى مَا يَقُمْ وَلَا إِشْكَالَ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( تَخُطَّانِ الْأَرْضَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : يَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ الْحَدِيثِ فِي : بَابِ حَدِّ الْمَرِيضِ وَقَوْلُهُ فِي السَّنَدِ : الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ كَذَا لِلْجَمِيعِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الْأَعْمَشِ ، وَالْأَسْوَدِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ وَهْمٌ قَالَهُ الْجَيَّانِيُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ · ص 239 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ · ص 236 68 - باب الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ ، وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( ائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ) . هذا الحديث خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا ، فقالَ : ( تقدموا ، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) . والبخاري لا يخرج لأبي نضرة ، فلذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه . قالَ البخاري : 713 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت : يا رسول الله ، أبو بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ، قالَ : ( إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ) ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر . قد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة ، وهي : ( عن يسار أبي بكر ) ؛ فإن أبا معاوية تفرد بها ، وما قيل فيما بعدها ، وأنه مدرج ، واختلاف الناس : هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما . فإن قوله : ( يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد قيل : إن المراد به : أنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر ، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به ، من غير أن يكون مؤتما به ، كما قالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف ، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس ، وقال لهُ : ( اقتد بأضعفهم ) أي : راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك ، فصل صلاة لا تشق عليهم . والأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر . وأما قوله : ( والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ) فاختلف الناس في تأويله أيضا . فقالت طائفة : المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر ، وكان مبلغا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن إماما للناس ، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير ؛ ليتمكنوا من الاقتداء . ومما يتفرع على ذَلِكَ : أن الشعبي قالَ : إذا انتهيت إلى الصف الآخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام ، فاركع ؛ فإن بعضكم أئمة بعض . وهذا قول غريب ، والجمهور على خلافه ، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه . وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا ، وكذلك بوب عليهِ النسائي وغيره . وهو قول أصحاب الشافعي ، على قولهم : إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهم اختلفوا : هل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، أو مأموما به ؟ على وجهين . وقال الإمام أحمد : بل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين : هل هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأئمة ؟ على ثلاث روايات عنه . واختار أبو بكر بن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . وروى حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ وجعا ، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ، فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو قاعد ، وأم الناس أبو بكر وهو قائم . خرجه الدارقطني وغيره . والصحيح : أن قوله : ( فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة ، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما ، عن هشام بغير هذا اللفظ ، وقد سبق ذَلِكَ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم · ص 249 ( باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم ) أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتدي بالإمام ، ويقتدي الناس بالمأموم الذي اقتدى بالإمام ، والذي يظهر من هذه الترجمة أن البخاري يميل إلى مذهب الشعبي في ذلك لأن الشعبي يرى أن الجماعة يتحملون عن بعضهم بعضا ما يتحمله الإمام ، والدليل عليه أنه قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة : إنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك ، لأن بعضهم لبعض أئمة فهذا يدل على أن كل واحد من الجماعة إمام للآخر مع كونهم مأمومين ، وأنه ليس المراد أنه يأتم بالإمام ويأتم الناس به في التبليغ فقط ؛ فإن قلت : ظاهر حديث الباب السابق يدل على أن الناس كانوا مع أبي بكر في مقام التبليغ ، حيث قال فيه : وأبو بكر يسمع الناس فيه ، قلت : إسماع أبي بكر لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه وليس فيه نفي لغيره ، والدليل عليه ما رواه الإسماعيلي من طريق عبد الله بن داود عن الأعمش في حديث الباب السابق ، وفيه : والناس يأتمون بأبي بكر ، وأبو بكر يسمعهم ، ومما يؤكد أن ميل البخاري إلى مذهب الشعبي كونه صدر هذا الباب بالحديث المعلق فإنه صريح في أن القوم يأتمون بالإمام في الصف الأول ، ومن بعدهم يأتمون بهم كما نذكره عن قريب . ( ويذكر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ) . هذا التعليق أخرجه مسلم في ( صحيحه ) عن الدارمي : حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي ، حدثنا بشر بن منصور ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في أصحابه تأخرا ، فقال لهم : تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله تعالى . وأخرجه أبو داود أيضا ، حدثنا موسى بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله الخزاعي ، قالا : حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري . . الحديث ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه أيضا . قوله : ( ائتموا بي ) ، خطاب لأهل الصف الأول ، قوله : ( وليأتم بكم من بعدكم ) ، معناه عند الجمهور يستدلون بأفعالكم على أفعالي لا أنهم يقتدون بهم فإن الاقتداء لا يكون إلا لإمام واحد ، ومذهب من يأخذ بظاهره ، قد ذكرناه الآن . وفيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامه يراه متابعا للإمام . قوله : ( من ) بفتح الميم في محل الرفع لأنه فاعل لقوله : ( وليأتم ) ، قوله : ( ولا يزال قوم يتأخرون ) أي عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله عن عظيم فضله أو رفع منزلته أو نحو ذلك ، وقال الكرماني : ويذكر تعليق بلفظ التمريض ، قال بعضهم : هذا عندي ليس بصواب لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح للاحتجاج به عنده بل قد يكون صالحا للاحتجاج به عنده ، وليس هو على شرط صحيحه الذي هو على شروط الصحة ، قلت : هذا الذي ذكره يخرم قاعدته لأنه إذا لم يكن على شرطه كيف يحتج به ؟ وإلا فلا فائدة لذلك الشرط ، وأبو نضرة الذي روى الحديث المذكور عن أبي سعيد الخدري ليس على شرطه وإنما يصلح عنده للاستشهاد ، ولهذا استشهد به عن جابر في كتاب الشروط على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وأبو نضرة بالنون المفتوحة ، وسكون الضاد المعجمة ، وفتح الراء ، واسمه المنذر بن مالك العوفي البصري ، وأبو الأشهب في مسند أبي داود ، واسمه جعفر بن حبان العطاردي السعدي البصري الأعمى ، وثقه يحيى وأبو زرعة وأبو حاتم ، مات سنة ست وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم · ص 250 102 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : لما ثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فقلت : يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى ما يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر ؟ فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس ، فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر ؟ قال : إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ورجلاه يخطان في الأرض حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . مطابقته للترجمة في قوله : ( يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) إلى آخره ، وهذا الحديث مضى في باب حد المريض أن يشهد الجماعة ، رواه عن عمر بن حفص عن أبيه عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ، وفي باب إنما جعل الإمام ليؤتم به عن أحمد بن يونس عن زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله عن عائشة ، وفي باب من أسمع الناس تكبير الإمام عن مسدد عن عبد الله بن داود عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ، وقد مر الكلام في مباحثه مستوفى ، قوله : ( يؤذنه ) أي يعلمه ، قوله : ( مروا أبا بكر أن يصلي ) هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : مروا أبا بكر يصلي ، قوله : ( متى ما يقوم ) هكذا بإثبات الواو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : متى ما يقم بالجزم هذا على الأصل لأن متى من كلم المجازاة ، وأما على رواية الأكثرين فشبهت متى بإذا فأهملت كما تشبه إذا بمتى فتهمل كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين ، وتسبحا ثلاثا وثلاثين ، وتحمدا ثلاثا وثلاثين ، قوله : ( فلو أمرت ) لو إما للشرط وجوابه محذوف ، وإما للتمني فلا يحتاج إلى جواب ، قوله : ( تخطان في الأرض ) ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : تخطان الأرض ، قوله : ( حسه ) أي صوته الخفي ، قوله : ( يتأخر ) جملة حالية ، قوله : ( فأومأ إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي أشار إليه أن لا يتأخر ، قوله : ( حتى جلس عن يسار أبي بكر ) إنما لم يجلس عن اليمين لأن اليسار كان من جهة حجرته فكان أخف عليه ، قوله : ( مقتدون بصلاة أبي بكر ) على صيغة الجمع باسم الفاعل ، ويروى : يقتدون . بصيغة المضارع .