71 - بَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا 717 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ : سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا ) لَيْسَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ دَلَالَةٌ عَلَى تَقْيِيدِ التَّسْوِيَةِ بِمَا ذُكِرَ ، لَكِنْ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ كَعَادَتِهِ ، فَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ عِنْدَمَا كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا : أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ . قَوْلُهُ : ( لَتُسَوُّنَّ ) بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي لَتُسَوُّونَ بِوَاوَيْنِ . قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هَذِهِ اللَّامُ هِيَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا الْقَسَمُ ، وَالْقَسَمُ هُنَا مُقَدَّرٌ ، وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ . انْتَهَى . وَسَيَأْتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَرِيبًا إِبْرَازُ الْقَسَمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) أَيْ : إِنْ لَمْ تُسَوُّوا ، وَالْمُرَادُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ اعْتِدَالُ الْقَائِمِينَ بِهَا عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ ، أَوْ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَلِ الَّذِي فِي الصَّفِّ كَمَا سَيَأْتِي . وَاخْتُلِفَ فِي الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فَقِيلَ : هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَالْمُرَادُ تَسْوِيَةُ الْوَجْهِ بِتَحْوِيلِ خَلْقِهِ عَنْ وَضْعِهِ بِجَعْلِهِ مَوْضِعَ الْقَفَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَعِيدِ فِيمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ ، وَفِيهِ مِنَ اللَّطَائِفِ وُقُوعُ الْوَعِيدِ مِنْ جِنْسِ الْجِنَايَةِ وَهِيَ الْمُخَالَفَةُ ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ حَرَامٌ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ قَرِيبًا ، وَيُؤَيِّدُ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ : لَتُسَوُّنَّ الصُّفُوفَ أَوْ لَتُطْمَسَنَّ الْوُجُوهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِثْلُ الْوَعِيدِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ يُوقِعُ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَاخْتِلَافَ الْقُلُوبِ ، كَمَا تَقُولُ : تَغَيَّرَ وَجْهُ فُلَانٍ عَلَيَّ ، أَيْ : ظَهَرَ لِي مِنْ وَجْهِهِ كَرَاهِيَةٌ ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ فِي الصُّفُوفِ مُخَالَفَةٌ فِي ظَوَاهِرِهِمْ ، وَاخْتِلَافُ الظَّوَاهِرِ سَبَبٌ لِاخْتِلَافِ الْبَوَاطِنِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ : أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَاهُ تَفْتَرِقُونَ ، فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي أَخَذَ صَاحِبُهُ ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الشَّخْصِ عَلَى غَيْرِهِ مَظِنَّةُ الْكِبْرِ الْمُفْسِدِ لِلْقَلْبِ الدَّاعِي إِلَى الْقَطِيعَةِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَجْهِ إِنْ حُمِلَ عَلَى الْعُضْوِ الْمَخْصُوصِ ، فَالْمُخَالَفَةُ إِمَّا بِحَسَبِ الصُّورَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ أَوِ الصِّفَةِ أَوْ جَعْلِ الْقُدَّامَ وَرَاءَ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى ذَاتِ الشَّخْصِ فَالْمُخَالَفَةُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ . أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْكِرْمَانِيُّ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُخَالَفَةِ فِي الْجَزَاءِ فَيُجَازِي الْمُسَوِّيَ بِخَيْرٍ وَمَنْ لَا يُسَوِّي بِشَرٍّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا · ص 242 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ · ص 248 71 - باب تَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ 717 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، ثنا شعبة ، قالَ : أخبرني عمرو بن مرة ، قالَ : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قالَ : سمعت النعمان بن بشير ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . 718 - حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( أتموا الصفوف ؛ فإني أراكم خلف ظهري ) . حديث النعمان ، خرجه مسلم من رواية سماك بن حرب ، عنه ، بزيادة ، وهي في أوله ، وهي : ( كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح ، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر ، فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقالَ : عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . ومعناه : أنه كانَ يقوم الصفوف ويعدلها قبل الصلاة كما يقوم السهم . وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار - ) . وظاهر هذا الوعيد يدل على تحريم ما توعد عليهِ . وفي ( مسند الإمام أحمد ) بإسناد فيهِ ضعف ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لتسون الصفوف ، أو لتطمسن وجوهكم ، ولتغضن أبصاركم ، أو لتخطفن أبصاركم ) . وقد خرج البيهقي حديث سماك ، عن النعمان ، الذي خرجه مسلم بزيادة في آخره ، وهي : ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم يوم القيامة ) . وهذه الزيادة تدل على الوعيد على ذَلِكَ في الآخرة ، لا في الدنيا . وقد روي الوعيد على ذلك باختلاف القلوب ، والمراد : تنافرها وتباينها . فخرج مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ، ويقول : ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) . وسيأتي من حديث النعمان بن بشير - أيضا - نحوه . وخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث البراء بن عازب . وأما أمره في حديث أنس بإقامة الصفوف ، فالمراد به : تقويمها . وقوله : ( فإني أراكم من وراء ظهري ) إعلام لهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يخفى عليهِ حالهم في الصلاة ؛ فإنه يرى من وراء ظهره كما يرى من بين يديه ، ففي هذا حث لهم على إقامة الصفوف إذا صلوا خلفه . وقد سبق القول في رؤيته وراء ظهره ، وأنه صلى الله عليه وسلم وإن كانَ الله قد توفاه ونقله من هذه الدار ، فإن المصلي يناجي ربه وهو قائم بين يدي من لا يخفى عليهِ سره وعلانيته ، فليحسن وقوفه وصلاته ؛ فإنه بمرأى من الله ومسمع . وقد روي أن تسوية الصفوف وإقامتها توجب تآلف القلوب : فروى الطبراني من طريق سريج بن يونس ، عن أبي خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استووا تستوي قلوبكم ، وتماسوا تراحموا ) . قالَ سريج : ( تماسوا ) يعني : ازدحموا في الصلاة . وقال غيره : ( تماسوا ) : تواصلوا . واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به ؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء ، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وأقسم بالصافات صفا ، وهم الملائكة . وفي ( صحيح مسلم ) عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ) ... الحديث . وفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة ، قالَ : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها ؟ ) فقلنا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قالَ : ( يتمون الصفوف الأولى ، ويتراصون في الصف ) . وروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة ، قالَ : كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ، ثم قالَ : أقيموا صفوفكم ، استووا قياما ، يريد الله بكم هدي الملائكة ، ثم يقول : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ تأخر فلان ، تقدم فلان ، ثم يتقدم فيكبر . وروى ابن جريج ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ، قالَ : كانوا لا يصفون في الصلاة ، حتى نزلت : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة : صفهم في الصلاة ، كصفهم في القتال .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها · ص 253 باب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها أي هذا باب في بيان حكم تسوية الصفوف عند الإقامة للصلاة وبعد الإقامة ، أي بعد الفراغ من الإقامة قبل الشروع في الصلاة . 106 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عمرو بن مرة ، قال : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم . مطابقته للترجمة في لفظ التسوية ظاهرة ، وليس فيه ما يطابق ، قوله : ( عند الإقامة وبعدها ) ، ولكنه أشار بذلك إلى ما في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك ، وقد روى مسلم من حديث النعمان قال : ذلك ما كاد أن يكبر . ذكر رجاله وهم خمسة قد ذكروا ، وعمرو بن مرة بضم الميم ، وتشديد الراء أبو عبد الله الجهمي بضم الجيم المرادي بضم الميم ، وتخفيف الراء الكوفي الأعمش من الأئمة العاملين ، مات سنة عشرة ومائة ، والجعد بفتح الجيم ، وبشير بفتح الباء الموحدة ، وكسر الشين المعجمة مر في كتاب الإيمان في باب فضل من استبرأ . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه القول في خمسة مواضع ، وفيه أن شيخه مذكور باسمه وكنيته صريحا ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وابن المثنى ، وابن بشار عن غندر عن شعبة . ( ذكر معناه ) قوله : ( لتسون ) اللام فيه للتأكيد ، وقال البيضاوي : هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم ، والقسم هنا مقدر ، ولهذا أكده بالنون المشددة ، وقد أبرزه أبو داود في ( سننه ) ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن أبي القاسم الجدلي ، قال : سمعت النعمان بن بشير يقول : أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الناس بوجهه ، فقال : أقيموا صفوفكم ثلاثا ، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله في قلوبكم . . الحديث ، وأصل لتسون لتسوون لأنه من التسوية ، تقول : تسوي تسويان تسوون بضم الواو الأولى ، وسكون الثانية ، والنون فيه علامة الجمع فلما دخلت عليه نون التأكيد الثقيلة حذفت نون الجمع وإحدى الواوين لالتقاء الساكنين ، فالمحذوف هو واو الجمع أو واو الكلمة ، فيه خلاف وقد علم في موضعه ، وفي رواية المستملي : لتسوون ، فالنون على هذه الرواية نون الجمع ؛ فإن قلت : ما معنى تسوية الصفوف ؟ قلت : اعتدال القائمين بها على سمت واحد ، ويراد بها أيضا سد الخلل الذي في الصف على ما سيأتي ، قوله : ( أو ليخالفن الله ) بفتح اللام الأولى لأنها لام التأكيد وبكسر اللام الثانية وفتح الفاء ، ولفظ الله مرفوع بالفاعلية ، وكلمة أو في الأصل موضوعة لأحد الشيئين أو الأشياء ، وقد تخرج إلى معنى بل وإلى معنى الواو ، وهي حرف عطف ، ذكر المتاخرون لها معاني كثيرة ، وهاهنا لأحد الأمرين لأن الواقع أحد الأمرين إما إقامة الصفوف وإما المخالفة ، والمعنى ليخالفن الله إن لم تقيموا الصفوف لأنه قابل بين الإقامة وبينه فيكون الواقع أحد الأمرين ، وهذا وعيد لمن لم يقم الصفوف بعذاب من جنس ذنبهم لاختلافهم في مقامهم ، وقيل : يوقع بينكم العداوة والبغضاء ، واختلاف القلوب ، يقال : تغير وجه فلان علي أي ظهر لي من وجهه كراهية في وتغير لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في الظاهر ، واختلاف الظاهر سبب لاختلاف الباطن ، وقيل : هو على حقيقته ، والمراد تشويه الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا ، وهذا نظير الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار ، ويؤيد حمله على ظاهره ما رواه أحمد من حديث أبي أمامة بلفظ : لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه ، قال القرطبي : معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي أخذ صاحبه لأن تقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة ، ويقال : المراد من الوجه إما الذات فالمخالفة بحسب المقاصد ، وإما العضو المخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية وغيرها ، وإما بحسب الصفة ، وإما بحسب القدام والوراء ، قوله : ( ليخالفن ) من باب المفاعلة ، ولكن لا يقتضي المشاركة لأن معناه ليوقعن الله المخالفة بقرينة لفظة بين .