7 - بَاب مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَقَالَ أَنَسُ : نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكُ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي الْمُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقال : لا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 64 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قال : حدثنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ صَالِحٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ : فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ ) . لَمَّا فَرَغَ مِنْ تَقْرِيرِ السَّمَاعِ وَالْعَرْضِ أَرْدَفَهُ بِبَقِيَّةِ وُجُوهِ التَّحَمُّلِ الْمُعْتَبَرَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَمِنْهَا الْمُنَاوَلَةُ ، وَصُورَتُهَا أَنْ يُعْطِيَ الشَّيْخُ الطَّالِبَ الْكِتَابَ فَيَقُولُ لَهُ : هَذَا سَمَاعِي مِنْ فُلَانٍ ، أَوْ هَذَا تَصْنِيفِي ، فَارْوِهِ عَنِّي . وَقَدْ قَدَّمْنَا صُورَةَ عَرْضِ الْمُنَاوَلَةِ وَهِيَ إِحْضَارُ الطَّالِبِ الْكِتَابَ ، وَقَدْ سَوَّغَ الْجُمْهُورُ الرِّوَايَةَ بِهَا ، وَرَدَّهَا مَنْ رَدَّ عَرْضَ الْقِرَاءَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى . قَوْلُهُ : ( إِلَى الْبُلْدَانِ ) أَيْ : إِلَى أَهْلِ الْبُلْدَانِ . وَكِتَابٌ مَصْدَرٌ ، وهو مُتَعَلِّقُ إِلَى ، وَذَكَرَ الْبُلْدَانَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ ، وَإِلَّا فَالْحُكْمُ عَامٌّ فِي الْقُرَى وَغَيْرِهَا . وَالْمُكَاتَبَةُ مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ ، وَهِيَ أَنْ يَكْتُبَ الشَّيْخُ حَدِيثَهُ بِخَطِّهِ ، أَوْ يَأْذَنَ لِمَنْ يَثِقُ بِهِ بِكَتْبِهِ ، وَيُرْسِلَهُ بَعْدَ تَحْرِيرِهِ إِلَى الطَّالِبِ ، وَيَأْذَنَ لَهُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ . وَقَدْ سَوَّى الْمُصَنِّفُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُنَاوَلَةِ . وَرَجَّحَ قَوْمٌ الْمُنَاوَلَةَ عَلَيْهَا لِحُصُولِ الْمُشَافَهَةِ فِيهَا بِالْإِذْنِ دُونَ الْمُكَاتَبَةِ . وَقَدْ جَوَّزَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ إِطْلَاقَ الْإِخْبَارِ فِيهِمَا ، وَالْأَوْلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنِ اشْتِرَاطِ بَيَانِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَدَلَالَتُهُ عَلَى تَسْوِيغِ الرِّوَايَةِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَاضِحٌ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ أَمَرَهُمْ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْمَصَاحِفِ وَمُخَالَفَةِ مَا عَدَاهَا ، وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ بَعْثِهِ الْمَصَاحِفَ إِنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ إِسْنَادِ صُورَةِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا إِلَى عُثْمَانَ ، لَا أَصْلَ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْجَامِعِ عُمَرَ : بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَكُنْتُ أَظُنُّهُ الْعُمَرِيَّ الْمَدَنِيَّ ، وَخَرَّجْتُ الْأَثَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ وَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْكِرْمَانِيُّ ، ثُمَّ ظَهَرَ لِي مِنْ قَرِينَةِ تَقْدِيمِهِ فِي الذِّكْرِ عَلَى يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ غَيْرُ الْعُمَرِيِّ لِأَنَّ يَحْيَى أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا وَقَدْرًا ، فَتَتَبَّعْتُ فَلَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَرِيحًا ، لَكِنْ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ بِسَنَدٍ لَهُ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ - أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بِكِتَابٍ فِيهِ أَحَادِيثُ فَقَالَ : انْظُرْ فِي هَذَا الْكِتَابِ ، فَمَا عَرَفْتَ مِنْهُ اتْرُكْهُ وَمَا لَمْ تَعْرِفْهُ امْحُهُ . . فَذَكَرَ الْخَبَرَ . وهو أَصْلٌ فِي عَرْضِ الْمُنَاوَلَةِ . وَعَبْدُ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ابْنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَإِنَّ الْحُبُلِيَّ سَمِعَ مِنْهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَإِنَّ الْحُبُلِيَّ مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ . وَأَمَّا الْأَثَرُ بِذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَمَالِكٍ فَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ : سَمِعْتُ خَالِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ : الْتَقِطْ لِي مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ حَتَّى أَرْوِيَهَا عَنْكَ ، قَالَ مَالِكٌ : فَكَتَبْتُهَا ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَيْهِ . وَرَوَى الرَّامَهُرْمُزِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ فِي وُجُوِهِ التَّحَمُّلِ قَالَ : قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ ، ثُمَّ قِرَاءَتُهُ وَأَنْتَ تَسْمَعُ ، ثُمَّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْكَ كِتَابَهُ فَيَقُولُ : ارْوِ هَذَا عَنِّي . قَوْلُهُ : ( وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ ) هَذَا الْمُحْتَجُّ هُوَ الْحُمَيْدِيُّ ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ النَّوَادِرِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( فِي الْمُنَاوَلَةِ ) أَيْ : فِي صِحَّةِ الْمُنَاوَلَةِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ لَمْ يُورِدْهُ مَوْصُولًا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وهو صَحِيحٌ ، وَقَدْ وَجَدْتُهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : إِحْدَاهُمَا مُرْسَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَأَبُو الْيَمَانِ فِي نُسْخَتِهِ عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَالْأُخْرَى مَوْصُولَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . ثُمَّ وَجَدْتُ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي التَّفْسِيرِ . فَبِمَجْمُوعِ هَذِهِ الطُّرُقِ يَكُونُ صَحِيحًا . وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الْأَسَدِيُّ أَخُو زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ تَأْمِيرُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَالسَّرِيَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ الْقِطْعَةُ مِنَ الْجَيْشِ ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا ) هَكَذَا فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ عَلَى الْإِبْهَامِ . وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : إِذَا سِرْتَ يَوْمَيْنِ فَافْتَحِ الْكِتَابَ . قَالَا : فَفَتَحَهُ هُنَاكَ فَإِذَا فِيهِ أَنِ امْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةً فَتَأْتِيَنَا مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ ، وَلَا تَسْتَكْرِهَنَّ أَحَدًا قَالَ فِي حَدِيثِ جُنْدُبٍ : فَرَجَعَ رَجُلَانِ وَمَضَى الْبَاقُونَ فَلَقُوا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ وَمَعَهُ عِيرٌ - أَيْ : تِجَارَةٌ لِقُرَيْشٍ - فَقَتَلُوهُ . فَكَانَ أَوَّلَ مَقْتُولٍ مِنَ الْكُفَّارِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ ، وَغَنِمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ فَكَانَتْ أَوَّلَ غَنِيمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ، فَعَابَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ الْآيَةَ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ظَاهِرَةٌ ، فَإِنَّهُ نَاوَلَهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ ، فَفِيهِ الْمُنَاوَلَةُ وَمَعْنَى الْمُكَاتَبَةِ . وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحُجَّةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ بِهِ لِعَدَمِ تَوَهُّمِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهِ لِعَدَالَةِ الصَّحَابَةِ ، بِخِلَافِ مَنْ بَعْدَهُمْ ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَأَقُولُ : شَرْطُ قِيَامِ الْحُجَّةِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ مَخْتُومًا وَحَامِلُهُ مُؤْتَمَنًا وَالْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الشَّيْخِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الدَّافِعَةِ لِتَوَهُّمِ التَّغْيِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَصَالِحٌ هُوَ ابْنُ كَيْسَانَ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ كَمَا سَمَّاهُ الْمُؤَلِّفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي . وَكِسْرَى هُوَ أَبَرْوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ بْنِ أَنُوشِرْوَانَ ، وَوَهِمَ مَنْ قال : هو أَنُوشِرْوَانُ . وَعَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى بِالْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ الْمُمَالَةِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( فَحَسِبْتُ ) الْقَائِلُ هُوَ ابْنُ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ ، فَقِصَّةُ الْكِتَابِ عِنْدَهُ مَوْصُولَةٌ وَقِصَّةُ الدُّعَاءِ مُرْسَلَةٌ . وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ ظَاهِرٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْمُنَاوَلَةِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاوَلَ الْكِتَابَ لِرَسُولِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَظِيمَ الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُذْكَرُ فِي الْمُنَاوَلَةِ وَكِتَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ · ص 185 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في المناولة · ص 24 باب ما يذكر في المناولة أي : هذا باب في بيان ما يذكر في المناولة ، وهي في اللغة من ناولته الشيء فتناوله ، من النوال وهو العطاء ، وفي اصطلاح المحدثين هي على نوعين ؛ أحدهما المقرونة بالإجازة كما أن يرفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه مثلا ويقول هذا سماعي وأجزت لك روايته عني ، وهذه حالة السماع عند مالك والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري ، فيجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا فيها ، والصحيح أنه منحط عن درجته ، وعليه أكثر الأئمة . والآخر المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله أصل السماع كما تقدم ولا يقول له أجزت لك الرواية عني ، وهذه لا تجوز الرواية بها على الصحيح ، ومراد البخاري من الباب القسم الأول : . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب السابق وفي الباب الذي قبله وفي هذا الباب وجوه التحمل المعتبرة عند الجمهور ، والأبواب الثلاثة أنواع شيء واحد ، ولا توجد مناسبة أقوى من هذا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في المناولة · ص 24 وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان وكتاب بالجر عطف على قوله في المناولة ، والتقدير : وما يذكر في كتاب أهل العلم . وقال الكرماني : ولفظ الكتاب يحتمل عطفه على المناولة وعلى ما يذكر . قلت : الفرق بينهما أن لفظ الكتاب يكون مجرورا في الأول بحرف الجر وفي الثاني بالإضافة ، والكتاب هنا مصدر ، وكلمة إلى التي للغاية تتعلق به ، وقوله إلى البلدان فيه حذف ؛ أي إلى أهل البلدان ، وهو جمع بلد ، وهذا على سبيل المثال دون القيد ؛ لأن الحكم عام بالنسبة إلى أهل القرى والصحارِي وغيرهما . ثم اعلم أن المكاتبة هي أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئا من حديثه ، وهي أيضا نوعان ؛ إحداهما المقرونة بالإجازة ، والأخرى المتجردة عنها ، والأولى في الصحة والقوة شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة ، وأما الثانية فالصحيح المشهور فيها أنها تجوز الرواية بها بأن يقول : كتب إلي فلان قال : حدثنا بكذا . وقال بعضهم : يجوز حدثنا وأخبرنا فيها ، وقد سوى البخاري الكتابة المقرونة بالإجازة بالمناولة ، ورجح قوم المناولة عليها لحصول المشافهة بها بالإذن دون المكاتبة ، وقد جوز جماعة من القدماء الإخبار فيهما ، والأول ما عليه المحققون من اشتراط بيان ذلك . وقال أنس : نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق . أنس هو ابن مالك الصحابي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعثمان هو ابن عفان أحد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، والمصاحف - بفتح الميم - جمع مصحف ، ويجوز في ميمه الحركات الثلاث ، عن ثعلب قال : الفتح لغة صحيحة فصيحة . وقال الفراء : قد استثقلت العرب الضمة في حروف وكسروا ميمها وأصلها الضم ؛ من ذلك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد ؛ لأنها مأخوذة في المعنى من أصحفت أي جمعت فيه الصحف ، وأطرف أي جعل في طرفيه علما ، وأجسد أي ألصق بالجسد ، وكذلك المغزل إنما هو أدير وفتل . وقال أبو زيد : تميم تقول بكسر الميم ، وقيس تقول بضمها . ثم قلنا : إن المصحف ما جمعت فيه الصحف ، والصحف بضمتين جمع صحيفة ، والصحيفة الكتاب ، قال الله تعالى : صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ؛ يعني الكتب التي أنزلت عليهما ، وأصل التركيب يدل على انبساط في الشيء وسعة ، ثم هذا الذي ذكره البخاري من قوله قال أنس : نسخ عثمان المصاحف قطعة من حديث لأنس رضي الله عنه ، ذكره البخاري في فضائل القرآن عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان رضي الله عنه وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية ، وفيه ففزع حذيفة من اختلافهم في القراءة ، فقال لعثمان رضي الله عنه : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ! فأرسل عثمان إلى حفصة رضي الله عنها أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك ! فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم فنسخوها في المصاحف ، وفيه حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وفي غير البخاري أن عثمان رضي الله عنه بعث مصحفا إلى الشام ومصحفا إلى الحجاز ومصحفا إلى اليمن ومصحفا إلى البحرين وأبقى عنده مصحفا ليجتمع الناس على قراءة ما يعلم ويتيقن . وقال أبو عمرو الداني : أكثر العلماء على أن عثمان كتب أربع نسخ ، فبعث إحداهن إلى البصرة وأخرى إلى الكوفة وأخرى إلى الشام ، وحبس عنده أخرى . وقال أبو حاتم السجستاني : كتب سبعة ؛ فبعث إلى مكة واحدا ، وإلى الشام آخر ، وإلى اليمن آخر ، وإلى البحرين آخر ، وإلى البصرة آخر ، وإلى الكوفة آخر . ودلالة هذا على تجويز الرواية بالمكاتبة ظاهرة ؛ فإن عثمان رضي الله عنه أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها ، والمستفاد من بعثة المصاحف إنما هو قبول إسناد صورة المكتوب بها لا أصل ثبوت القرآن ؛ فإنه متواتر . ورأى عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالك ذلك جائزا . أي عبد الله بن عمر بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن القرشي العدوي المدني ، ويحيى بن سعيد الأنصاري المدني ، ومالك بن أنس المدني ؛ أما عبد الله بن عمر هذا فإنه روي عنه أنه قال : كنت أرى الزهري يأتيه الرجل بكتاب لم يقرأه عليه ولم يقرأ عليه ، فيقول : أرويه عنك ؟ فيقول : نعم . وقال : ما أخذنا نحن ولا مالك عن الزهري إلا عرضا . وأما يحيى ومالك فإن الأثر عنهما بذلك أخرجه الحاكم في علوم الحديث من طريق إسماعيل بن أبي أويس قال : سمعت خالي مالك بن أنس يقول : قال يحيى بن سعيد الأنصاري : لما أراد الخروج إلى العراق التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك ! قال مالك : فكتبتها ثم بعثتها إليه . وقال بعضهم : عبد الله بن عمر هذا كنت أظنه العمري المدني ، ثم ظهر لي من قرينة تقديمه في الذكر على يحيى بن سعيد أنه ليس إياه ؛ لأن يحيى بن سعيد أكبر منه سنا وقدرا ، فتتبعته فلم أجده عن عبد الله بن عمر بن الخطاب صريحا ، ولكن وجدت في كتاب الوصية لابن القاسم بن منده من طريق البخاري بسند له صحيح إلى أبي عبد الله الحبلي - بضم المهملة والموحدة - أنه أتى عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقال : انظر في هذا الكتاب ؛ فما عرفت منه اتركه ، وما لم تعرفه امحه . وعبد الله يحتمل أن يكون هو ابن عمر بن الخطاب ؛ فإن الحبلي سمع منه ، ويحتمل أن يكون ابن عمرو بن العاص ؛ فإن الحبلي مشهور بالرواية منه . قلت : فيه نظر من وجوه ؛ الأول : أن تقديم عبد الله بن عمر المذكور على يحيى بن سعيد لا يستلزم أن يكون هو العمري المدني المذكور ، فمن ادعى ذلك فعليه بيان الملازمة . الثاني : أن قول الحبلي أنه أتى عبد الله لا يدل بحسب الاصطلاح إلا على عبد الله بن مسعود ؛ فإنه إذا أطلق عبد الله غير منسوب يفهم منه عبد الله بن مسعود إن كان مذكورا بين الصحابة وعبد الله بن المبارك إن كان فيما بعدهم . الثالث : أنه إن أراد من قوله ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن عمرو بن العاص أن يكون المراد من قول البخاري من عبد الله بن عمر هو عبد الله بن عمرو بن العاص فذاك غير صحيح ؛ لأنه لم يثبت في نسخة من نسخ البخاري إلا عبد الله بن عمر بدون الواو ، والذي يظهر لي أن عبد الله بن عمر هذا هو العمري المدني كما جزم به الكرماني مع الاحتمال القوي أنه عبد الله بن عمر بن الخاطب رضي الله عنهما ، ولا يلزم من عدم وجدان هذا القائل مع تتبعه عن عبد الله بن عمر في ذلك شيئا صريحا أن لا يكون عنه رواية في هذا الباب وأن لا يكون هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . قوله ذلك جائزا إشارة إلى كل واحد من المناولة والكتابة باعتبار المذكور ، وقد وردت الإشارة بذلك إلى المثنى كما في قوله تعالى : عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ثم اعلم أن البخاري رحمه الله بوب على أعلى الإجازة ونبه على جنس الإجازة بذكر نوعين منها ، فهذه ثمانية أوجه لأصول الرواية ، وقد تقدمت الثلاثة الأُوَل في البابين الأولين ، وأما الرابع فالمناولة المقرونة بالإجازة ، وصورتها أن يقول الشيخ هذه روايتي أو حديثي عن فلان فاروه عني أو أجزت لك روايته عني ، ثم يملكه الكتاب ، أو يقول خذه وانسخه وقابل به ثم رده إلي ، أو نحوه ، أو يأتي إليه بكتاب فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ ويعيده إليه فيقول له وقفت على ما فيه - وهو روايته - فاروه عني ، أو أجزت لك ذلك ، وهذا كالسماع بالقوة عند جماعة حكاه الحاكم عنهم ؛ منهم الزهري وربيعة ويحيى الأنصاري ومجاهد وابن الزبير وابن عيينة في جماعة من المكيين وعلقمة وإبراهيم وقتادة وأبو العالية وابن وهب وابن القاسم وأشهب وغيرهم . وروى الخطيب بإسناده إلى عبد الله العمري أنه قال : دفع إلي ابن شهاب صحيفة فقال : انسخ ما فيها وحدث به عني . قلت : أوَيجوز ذلك ؟ قال : نعم ، ألم تر إلى الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها فيجوز ذلك ويؤخذ به ؟ قال أبو عمر وابن الصلاح : والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة - وهو قول الثوري والأوزاعي وابن المبارك وأبي حنيفة ، والشافعي ، والبويطي والمزني صاحبيه ، وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى . ومنه أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويخبره به ثم يمسكه الشيخ ، وهذه دونه ، لكنه يجوز الرواية بها إذا وجد الكتاب أو ما قوبل به كما يعتبر في الإجازة المجردة في معين . الخامس : المناولة المجردة ، مثل أن يناوله مقتصرا على قوله هذا سماعي ، ولا يقول اروه عني أو أجزت لك روايته ونحوه ، قال ابن الصلاح : لا يجوز الرواية بها على الصحيح ، وقد أجاز بها الرواية جماعة . السادس : الكتابة المقرونة ، مثل أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر بخطه أو بأمره ويقول أجزت لك ما كتبت إليك ونحوه ، وهي مثل المناولة في الصحة والقوة . السابع : الكتابة المجردة ، أجازها الأكثرون ؛ منهم أيوب ومنصور والليث وأصحاب الأصول وغيرهم ، وعدوه من الموصول لإشعاره بمعنى الإجازة . وقال السمعاني : هي أقوى من الإجازة ، واكتفوا فيها بمعرفة الخط ، والصحيح أنه يقول في الرواية بها كتب إلي فلان أو أخبرني كتابة ونحوه ، ولا يجوز إطلاق حدثنا وأخبرنا فيه ، وأجازهما الليث ومنصور وغيرهم . الثامن : الإجازة ، وأقواها أن يجيز معينا لمعين كأجزتك البخاري وما اشتمل عليه فهرسته ، والصحيح جواز الرواية والعمل . وقال الباجي : لا خلاف في جواز الرواية والعمل بالإجازة - وادعى الإجماع في ذلك ، وإنما الخلاف في العمل . وقال ابن الصلاح وغيره : والصحيح ثبوت الخلاف وجواز الرواية بها إحدى الروايتين عن الشافعي ، وهو قول جماعة . وقال شعبة : لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة . وعن عبد الرحمن بن القاسم قال : سألت مالكا عن الإجازة فقال : لا أرى ذلك ، وإنما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير ويحمل العلم الكثير . وقال الخطيب : قد ثبت عن مالك أنه كان يصحح الرواية والإجازة بها ، ويحمل هذا القول من مالك على كراهة أن يجيز العلم لمن ليس من أهله ولا خدمه . ومنها أن يجيز غير معين بوصف العموم كأجزت المسلمين وأهل زماني ، ففيه خلاف المتأخرين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في المناولة · ص 26 واحتج بعض أهل الحجاز في المناولة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب لأمير السرية كتابا وقال : لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا ! فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم . المراد من بعض أهل الحجاز هو الحميدي شيخ البخاري ؛ فإنه احتج في المناولة - أي في صحة المناولة - بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والكلام فيه على أنواع ؛ الأول : أن هذا الحديث لم يذكره البخاري في كتابه موصولا ، وله طريقان : أحدهما مرسل ذكره ابن إسحاق في المغازي عن زيد بن رومان ، وأبو اليمان في نسخته عن شعيب عن الزهري - كلاهما عن عروة بن الزبير . والآخر موصول ، أخرجه الطبراني من حديث البجلي بإسناد حسن ، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الطبراني في تفسيره . الثاني : وجه الاستدلال به أنه جاز له الإخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه ، وإن كان النبي عليه السلام لم يقرأه ولا هو قرأ عليه ، فلولا أنه حجة لم يجب قبوله ، ففيه المناولة ومعنى الكتابة ، ويقال فيه نظر ؛ لأن الحجة إنما وجبت به لعدم توهم التبديل والتغيير فيه لعدالة الصحابة بخلاف من بعدهم - حكاه البيهقي ، قلت : شرط قيام الحجة بالكتابة أن يكون الكتاب مختوما وحامله مؤتمنا والمكتوب إليه يعرف الشيخ ، إلى غير ذلك من الشروط لتوهم التغيير . الثالث : قوله أهل الحجاز هي بلاد سميت به ؛ لأنها حجزت بين نجد والغور . وقال الشافعي : هو مكة والمدينة ويمامة ومخاليفها - أي قراها كخيبر للمدينة والطائف لمكة شرفها الله تعالى . قوله أمير السرية اسمه عبد الله بن جحش الأسدي ، أخو زينب أم المؤمنين . وقال الشيخ قطب الدين عبد الله بن جحش ابن رباب أخو أبي أحمد وزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم حبيبة وحمنة ، أخوهم عبيد الله تنصر بأرض الحبشة ، وعبد الله وأبو أحمد كانا من المهاجرين الأولين ، وعبد الله يقال له المجدع ، شهد بدرا وقتل يوم أحد بعد أن قطع أنفه وأذنه . وقال محمد بن إسحاق : كانت هذه السرية أول سرية غنم فيها المسلمون ، وكانت في رجب من السنة الثانية قبل بدر الكبرى ، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثمانية رهط من المهاجرين ، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمر به ولا يستكره من أصحابه أحدا ، فلما سار يومين فتحه فإذا فيه إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا أخبارهم ، وفيه : وقتلوا عمرو بن الحضرمي في أول يوم من رجب واستأسروا اثنين ، فأنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ! وقالت قريش : قد استحل محمد الشهر الحرام ! فأنزل الله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ فهذه أول غنيمة وأول أسير وأول قتيل قتله المسلمون ، انتهى . والسرية - بتشديد الياء آخر الحروف - قطعة من الجيش .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يذكر في المناولة · ص 27 6 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه مزقه ، فحسبت أن ابن المسيب قال : فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق . مطابقة الحديث لجزئي الترجمة ظاهرة ؛ أما للجزء الأول فمن حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام ناول الكتاب لرسوله وأمر أن يخبر عظيم البحرين أن هذا الكتاب كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه ، وأما للجزء الثاني فمن حيث إنه عليه الصلاة والسلام كتب كتابا وبعثه إلى عظيم البحرين ليبعثه إلى كسرى ، ولا شك أنه كتاب من سيدي ذوي العلوم إلى بعض البلدان . بيان رجاله : وهم ستة ؛ الأول : إسماعيل بن عبد الله ، وهو ابن أبي أويس المدني . الثاني : إبراهيم بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف . الثالث : صالح بن كيسان الغفاري المدني . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عبيد الله بن عبد الله - بتصغير الابن وتكبير الأب - أحد الفقهاء السبعة . السادس : عبد الله بن عباس . والكل قد مر ذكرهم . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية التابعي عن التابعي . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح ، وفي خبر الواحد عن يحيى بن بكير عن ليث عن يونس ، وفي الجهاد عن عبد الله بن يوسف عن الليث عن عقيل - ثلاثتهم عن الزهري به . وأخرجه النسائي أيضا في السير عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن يونس ، وفي العلم عن محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم قاضي دمشق عن سليمان ابن داود الهاشمي عن إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان وابن أخي الزهري - كلاهما عن الزهري به . وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم . بيان الإعراب : قوله بكتابه رجلا ؛ أي بعث رجلا ملتبسا بكتابه مصاحبا له ، وانتصاب رجلا على المفعولية . قوله وأمره عطف على بعث . قوله أن يدفعه ؛ أي بأن يدفعه ، وأن مصدرية ، أي بدفعه . قوله فدفعه معطوف على مقدر ؛ أي فذهب إلى عظيم البحرين فدفعه إليه ، ثم بعثه العظيم إلى كسرى فدفعه إليه - ومثل هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة . قوله مزقه جواب لما . قوله أن ابن المسيب في محل النصب على أنه أحد مفعولي حسبت . قوله قال جملة في محل النصب على أنها مفعول ثان لحسبت . قوله فدعا معطوف على محذوف تقديره لما مزقه وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك غضب فدعا ، والمحذوف هو مقول القول . قوله أن يمزقوا ؛ أي بأن يمزقوا ، وأن مصدرية - أي بالتمزيق . قوله كل ممزق كلام إضافي منصوب على النيابة عن المصدر ، كما في قوله : يظنان كل الظن أن لا تلاقيا والممزق - بفتح الزاي - مصدر على وزن اسم المفعول بمعنى التمزيق . بيان المعاني : قوله رجلا هو عبد الله بن حذافة السهمي ، وقد سماه البخاري في المغازي ، وحذافة - بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة وبعد الألف فاء - ابن قيس بن عدي بن سعد - بفتح السين وسكون العين - ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي ، أخو خنيس بن حذافة زوج حفصة ، أصابته جراحة بأحد فمات منها وخلف عليها بعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله هو الذي قال : يا رسول الله ، من أبي ؟ قال : أبوك حذافة . أسلم قديما ، وكان من المهاجرين الأولين ، وكانت فيه دعابة . وقيل إنه شهد بدرا ، ولم يذكره الزهري ولا موسى بن عقبة ولا ابن إسحاق في البدريين ، وأسره الروم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه فأرادوه على الكفر ، وله في ذلك قصة طويلة وآخرها أنه قال له ملكهم : قبل رأسي أطلقك ! قال : لا . قال له : وأطلق من معك من أسرى المسلمين ! فقبل رأسه فأطلق معه ثمانين أسيرا من المسلمين ، فكان الصحابة يقولون له : قبلت رأس علج ! فيقول : أطلق الله بتلك القبلة ثمانين أسيرا من المسلمين ! توفي عبد الله في خلافة عثمان رضي الله عنه . قوله عظيم البحرين ، هو المنذر بن ساوَى - بالسين المهملة وفتح الواو ، والبحرين بلد بين البصرة وعمان ؛ هكذا يقال بالياء ، وفي العباب قال الحذاق : يقال هذه البحران ، وانتهينا إلى البحرين . وقال الأزهري : إنما ثنوا البحرين لأن في ناحية قراها بحيرة على باب الأحساء وقرى هجر ، بينها وبين البحر الأخضر عشرة فراسخ . قال : وقدرت البحيرة بثلاثة أميال في مثلها ، ولا يغيض ماؤها ؛ راكد زعاق ، والنسبة إلى البحرين بحراني . وقال أبو محمد اليزيدي : سألني المهدي وسأل الكسائي عن النسبة إلى البحرين وإلى حصنين لم قالوا بحراني وحصني ؟ فقال الكسائي : كرهوا أن يقولوا حصناني لاجتماع النونين - وقلت : إنما كرهوا أن يقولوا بحري فيشبه النسبة إلى البحر ! قلت : قد صالح النبي صلى الله عليه وسلم أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ، وبعث أبا عبيدة فأتى بجزيتها ، وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين فصدق وأسلم . فإن قلت : لم لم يقل إلى ملك البحرين وقال عظيم البحرين ؟ قلت : لأنه لا ملك ولا سلطنة للكفار ؛ إذ الكل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن ولاه . قوله إلى كسرى بفتح الكاف وكسرها ، وقال ابن الجواليقي : الكسر أفصح ، وهو فارسي معرب خسرو . وقال الجوهري : وجمعه أكاسرة على غير قياس ؛ لأن قياسه كسرون بفتح الراء ، وقد ذكرنا في قصة هرقل أن كسرى لقب لكل من ملك الفرس كما أن قيصر لقب لكل من ملك الروم ، والذي مزق الكتاب من الأكاسرة هو برويز بن هرمز بن أنوشروان ، ولما مزق الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مزق ملكه . وقال صلى الله عليه وسلم : إذا مات كسرى فلا كسرى بعده . قال الواقدي : فسلط على كسرى ابنه شرويه وقتله سنة سبع ، فتمزق ملكه كل ممزق وزال من جميع الأرض ، واضمحل بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان أنوشروان هو الذي ملك النعمان بن المنذر على العرب ، وهو الذي قصده سيف بن ذي يزن يستنصره على الحبشة فبعث معه قائدا من قواده فنفوا السودان ، وكان ملكه سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر . وقال ابن سعد : لما مزق كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى باذان عامله في اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتياني بخبره ! فبعث باذان قهرمانه ورجلا آخر وكتب معهما كتابا ، فقدما المدينة فدفعا كتاب باذان إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام ، وفرائصهما ترعد ، وقال لهما : أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه كسرى في هذه الليلة لسبع ساعات مضت منها ! وهي ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع ، وأن الله سلط عليه ابنه شرويه فقتله . وقال ابن هشام : لما مات وهرز الذي كان باليمن على جيش الفرس أمر كسرى ابنه - يعني ابن وهرز - ثم عزله وولى باذان ، فلم يزل عليها حتى بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم . قال : فبلغني عن الزهري أنه قال : كتب كسرى إلى باذان : إنه بلغني أن رجلا من قريش يزعم أنه نبي ، فسر إليه فاستتبه ؛ فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه ! فبعث باذان بكتابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله وعدني بقتل كسرى في يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا ! فلما أتى باذان الكتاب قال : إن كان نبيا سيكون ما قال ! فقتل الله كسرى في اليوم الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الزهري : فلما بلغ باذان بعث بإسلامه وإسلام من معه من الفرس . قوله فحسبت ، القائل هو ابن شهاب الزهري راوي الحديث ؛ أي قال الزهري ظننت أن سعيد بن المسيب قال ... إلى آخره . بيان استنباط الأحكام ؛ الأول : فيه جواز الكتابة بالعلم إلى البلدان . الثاني : فيه جواز الدعاء على الكفار إذا أساؤوا الأدب وأهانوا الدين . الثالث : فيه أن الرجل الواحد يجزئ في حمل كتاب الحاكم إلى الحاكم ، وليس من شرطه أن يحمله شاهدان كما تصنع القضاة اليوم - قاله ابن بطال ، قلت : إنما حملوا على شاهدين لما دخل على الناس من الفساد ، فاحتيط لتحصين الدماء والفروج والأموال بشاهدين .