83 - بَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءً . 735 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءٌ ) هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ : يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ فَهَذَا دَلِيلُ الْمُقَارَنَةِ . وَقَدْ وَرَدَ تَقْدِيمُ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَعَكْسُهُ ، أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ ، فَفِي حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِلَفْظِ : رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عِنْدَهُ : كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَفِي الْمُقَارَنَةِ وَتَقْدِيمِ الرَّفْعِ عَلَى التَّكْبِيرِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ، وَالْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمُقَارَنَةُ ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ بِتَقْدِيمِ التَّكْبِيرِ عَلَى الرَّفْعِ ، وَيُرَجِّحُ الْأَوَّلَ حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ : رَفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ ، وَقَضِيَّةُ الْمَعِيَّةِ أَنَّهُ يَنْتَهِي بِانْتِهَائِهِ ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَنَقَلَهَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ . وَصُحِّحَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَا حَدَّ لِانْتِهَائِهِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْأَصَحُّ يَرْفَعُ ثُمَّ يُكَبِّرُ ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ نَفْيُ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ ، وَالتَّكْبِيرُ إِثْبَاتُ ذَلِكَ لَهُ ، وَالنَّفْيُ سَابِقٌ عَلَى الْإِثْبَاتِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ . وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الرَّفْعِ مَا ذَكَرَ . وَقَدْ قَالَ فَرِيقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ : الْحِكْمَةُ فِي اقْتِرَانِهِمَا أَنْ يَرَاهُ الْأَصَمُّ وَيَسْمَعَهُ الْأَعْمَى . وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي ذَلِكَ مُنَاسَبَاتٌ أُخَرُ ، فَقِيلَ : مَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إِلَى طَرْحِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَقِيلَ : إِلَى الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ ؛ لِيُنَاسِبَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَقِيلَ : إِلَى اسْتِعْظَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ ، وَقِيلَ : إِشَارَةٌ إِلَى تَمَامِ الْقِيَامِ ، وَقِيلَ : إِلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَعْبُودِ ، وَقِيلَ : لِيَسْتَقْبِلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا أَنْسَبُهَا . وَتُعُقِّبَ . وَقَالَ الرَّبِيعُ : قُلْتُ لِلشَّافِعِيِّ : مَا مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ ؟ قَالَ : تَعْظِيمُ اللَّهِ ، وَاتِّبَاعُ سُنَّةِ نَبِيِّهِ . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : رَفْعُ الْيَدَيْنِ مِنْ زِينَةِ الصَّلَاةِ . وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : بِكُلِّ رَفْعٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، بِكُلِّ إِصْبَعٍ حَسَنَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) هُوَ الْقَعْنَبِيُّ ، وَفِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ مَا فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَتِهِ بِلَفْظِ الْمُوَطَّأِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَسَرَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الرَّفْعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ . قَالَ : وَحَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَالْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمْ بِإِثْبَاتِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَثْبَتَهُ غَيْرُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ خَاصَّةً ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنَ الرَّفْعِ ، إِلَّا أَنَّهُ حُكِيَ وُجُوبُهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ دَاوُدَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ مِنْ أَصْحَابِنَا اهـ . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ تَنَاقُضٌ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ إِجْمَاعَ مَنْ قَبْلَ الْمَذْكُورِينَ ، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ عَنْهُمَا أَوْ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ ، وَبِالِاعْتِذَارِ الْأَوَّلِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ : إِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ ، نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ مِنْهُمْ ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ . وَأَسْلَمُ الْعِبَارَاتِ قَوْلُ ابْنِ الْمُنْذِرِ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ . وَقَوْلُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ . وَمِمَّنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ أَيْضًا الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا ، نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَاكِمُ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيِّ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْإِيجَابُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِتَرْكِهِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحُمَيْدِيِّ . قُلْتُ : وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : يَأْثَمُ تَارِكُهُ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : أَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَنَقَلَ الْعَبْدَرِيُّ عَنِ الزَّيْدِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ ، وَنَقَلَ الْقَفَّالُ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ أَنَّهُ أَوْجَبَهُ ، وَإِذَا لَمْ يَرْفَعْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ، وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ ؛ فَقَدْ نُقِلَ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ عَنْ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَهُ ، وَنَقَلَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ أَحْمَدِ بْنِ سَيَّارٍ الَّذِي مَضَى ، وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي أَوَائِلِ تَفْسِيرِهِ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ خُزَيْمَةَ : إِنَّهُ رُكْنٌ ، وَاحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى نِهَايَةِ الرَّفْعِ بَعْدُ بِبَابٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الِافْتِتَاحِ سَوَاءً · ص 255 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب رَفعِ اليدَينِ في التَّكبيرَةِ الأُولَى معَ الاِفْتِتَاحِ سَواءً · ص 296 83 - باب رَفعِ اليدَينِ في التَّكبيرَةِ الأُولَى معَ الاِفْتِتَاحِ سَواءً 735 - حدثنا عبد الله بنِ مسلمة ، عَن مالك ، عَن ابن شهاب ، عَن سالم بنِ عبد الله ، عَن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه حَذو منكبيه إذا افتتحَ الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفعَ رأسه مِن الركوع رفعهما كذلك أيضاً ، وقالَ : ( سمع الله لمن حمدهُ ، ربنا ولك الحمد ) ، وكان لا يفعل ذَلِكَ في السجود . مقصوده بهذا الحديث في هَذا الباب مسألتان : إحداهما : أن رفع اليدين عند افتتاح الصلاة مشروع ، وهذا كالمجمع عليهِ . قالَ ابن المنذر : لَم يختلف أهلُ العلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . وحكى بعضهم رواية عَن مالك ، أنه لا يرفع يديه في الصلاة بحالٍ ، ذكره ابن عبد البر وغيره . ولعل ذَلِكَ لا يصح عَن مالك ، وحديثه هَذا مجمع على صحته لا مطعن لأحد فيهِ . والرفع في افتتاح الصلاة سنةٌ مسنونة ، وليس بركنٍ ولا فرض عند جمهور العلماء ، ولا تبطل الصلاة بتركهِ عند أحد مِنهُم . وحكي عَن الحميدي وداود وأحمد بنِ يسار مِن الشافعية : أنه تبطل الصلاة بتركه . وروي عن علي بنِ المديني ما يشبهه ، وأن الرفع واجب ، لا يحل تركه . ونقل حرب عَن إسحاق ما يدل على بطلان الصلاة بترك الرفع عند تكبيرة الإحرام ، وأنه واجب . وَهوَ قول أبي بكر بنِ أبي شيبة والجوزجاني . وقال ابن خزيمة : هوَ ركن مِن أركان الصلاة ، حكاه الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) عَن خاله أبي علي المؤذن - وأثنى عليهِ - أنَّهُ سمع ابن خزيمة يقوله . وحكاه ابن عبد البر روايةً عَن الأوزاعي ؛ لقوله فيمن ترك الرفع : نقصت صلاته . وهذا لا يدل ؛ فإن مراده : لَم يتم سننها ، كَما قالَ ابن سيرين : الرفع مِن تمام الصلاة . ونص أحمد على أن مِن ترك الرفع نقصت صلاته . وفي تسميته : ( مِن تمام الصلاة ) ، عَنهُ روايتان . ولا خلاف أنَّهُ لا يبطل تركه عمداً ولا سهواً . وتوقف إسحاق بنِ راهويه في تسميته : ( ناقص الصلاة ) ، وقال : لا أقول سفيان الثوري ناقص الصلاة . واستدل الأكثرون على أنَّهُ غير واجب ، بأن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يعلمه المسيء في صلاته ، كَما علمه التكبير لافتتاح الصلاة ، ولو كانَ حكم الرفع حكم التكبير لعلمه إياه معه . وقد روى الوليد بنِ مسلم ، عَن الأوزاعي ، حدثني إسحاق بنِ عبد الله بنِ أبي طلحة ، قالَ : بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجلٍ يسيء في صلاته ، فقالَ لَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أحسن صلاتك ) ، وأمره برفع يديه عند تكبيرة الاستفتاح للصلاة ، وبالقراءة ، وبرفع يديه إذا كبر للركوع ، وبرفع يديه عند تكبيرة السجدة التي بعد الركوع . خرجه ابن جوصا في ( مسند الأوزاعي ) . وَهوَ مرسل . ورواه جماعةٌ عَن الوليد ، عَن الأوزاعي ، عَن إسحاق ، عَن أنس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يفعل ذلك في صلاته . وَهوَ أصح . وفي رواية : أن الوليد لَم يسمعه مِن الأوزاعي . والوليد مدلس عَن غير الثقات ، وقد استنكر الإمام أحمد حديثه هَذا . المسألة الثانية : أن الرفع يكون معَ التكبير سواءً ؛ ولهذا بوبَ عليهِ : ( رفع اليدين في التكبيرة الأولى معَ الافتتاح سواءً ) . ومراده بالافتتاح : التكبيرة نفسها ؛ فإن هَذهِ التكبيرة هي افتتاح الصلاة ، كَما في حديث عائشة : كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير . فالصلاة لها مفتاح ، وَهوَ الطهور ، كَما في حديث علي وأبي سعيد مرفوعاً : ( مفتاح الصلاة الطهور ) ولها افتتاح ، وَهوَ التكبير ، ولها استفتاح ، وَهوَ ما يقوله بين التكبير والقراءة مِن الذكر والدعاء . وممن ذهب إلى أن رفع اليدين معَ تكبيرة الإحرام سواء ، فيبدأُ بهِ معَ ابتدائها ، وينتهي معَ انتهائها : الإمام أحمد وعلي بنِ المديني ، ونص عليهِ الشَافِعي في ( الأم ) ، قالَ : يرفع يديه معَ افتتاح التكبيرة ، ويرد يديه عَن الرفع معَ انقضائه ، ويثبت يديه مرفوعتين حتى يفرغ مِن التكبير كله ، وقال : إن أثبت يديه بعد انقضاء التكبير قليلاً لَم يضره ، ولا آمره بهِ . ومن أصحابه مِن قالَ : يرفع يديه مع ابتداء التكبير ، ولا استحباب في انتهائه . ومنهم مِن قالَ : يرفعهما قبل التكبير ، ثُمَّ يرسلهما بعد فراغه مِن التكبير . وقال إسحاق : إن رفع يديه معَ التكبير أجزأهُ ، وأحب إلينا أن يرفع يديه ، ثُمَّ يكبر . وحكاه بعض أصحابنا روايةً عَن أحمد . ومن أصحابنا مِن قالَ : يخير بين الرفع معَ التكبير وقبله ، وهما سواء في الفضيلة . وقد استدل البخاري لقوله بحديث ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة . يعني : إذا كبر للافتتاح . وقد خرجه فيما بعد ، ولفظهُ : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة ، فرفع يديه حين يكبر ، وذكر الحديث . وفي رواية لمسلم مِن طريق ابن جريج ويونس وعقيل ، كلهم عَن الزهري بهذا الإسناد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا قام للصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ، ثُمَّ كبر . وروى الإمام أحمد ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قالَ : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبير معا . قالَ الدارقطني في ( العلل ) : رواه يونس وعقيل وابن أخي الزهري والنعمان بن راشد والزبيدي ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ يرفع يديه ، ثم يكبر . رواه شعيب بن أبي حمزة وإبراهيم بن أبي عبلة وابن جريج وفليح وهشيم وإسماعيل ابن علية وابن عيينة ، عن الزهري ، وقالوا : يرفع يديه حين يكبر . وخرج أبو داود من حديث وائل بن حجر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه رفع يديه ثم كبر . وخرج - أيضا - من حديث وائل بن حجر ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة . وروى حرب الكرماني ، ثنا محمد بن الوزير ، ثنا الوليد بن مسلم ، قالَ : قالَ أبو عمرو : أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفعهما مع التكبير . وقد تقدم ذكر علة هذا الحديث ، وأنه روي مرسلا ، وأن الوليد لم يسمعه من الأوزاعي ، بل دلسه عنه . وروى - أيضا - من طريق ابن إسحاق ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، عن أبي هريرة ، قالَ : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة قط إلا شهر بيديه إلى السماء قبل أن يكبر ، ثم يكبر . وقد حمل بعضهم هذا على أن هذا الرفع كانَ للدعاء قبل الصلاة . وخرجه البيهقي ، ولفظه : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في صلاة فريضة ولا تطوع إلا شهر يديه إلى السماء يدعو ، ثم يكبر . وقد روي عن ابن عمر وغيره استحباب رفع رأسه ووجهه إلى السماء - أيضا - مع التكبير . خرجه حرب بإسناد صحيح ، عن ابن جريج ، قالَ : سألت نافعا ، فقلت : أكان ابن عمر إذا كبر بالصلاة يرفع رأسه ووجهه إلى السماء ؟ فقالَ : نعم قليلا . ومن طريق ابن جريج - أيضا - قالَ : أخبرني ابن سابط ، أن وجه التكبير : أن يكبر الرجل بيديه ووجهه وفيه ، ويرفع رأسه وفاه شيئا حين يبتدئ وحين يرفع رأسه . واعلم أن حديث مالك الذي خرجه البخاري في هذا الباب ، عن القعنبي ، عنه ، ليس فيهِ ذكر الرفع إذا ركع ، إنما فيهِ الرفع إذا افتتح الصلاة ، وإذا رفع رأسه من الركوع ، وكذا هوَ في ( موطأ القعنبي ) عن مالك ، وكذا رواه عامة رواة ( الموطأ ) عن مالك . ورواه جماعة عن مالك ، فذكروا فيهِ الرفع إذا كبر للركوع - أيضاً - ، منهم : الشافعي ، وابن وهب ، ويحيى القطان ، وابن مهدي ، وجويرية بن أسماء ، وإبراهيم بن طهمان ، ومعن ، وخالد بن مخلد ، وبشر بن عمر ، وغيرهم . وكذلك رواه عامة أصحاب الزهري ، عنه ، منهم : يونس وشعيب وعقيل وابن جريج وغيرهم . وكذلك رواه سليمان الشيباني والعلاء بن عبد الرحمن وغيرهما ، عن سالم بن عبد الله . ذكره البيهقي وغيره . وممن رواه عن مالك بذكر الرفع عندَ الركوع : عبد الله بن يوسف التنيسي ، وابن المبارك ، وعبد الرحمن بن القاسم ، وعبد الله بن نافع ، وإسماعيل بن أبي أويس ، ويحيى بن يحيى النيسابوري .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء · ص 271 ( باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء ) أي هذا باب في بيان رفع المصلي يديه في تكبيرة الإحرام مع الافتتاح : أي الشروع في الصلاة ، قوله : " سواء " : أي حال كون رفع اليدين مع الافتتاح متساويين . 123 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا كبر للركوع ، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا ، وقال : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، وكان لا يفعل ذلك في السجود . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله : " يرفع يديه إذا افتتح الصلاة " . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعبد الله بن مسلمة هو القعنبي ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والباقي عنعنة . والحديث أخرجه النسائي في الصلاة ، عن قتيبة ، وعن عمرو بن علي ، وعن سويد بن نصر ، عن ابن المبارك . قوله : " حذو منكبيه " : أي إزاء منكبيه ، الحذو والحذاء : الإزاء والمقابل ، قوله : " رفعهما " جواب لقوله : " وإذا رفع " ، قوله : " كذلك " : أي حذو منكبيه ، قوله : " وكان لا يفعل ذلك في السجود " : أي لا يرفع يديه في ابتداء السجود والرفع منه . ( ذكر ما يستنبط منه ) وهو على وجوه : الأول : فيه رفع اليدين عند افتتاح الصلاة ، وقال ابن المنذر : ولم يختلفوا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وفي شرح المهذب : أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام ، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع فيه ، ونقل العبدري ، عن الزيدية - ولا يعتد بهم - أنه لا يرفع يديه عند الإحرام . وفي فتاوى القفال أن أبا الحسن أحمد بن سيار المروزي قال : إذا لم يرفع يديه لم تصح صلاته ؛ لأنها واجبة ، فوجب الرفع لها بخلاف باقي التكبيرات لا يجب الرفع لها ؛ لأنها غير واجبة ، قال النووي : وهذا مردود بإجماع من قبله ، وقال ابن حزم : رفع اليدين في أول الصلاة فرض ، لا تجزئ الصلاة إلا به ، وقد روي ذلك عن الأوزاعي . ( قلت ) : وممن قال بالوجوب الحميدي ، وابن خزيمة نقله عنه الحاكم ، وحكاه القاضي حسين ، عن أحمد ، وقال ابن عبد البر : كل من نقل عنه الإيجاب لا تبطل الصلاة بتركه ، إلا رواية عن الأوزاعي والحميدي ، ونقله القرطبي عن بعض المالكية . واختلفوا في كيفية الرفع ، فقال الطحاوي : يرفع ناشرا أصابعه ، مستقبلا بباطن كفيه القبلة ، كأنه لمح ما في الأوسط للطبراني من حديثه ، عن محمد بن حزم ، حدثنا عمر بن عمران ، عن ابن جريج ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا : " إذا استفتح أحدكم الصلاة فليرفع يديه ، وليستقبل بباطنهما القبلة ؛ فإن الله تعالى عز وجل أمامه " . وفي المحيط: ولا يفرج بين الأصابع تفريجا ، كأنه يشير إلى ما رواه الترمذي من حديث سعيد بن سمعان : " دخل علينا أبو هريرة مسجد بني زريق ، فقال : ثلاث كان يعمل بهن ، فتركهن الناس ، كان – صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة قال هكذا ، وأشار أبو عامر العقدي بيده ولم يفرج بين أصابعه ولم يضمها " وضعفه . وفي الحاوي للماوردي : يجعل باطن كل كف إلى الأخرى ، وعن سحنون ظهورهما إلى السماء ، وبطونهما إلى الأرض ، وعن القاضي يقيمهما محنيتين شيئا يسيرا . ونقل المحاملي عن أصحابهم : يستحب تفريق الأصابع ، وقال الغزالي : لا يتكلف ضما ولا تفريقا ، بل يتركهما على هيئتهما ، وقال الرافعي : يفرق تفريقا وسطا ، وفي المغني لابن قدامة : يستحب أن يمد أصابعه ، ويضم بعضها إلى بعض . ( الوجه الثاني ) في وقت الرفع : فظاهر رواية البخاري أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ، وفي رواية لمسلم أنه رفعهما ثم كبر ، وفي رواية له : ثم رفع يديه فهذه حالات فعلت لبيان جواز كل منها . وقال صاحب التوضيح : وهي أوجه لأصحابنا ، أصحها الابتداء بالرفع مع ابتداء التكبير ، وبه قال أحمد ، وهو المشهور من مذهب مالك ، ونسبة الغزالي إلى المحققين . وفي شرح الهداية : يرفع ثم يكبر ، وقال صاحب المبسوط : وعليه أكثر مشايخنا ، وقال خواهر زاده : يرفع مقارنا للتكبير ، وبه قال أحمد ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وفي شرح المهذب: الصحيح أن يكون ابتداء الرفع مع التكبير ، وانتهاؤه مع انتهائه ، وهو المنصوص ، وقيل : يرفع بلا تكبير ، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين ، وقيل : يرفع بلا تكبير ، ثم يرسلهما بعد فراغ التكبير ، وهذا مصحح عند البغوي ، وقيل : يبتدئ بهما معا ، وينتهي التكبير مع انتهاء الإرسال ، وقيل : يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير ، ولا استحباب في الانتهاء ، وهذا مصحح عند الرافعي . وقال ابن بطال : ورفعهما تعبد ، وقيل : إشارة إلى التوحيد ، وقيل : حكمته أن يراه الأصم ، فيعلم دخوله في الصلاة ، والتكبير لإسماع الأعمى ، فيعلم دخوله في الصلاة . وقيل : انقياد ، وقيل : إشارة إلى طرح أمور الدنيا ، والإقبال بالكلية إلى الصلاة ، وقيل : استعظام ما دخل فيه ، وقيل : إشارة إلى تمام القيام ، وقيل : إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود ، وقيل : ليستقبل بجميع بدنه ، وقال القرطبي : هذا أنسبها ، وقال الربيع : قلت للشافعي : ما معنى رفع اليدين ؟ قال : تعظيم الله ، واتباع سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم - ، ونقل عن عبد البر ، عن ابن عمر أنه قال : رفع اليدين من زينة الصلاة بكل رفع عشر حسنات ، بكل أصبع حسنة . ( الوجه الثالث ) : إلى أين يرفع ؟ فظاهر الحديث يرفع حذو منكبيه ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وقال القرطبي : هذا أصح قولي مالك ، وفي رواية عنه : إلى صدره ، وعندنا ما ذكره صاحب المحيط : يرفع يديه حذاء أذنيه حتى يحاذي بإبهاميه شحمتيهما ، وبرؤوس أصابعه فروع أذنيه ؛ لما روى مسلم ، عن مالك بن الحويرث : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه " وفي لفظ : " حتى يحاذي بهما فروع أذنيه " ، وعن أنس مثله عند الدارقطني ، وسنده صحيح . وعن البراء من عند الطحاوي : " يرفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه " ، وذهب ابن حبيب إلى رفعهما إلى حذو أذنيه ، وفي رواية : فوق رأسه ، وقال ابن عبد البر : روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرفع مدا مع الرأس ، وروي أنه كان يرفعهما حذاء أذنيه ، وروي إلى صدره ، وروي حذو منكبيه ، وكلها آثار محفوظة مشهورة ، دالة على التوسعة . وعن ابن طاوس ، عن طاوس : أنه كان يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه ، وقال : رأيت ابن عباس يصنعه ، ولا أعلم إلا أنه قال : كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يصنعه ، وصححه ابن القطان في كتابه الوهم والإيهام ، ويكبر مرة واحدة ، وعند الرافضة ثلاثا ، وأخرج ابن ماجه : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه عند كل تكبيرة " ، وزعم النووي أن هذا الحديث باطل لا أصل له . ( الوجه الرابع ) : فيه رفع اليدين عند تكبير الركوع ، وعند رفع رأسه من الركوع ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وابن جرير الطبري ، ورواية عن مالك ، وإليه ذهب الحسن البصري ، وابن سيرين ، وعطاء بن أبي رباح ، وطاوس ، ومجاهد ، والقاسم بن محمد ، وسالم ، وقتادة ، ومكحول ، وسعيد بن جبير ، وعبد الله بن المبارك ، وسفيان بن عيينة . وقال البخاري في كتابه رفع اليدين في الصلاة بعد أن أخرجه من طريق علي رضي الله تعالى عنه ، وكذلك روي عن تسعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع ، وعدد أكثرهم ، وزاد البيهقي جماعات . وذكر ابن الأثير في ( شرحه ) أن ذلك روي عن أكثر من عشرين نفرا ، وزاد فيهم الخدري ، وقال الحاكم : من جملتهم العشرة المشهود لهم بالجنة ، وقال القاضي أبو الطيب : قال أبو علي : روى الرفع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نيف وثلاثون من الصحابة ، وفي التوضيح: ثم المشهور أنه لا يجب شيء من الرفع ، وحكي الإجماع عليه ، وحكي عن داود إيجابه في تكبيرة الإحرام ، وبه قال ابن سيار من أصحابنا ، وحكي عن بعض المالكية ، وحكي عن أبي حنيفة ما يقتضي الإثم بتركه . وقال ابن خزيمة : من ترك الرفع في الصلاة فقد ترك ركنا من أركانها ، وفي قواعد ابن رشد عن بعضهم وجوبه أيضا عند السجود ، وعند أبي حنيفة وأصحابه : لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ، وبه قال الثوري ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، وعلقمة بن قيس ، والأسود بن يزيد ، وعامر الشعبي ، وأبو إسحاق السبيعي ، وخيثمة ، والمغيرة ، ووكيع ، وعاصم بن كليب ، وزفر ، وهو رواية ابن القاسم عن مالك ، وهو المشهور من مذهبه ، والمعمول عند أصحابه . وقال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ، وهو قول سفيان ، وأهل الكوفة ، وفي البدائع روي عن ابن عباس أنه قال : العشرة الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة ما كانوا يرفعون أيديهم إلا في افتتاح الصلاة ، وذكر غيره عبد الله بن مسعود أيضا ، وجابر بن سمرة ، والبراء بن عازب ، وعبد الله بن عمر ، وأبا سعيد رضي الله تعالى عنهم ، واحتج أصحابنا بحديث البراء بن عازب قال : " كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا كبر لافتتاح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه قريبا من شحمتي أذنيه ، ثم لا يعود " ، أخرجه أبو داود ، والطحاوي من ثلاث طرق ، وابن أبي شيبة في مصنفه ، فإن قالوا في حديث البراء قال أبو داود : روى هذا الحديث هشيم ، وخالد ، وابن إدريس ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن البراء ولم يذكروا : " ثم لا يعود " . وقال الخطابي : لم يقل أحد في هذا ثم لا يعود غير شريك ، وقال أبو عمر : تفرد به يزيد ، ورواه عنه الحفاظ ، فلم يذكر واحد منهم قوله : " ثم لا يعود " . وقال البزار : لا يصح حديث يزيد في رفع اليدين " ثم لا يعود " ، وقال عباس الدوري ، عن يحيى بن معين : ليس هو بصحيح الإسناد ، وقال أحمد : هذا حديث واه ، قد كان يزيد يحدث به لا يذكر : ثم لا يعود ، فلما لقن أخذه يذكره فيه ، وقال جماعة : إن يزيد كان يغير بأخرة ، فصار يتلقن ، قلنا : يعارض قول أبي داود قول ابن عدي في الكامل ، رواه هشيم ، وشريك ، وجماعة معهما ، عن يزيد بإسناده ، وقالوا فيه : ثم لم يعد ، فظهر أن شريكا لم ينفرد برواية هذه الزيادة ، فسقط بذلك أيضا كلام الخطابي : لم يقل في هذا " ثم لا يعود " غير شريك . ( فإن قلت ) : يزيد ضعيف ، وقد تفرد به ؟ ( قلت ) : لا نسلم ذلك ؛ لأن عيسى بن عبد الرحمن رواه أيضا ، عن ابن أبي ليلى ، فكذلك أخرجه الطحاوي إشارة إلى أن يزيد قد توبع في هذا ، وأما يزيد في نفسه فإنه ثقة ، فقال العجلي : هو جائز الحديث ، وقال يعقوب بن سفيان : هو وإن تكلم فيه لتغيره فهو مقبول القول ، عدل ثقة ، وقال أبو داود : لا أعلم أحدا ترك حديثه ، وغيره أحب إلي منه ، وقال ابن شاهين في كتاب الثقات: قال أحمد بن صالح : يزيد ثقة ، ولا يعجبني قول من يتكلم فيه ، وخرج حديثه ابن خزيمة في صحيحه. وقال الساجي : صدوق ، وكذا قال ابن حبان ، وخرج مسلم حديثه ، واستشهد به البخاري ، فإذا كان كذلك جاز أن يحمل أمره على أنه حدث ببعض الحديث تارة ، وبجملته أخرى ، أو يكون قد نسي أولا ، ثم تذكر ، وقد أتقنا الكلام فيه في شرحنا للهداية ، والذي يحتج به الخصم من الرفع محمول على أنه كان في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ ، والدليل عليه : أن عبد الله بن الزبير رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع ، وعند رفع رأسه من الركوع ، فقال له : لا تفعل ؛ فإن هذا شيء فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم تركه . ويؤيد النسخ : ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح ، حدثنا ابن أبي داود ، قال : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن حصين ، عن مجاهد قال : صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة ، قال الطحاوي : فهذا ابن عمر قد رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم – يرفع ، ثم ترك هو الرفع بعد النبي – صلى الله عليه وسلم - فلا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخ ما قد كان رأى النبي – صلى الله عليه وسلم - فعله . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن حصين ، عن مجاهد قال : ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول ما يفتتح ، فقال الخصم : هذا حديث منكر ؛ لأن طاوسا قد ذكر أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روى عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . من ذلك قلنا : يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رواه طاوس يفعله قبل أن تقوم الحجة عنده بنسخه ، ثم قامت الحجة عنده بنسخه ، فتركه وفعل ما ذكره عنه مجاهد ، فإن احتج الخصم بحديث أبي حميد الساعدي ، فجوابه أن أبا داود قد أخرجه من وجوه كثيرة : أحدها عن أحمد بن حنبل ، وليس فيه ذكر رفع اليدين عند الركوع ، والطريق الذي فيه ذلك فهو عن عبد الحميد بن جعفر ، فهو ضعيف ، قالوا : إنه مطعون في حديثه ، فكيف يحتجون به على الخصم ؟ ( فإن قلت ) : هو من رجال مسلم ؟ ( قلت ) : لا يلزم من ذلك أن لا يكون ضعيفا عند غيره ، ولئن سلمنا ذلك فالحديث معلول بجهة أخرى ، وهو أن محمد بن عمر ، وابن عطاء لم يسمعا هذا الحديث من أبي حميد ، ولا ممن ذكر معه في هذا الحديث مثل أبي قتادة وغيره ، فإنه توفي في خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، وكانت خلافته في سنة خمس وعشرين ومائة ، ولهذا قال ابن حزم : ولعل عبد الحميد بن جعفر وهم فيه ، يعني في روايته عن محمد بن عمر ، وابن عطاء ، فإن قال الخصم : قال البيهقي في المعرفة: حكم البخاري في تاريخه بأنه سمع أبا حميد . قلنا : القائل بأنه لم يسمع من أبي حميد هو الشعبي ، وهو حجة في هذا الباب . وإن احتج الخصم بحديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن ماجه قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة ، وحين يركع ، وحين يسجد " . فجوابه أنه من طريق إسماعيل بن عياش ، عن صالح بن كيسان ، وهم لا يجعلون إسماعيل فيما يروي عن غير الشاميين حجة ، فكيف يحتجون بما لو احتج بمثله عليهم لم يسوغوه إياه ؟ وقال النسائي : إسماعيل ضعيف . وقال ابن حبان : كثير الخطأ في حديثه ، فخرج عن حد الاحتجاج به ، وقال ابن خزيمة : لا يحتج به . فإن احتج الخصم بحديث وائل بن حجر قال : " رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه حين يكبر للصلاة ، وحين يركع ، وحين يرفع رأسه من الركوع ، يرفع يديه حيال أذنيه " ، أخرجه أبو داود ، والنسائي . فجوابه أنه ضاده ما رواه إبراهيم النخعي ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لم يكن رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل ما ذكر من رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام ، فعبد الله أقدم صحبة لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأفهم بأفعاله من وائل ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أن يليه المهاجرون ؛ ليحفظوا عنه ، وكان عبد الله كثير الولوج على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ووائل بن حجر أسلم في المدينة في سنة تسع من الهجرة ، وبين إسلاميهما اثنتان وعشرون سنة ، ولهذا قال إبراهيم للمغيرة حين قال : إن وائلا حدث أنه : " رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا رفع رأسه من الركوع " ، إن كان وائل رآه مرة يفعل ذلك فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك . فإن ( قلت ) : خبر إبراهيم غير متصل ؛ لأنه لم يدرك عبد الله لأنه مات سنة اثنتين وثلاثين بالمدينة ، وقيل : بالكوفة ، ومولد إبراهيم سنة خمسين كما صرح به ابن حبان . ( قلت ) : عادة إبراهيم إذا أرسل حديثا عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده من الرواة عنه ، وبعد تكاثر الروايات عنه ، ولا شك أن خبر الجماعة أقوى من خبر الواحد وأولى . فإن احتج الخصم بحديث علي رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الأربعة ، وفيه رفع يديه حذو منكبيه ، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته إذا أراد أن يركع ، ويصنعه إذا ركع ورفع من الركوع . فجوابه أنه روي عنه أيضا ما ينافيه ويعارضه ، فإن عاصم بن كليب روى عن أبيه أن عليا كان يرفع يديه في أول تكبيرة من الصلاة ، ثم لا يرفع بعد ، رواه الطحاوي ، وأبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ، ولا يجوز لعلي أن يرى ذلك من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ثم يترك هو ذلك إلا وقد ثبت نسخ الرفع في غير تكبيرة الإحرام ، وإسناد حديث عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم . الوجه الخامس : فيه : أنه – صلى الله عليه وسلم - قال : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، وبه استدل الشافعي أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد ، وقد مضى الكلام فيه مستوفى عن قريب . الوجه السادس : فيه : أنه لا يرفع يديه في ابتداء السجود ، ولا في الرفع منه ، كما صرح به فيما يأتي ، وبه قال أكثر الفقهاء ، وخالف فيه بعضهم .