87 - بَاب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى 740- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ . قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : يُنْمَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقُلْ : يَنْمِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ ) أَيْ : فِي حَالِ الْقِيَامِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ ) هَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ لَهُمْ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( عَلَى ذِرَاعِهِ ) أَبْهَمَ مَوْضِعَهُ مِنَ الذِّرَاعِ ، وَفِي حَدِيثِ وَائِلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ : ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِدُونِ الزِّيَادَةِ ، وَالرُّسْغُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ ، وَسَيَأْتِي أَثَرُ عَلِيٍّ نَحْوُهُ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَيْضًا مَحَلَّهُمَا مِنَ الْجَسَدِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا عَلَى صَدْرِهِ ، وَالْبَزَّارُ عِنْدَ صَدْرِهِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي حَدِيثِ هُلْبٍ الطَّائِيِّ نَحْوُهُ . وَهُلْبٌ بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَفِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ وَضَعَهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَاعْتَرَضَ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّأِ فَقَالَ : هَذَا مَعْلُولٌ ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّ أَبَا حَازِمٍ لَوْ لَمْ يَقُلْ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ لَكَانَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا يُصْرَفُ بِظَاهِرِهِ إِلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَهُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الشَّرْعِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ الشَّرْعُ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَأَطْلَقَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَرَدَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ السَّكَنِ شَيْءٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ عَلَى تَعْيِينِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : رَآنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاضِعًا يَدِيَ الْيُسْرَى عَلَى يَدِي الْيُمْنَى فَنَزَعَهَا وَوَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، قِيلَ : لَوْ كَانَ مَرْفُوعًا مَا احْتَاجَ أَبُو حَازِمٍ إِلَى قَوْلِهِ لَا أَعْلَمُهُ إِلَخْ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أَرَادَ الِانْتِقَالَ إِلَى التَّصْرِيحِ ، فَالْأَوَّلُ لَا يُقَالُ لَهُ مَرْفُوعٌ وَإِنَّمَا يُقَالُ : لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْحِكْمَةُ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ أَنَّهُ صِفَةُ السَّائِلِ الذَّلِيلِ ، وَهُوَ أَمْنَعُ مِنَ الْعَبَثِ وَأَقْرَبُ إِلَى الْخُشُوعِ ، وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحِظَ ذَلِكَ فَعَقَّبَهُ بِبَابِ الْخُشُوعِ . وَمِنَ اللَّطَائِفِ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : الْقَلْبُ مَوْضِعُ النِّيَّةِ ، وَالْعَادَةُ أَنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَلَى حِفْظِ شَيْءٍ جَعَلَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَأْتِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ خِلَافٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ ، وَلَمْ يَحْكِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَهُ . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ الْإِرْسَالَ ، وَصَارَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَعَنْهُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْإِمْسَاكَ . وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ يُمْسِكُ مُعْتَمِدًا لِقَصْدِ الرَّاحَةِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو حَازِمٍ ) يَعْنِي رَاوِيَهُ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ ( لَا أَعْلَمُهُ ) أَيْ : سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ ( إِلَّا يَنْمِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ إِلَى غَيْرِي رَفَعْتُهُ وَأَسْنَدْتُهُ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى ، وَابْنُ يُوسُفَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، والدَّارَقُطْنِيُّ ، وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ : ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ : يَرْفَعُ ذَلِكَ ، وَمِنِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِذَا قَالَ الرَّاوِي يُنْمِيهِ فَمُرَادُهُ يَرْفَعُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ يُنْمَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقُلْ يُنْمِي ) الْأَوَّلُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمَجْهُولِ ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَنْفِيُّ كَرِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْهَاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ فَيَكُونُ مُرْسَلًا ؛ لِأَنَّ أَبَا حَازِمٍ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْ نَمَّاهُ لَهُ ، وَعَلَى رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ الضَّمِيرُ لِسَهْلٍ شَيْخُهُ فَهُوَ مُتَّصِلٌ . وَإِسْمَاعِيلُ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغْلَطَايْ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي ، وَكَأَنَّهُ رَأَى الْحَدِيثَ عِنْدَ الْجَوْزَقِيِّ ، والْبَيْهَقِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَظَنَّ أَنَّهُ الْمُرَادُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى عَنْهُ وَهُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنَ الْبُخَارِيِّ وَأَحْدَثُ سَمَاعًا ، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَشَايِخِهِ الْبَصْرِيِّينَ الْقُدَمَاءِ ، وَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْغَرَائِبِ . ( تَنْبِيهٌ ) : حَكَى فِي الْمَطَالِعِ أَنَّ رِوَايَةَ الْقَعْنَبِيِّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَنَمَى ، قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الزَّجَّاجَ ذَكَرَ فِي كِتَابِ فَعَلْتُ وَأَفْعَلْتُ : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ وَأَنْمَيْتُهُ ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ . وَمَعَ ذَلِكَ فَالَّذِي ضَبَطْنَاهُ فِي الْبُخَارِيِّ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، فَلَعَلَّ الضَّمَّ رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّأِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ · ص 262 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وَضْعِ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلاةِ · ص 331 87 - باب وَضْعِ الْيُمْنى عَلَى الْيُسْرَى في الصَّلاةِ 740 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، قالَ : كانَ الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة . قالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قالَ إسماعيل : ينمى ذَلِكَ ، ولم يقل : ينمي . هذا الحديث في ( الموطأ ) ليس فيهِ ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما فيهِ : قالَ أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذَلِكَ ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم . وكذا رأيناه في ( موطأ القعنبي ) ، وهو الذي خرج عنه البخاري هذا الحديث . ومراد البخاري : أن إسماعيل - وهو : ابن أبي أويس - رواه بالبناء للمفعول : ينمى . ومعنى ( ينمى ) يرفع ويسند ، والمراد : إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ورواه عمار بن مطر ، عن مالك ، فقالَ فيهِ : أمرنا أن نضع . وعمار ، ليس بحجة . وليس في ( صحيح البخاري ) في هذا الباب غير هذا الحديث ، ولا في ( صحيح مسلم ) فيه غير حديث محمد بن جحادة ، حدثني عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة بن وائل ومولى لهم ، حدثاه عن أبيه وائل بن حجر ، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين داخل في الصلاة ، كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثم رفعهما وكبر فركع ، فلما قالَ : ( سمع الله لمن حمده ) رفع يديه ، فلما سجد سجد بين كفيه . وله طرق أخرى عن وائل . وفي رواية للإمام أحمد : وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد . وفي الحديث : دليل على أن المصلي إذا التحف في صلاته بثوبه ، ثم أخرج يديه منه لمصلحة الصلاة لم يضره ذَلِكَ . وفي الباب أحاديث كثيرة ، لا تخلو أسانيدها من مقال . وقد خرج ابن حبان في ( صحيحه ) من طريق حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، أنه سمع عطاء بن أبي رباح يحدث ، عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : ( إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نؤخر سحورنا ، ونعجل إفطارنا ، وأن نمسك بأيماننا على شمائلنا في الصلاة ) . وهذا إسناد في الظاهر على شرط مسلم ، وزعم ابن حبان أن ابن وهب سمع هذا الحديث من عمرو بن الحارث وطلحة بن عمرو ، كلاهما عن عطاء ، وفي هذا إشارة إلى أن غير حرملة رواه عن ابن وهب ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء ، وهذا هوَ الأشبه ، ولا يعرف هذا الحديث من رواية عمرو بن الحارث . قالَ البيهقي : إنما يعرف هذا بطلحة بن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، - ومرة : عن أبي هريرة وطلحة ليس بالقوي . قلت : وقد روي ، عن طلحة ، عن عطاء ، مرسلا . خرجه وكيع عنه كذلك . قالَ الترمذي في ( جامعه ) : العمل عندَ أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على هذا ، يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة . انتهى . وقد روي ذَلِكَ عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب . وروي عن ابن الزبير ، أنه قالَ : هوَ من السنة . خرجه أبو داود . وعن عائشة ، قالت : هوَ من النبوة . خرجه الدارقطني . وروي عن أبي الدرداء ، أنه قالَ : هوَ من أخلاق النبيين . وروي عن علي وابن عباس ، أنهما فسرا ( النحر ) المذكور في قوله تعالى : فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ بهذا . وهو قول عامة فقهاء الأمصار ، منهم : الثوري وأبو حنيفة والحسن بن صالح والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وغيرهم . وحكى ابن المنذر إرسال اليدين في الصلاة عن ابن الزبير والحسن والنخعي ، وحكى عن مالك كقول الأولين . وذكر ابن عبد البر : أنه روي عن مالك ، أنه قالَ : لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة ، قالَ : وهو قول المدنيين من أصحابه . ونقل ابن القاسم ، عنه ، قالَ : إنما يفعل في النوافل من طول القيام ، وتركه أحب إلي . قالَ : وقال الليث : سدل اليدين في الصلاة أحب إلي ، إلا أن يطول القيام فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى . وقال الأوزاعي : من شاء فعل ، ومن شاء ترك . وهو قول عطاء . قلت : وحكي رواية عن أحمد ، وحكي عنه أنه يرسل يديه في النوافل خاصة . وهذا عكس ما نقله ابن القاسم عن مالك . وروى ابن المبارك في ( كتاب الزهد ) عن صفوان بن عمرو ، عن مهاجر النبال ، أنه ذكر عنده قبض الرجل يمينه على شماله ، فقالَ : ما أحسنه ، ذل بين يدي عز . وحكي مثل ذَلِكَ عن الإمام أحمد . قالَ بعضهم : ما سمعت في العلم أحسن من هذا . وروينا عن بشر بن الحارث ، أنه قالَ : منذ أربعين سنة أشتهي أن أضع يدا على يد في الصلاة ، ما يمنعني من ذَلِكَ إلا أن أكون قد أظهرت من الخشوع ما ليس في قلبي مثله . وروى محمد بن نصر المروزي في ( كتاب الصلاة ) بإسناده ، عن أبي هريرة ، قالَ : يحشر الناس يوم القيامة على قدر صنيعهم في الصلاة ، وقبض بعض رواة الحديث شماله بيمينه ، وانحنى هكذا . وبإسناده عن الأعمش ، عن أبي صالح ، قالَ : يبعث الناس يوم القيامة هكذا ، ووضع إحدى يديه على الأخرى . واختلف القائلون بالوضع : هل يضعهما على صدره ، أو تحت سرته ، أو يخير بين الأمرين ؟ على ثلاثة أقوال ، هي ثلاث روايات عن أحمد . وممن روي عنه أنه يضعهما تحت سرته : علي ، وأبو هريرة ، والنخعي ، وأبو مجلز ، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك وإسحاق . وروي عن علي - أيضا - وعن سعيد بن جبير ، أنه يضعهما على صدره ، وهو قول الشافعي . وقال أبو إسحاق المروزي من أصحابه : يضعهما تحت سرته . وحكى ابن المنذر التخيير بينهما . قالَ الترمذي في ( جامعه ) : رأى بعضهم أن يضعهما فوق سرته ، ورأى بعضهم أن يضعهما تحت سرته ، كل ذَلِكَ واسع عندهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة · ص 278 ( باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة ) . أي هذا باب في بيان وضع المصلي يده اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام في الصلاة . 128 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال : كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ، قال أبو حازم : لا أعلمه إلا ينمي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : عبد الله بن مسلمة القعنبي ، ومالك بن أنس ، وأبو حازم بالحاء المهملة سلمة بن دينار الأعرج ، وسهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري . وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والعنعنة في ثلاثة مواضع ، وهو من أفراد البخاري . قوله : " كان الناس يؤمرون " هذا حكمه الرفع ؛ لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " أن يضع " أي بأن يضع ؛ لأن الأمر يستعمل بالباء وكان القياس أن يقال يضعون ، لكن وضع المظهر موضع المضمر ، قوله : " لا أعلمه إلا ينمي ذلك " : أي لا أعلم الأمر إلا أن سهلا ينمي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : " ينمي " بفتح الياء ، وسكون النون ، وكسر الميم قال الجوهري : يقال : نميت الأمر ، أو الحديث إلى غيري : إذا أسندته ورفعته ، وقال ابن وهب : ينمي يرفع ، ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي ينميه ، فمراده يرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو لم يقيد قوله : " على ذراعه اليسرى " لم يبين موضعه من الذراع ، وفي حديث وائل عند أبي داود والنسائي : " ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ من الساعد " ، وصححه ابن خزيمة وغيره ، والرسغ بضم الراء ، وسكون السين المهملة ، وفي آخره عين معجمة هو المفصل بين الساعد والكف . ثم اعلم أن الكلام في وضع اليد على اليد في الصلاة على وجوه : ( الوجه الأول ) : في أصل الوضع ، فعندنا يضع ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق وعامة أهل العلم ، وهو قول علي ، وأبي هريرة ، والنخعي ، والثوري ، وحكاه ابن المنذر عن مالك . وفي التوضيح وهو قول سعيد بن جبير ، وأبي مجلز ، وأبي ثور ، وأبي عبيد ، وابن جرير ، وداود ، وهو قول أبي بكر وعائشة وجمهور العلماء . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم ، وحكى ابن المنذر ، عن عبد الله بن الزبير ، والحسن البصري ، وابن سيرين أنه يرسلهما ، وكذلك عند مالك في المشهور يرسلهما ، وإن طال ذلك عليه وضع اليمنى على اليسرى للاستراحة ، قاله الليث بن سعد . وقال الأوزاعي : هو مخير بين الوضع والإرسال ، ومن جملة ما احتججنا به في الوضع حديث رواه ابن ماجه من حديث الأحوص ، عن سماك بن حرب ، عن قبيصة بن المهلب ، عن أبيه قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤمنا فيأخذ شماله بيمينه " . وحديث آخر أخرجه مسلم في صحيحه ، عن وائل بن حجر : " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه " ... الحديث ، وفيه : " ثم وضع يده اليمنى على اليسرى " . وحديث آخر أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أبي زينب ، سمعت أبا عثمان يحدث عن عبد الله بن مسعود ، أنه كان يصلي ، فوضع يده اليسرى على اليمنى ، فرآه النبي - عليه الصلاة والسلام - فوضع يده اليمنى على اليسرى ، وحديث آخر أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس ، عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : " إنا معشر الأنبياء أمرنا بأن نمسك بأيماننا على شمالنا في الصلاة " ، وفي إسناده طلحة بن عمرو متروك ، وعن ابن معين ليس بشيء ، وحديث آخر أخرجه الدارقطني أيضا من حديث أبي هريرة مرفوعا ، نحو حديث ابن عباس ، وفي إسناده النضر بن إسماعيل ، قال ابن معين : ليس بشيء ، ضعيف . ( الوجه الثاني ) : في صفة الوضع ، وهي أن يضع بطن كفه اليمنى على رسغه اليسرى ، فيكون الرسغ وسط الكف ، وقال الإسبيجابي عند أبي يوسف : يقبض بيده اليمنى رسغ يده اليسرى ، وقال محمد : يضعها كذلك ، ويكون الرسغ وسط الكف ، وفي المفيد ، ويأخذ رسغها بالخنصر والإبهام وهو المختار ، وفي الدراية يأخذ كوعه الأيسر بكفه الأيمن ، وبه قال الشافعي وأحمد ، وقال أبو يوسف ومحمد في رواية يضع باطن أصابعه على الرسغ طولا ولا يقبض ، واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بأن يضع باطن كفه اليمنى على كفه اليسرى ، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ . ( الوجه الثالث ) : في مكان الوضع ، فعندنا تحت السرة ، وعند الشافعي على الصدر ، ذكره في الحاوي ، وفي الوسيط تحت صدره ، واحتج الشافعي بحديث وائل بن حجر ، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه قال : " صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره " ، ولم يذكر النووي غيره في الخلاصة ، وكذلك الشيخ تقي الدين في الإمام ، واحتج صاحب الهداية لأصحابنا في ذلك بقوله – صلى الله عليه وسلم - : إن من السنة وضع اليمنى على الشمال تحت السرة . ( قلت ) : هذا قول علي بن أبي طالب ، وإسناده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - غير صحيح ، وإنما رواه أحمد في مسنده والدارقطني ، ثم البيهقي من جهته في سننيهما من حديث أبي جحيفة ، عن علي رضي الله تعالى عنه ، أنه قال : إن من السنة وضع الكف على الكف تحت السرة ، وقول علي : إن من السنة هذا اللفظ يدخل في المرفوع عندهم . وقال أبو عمر في التفصي : واعلم أن الصحابي إذا أطلق اسم السنة ، فالمراد به سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك إذا أطلقها غيره ما لم تضف إلى صاحبها ، كقولهم سنة العمرين وما أشبه ذلك . ( فإن قلت ) : سلمنا هذا ولكن الذي روي عن علي فيه مقال ؛ لأن في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ، قال أحمد : ليس بشيء ، منكر الحديث . ( قلت ) : روى أبو داود وسكت عليه ، ويعضده ما رواه ابن حزم من حديث أنس من أخلاق النبوة : وضع اليمين على الشمال تحت السرة ، وقال الترمذي : العمل عند أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وضع اليمين على الشمال في الصلاة ، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة ، ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة ، وكل ذلك واسع . ( الوجه الرابع ) : وقت وضع اليدين ، والأصل فيه أن كل قيام فيه ذكر مسنون يعتمد فيه ، أعني اعتماد يده اليمنى على اليسرى ، وما لا فلا فيعتمد في حالة القنوت ، وصلاة الجنازة ، ولا يعتمد في القومة عن الركوع ، وبين تكبيرات العيدين الزوائد ، وهذا هو الصحيح ، وعند أبي علي النسفي والإمام أبي عبد الله وغيرهما يعتمد في كل قيام ، سواء كان فيه ذكر مسنون أو لا . ( الوجه الخامس ) : في الحكمة في الوضع على الصدر أو السرة فقيل : الوضع على الصدر أبلغ في الخشوع ، وفيه حفظ نور الإيمان . في الصلاة ، فكان أولى من إشارته إلى العورة بالوضع تحت السرة ، وهذا قول من ذهب إلى أن السنة الوضع على الصدر ، ونحن نقول : الوضع تحت السرة أقرب إلى التعظيم ، وأبعد من التشبه بأهل الكتاب ، وأقرب إلى ستر العورة ، وحفظ الإزار عن السقوط ، وذلك كما يفعل بين يدي الملوك ، وفي الوضع على الصدر تشبه بالنساء فلا يسن . ( قال إسماعيل : ينمى ذلك ، ولم يقل : ينمي ) . قال صاحب التلويح : إسماعيل هذا يشبه أن يكون إسماعيل بن إسحاق الراوي عن القعنبي هذا الحديث في سنن البيهقي ، وقال بعضهم : إسماعيل هذا هو إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري ، كما جزم به الحميدي في الجمع ، وأنكر على صاحب التلويح فيما قاله ، فقال : ظن أنه المراد وليس كذلك ؛ لأن رواية إسماعيل بن إسحاق موافقة لرواية البخاري ، ولم يذكر أحد أن البخاري روى عنه وهو أحدث سنا من البخاري ، وأحدث سماعا . ( قلت ) : لا يتوجه الرد على صاحب التلويح ؛ لأنه لم يجزم بما قاله ، ولا يلزم - من كون إسماعيل بن إسحاق المذكور أحدث سنا من البخاري وأحدث سماعا - نفي رواية البخاري عنه ، قوله : " ينمى " بضم الياء ، وفتح الميم على صيغة المجهول ، ولم يقل : ينمي بفتح الياء على صيغة المعلوم ، فعلى صيغة المجهول يكون الحديث مرسلا ؛ لأن أبا حازم لم يعين من أنماه له ، وعلى صيغة المعلوم يكون الحديث متصلا ؛ لأن الضمير فيه يكون لسهل بن سعد ؛ لأن أبا حازم حينئذ قد يتعين له المسند ، وهو سهل بن سعد ، وقال بعضهم : فعلى الأول الهاء ضمير الشأن فيكون مرسلا . ( قلت ) : أراد بالأول صيغة المجهول ، وأراد بضمير الشأن الضمير المنصوب في لا أعلمه ، وليس هذا بضمير الشأن ، وإنما هو يرجع إلى ما ذكر من الحديث .