742 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي - وَرُبَّمَا قَالَ - مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَنَسٍ ) عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ غُنْدَرٍ التَّصْرِيحُ بِقَوْلِ قَتَادَةَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ) أَيْ : أَكْمِلُوهُمَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَتِمُّوا بَدَلَ أَقِيمُوا . قَوْلُهُ : ( فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ فَحَمَلَ الْبَعْدِيَّةَ هُنَا عَلَى مَا بَعْدَ الْوَفَاةِ ، يَعْنِي أَنَّ أَعْمَالَ الْأُمَّةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ سِيَاقَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ بَيَّنَ فِيهِ سَبَبَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ فِي إِيرَادِهِ الْحَدِيثَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَكَذَا أَوْرَدَهُمَا مُسْلِمٌ مَعًا . وَاسْتَشْكَلَ إِيرَادُ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا لِكَوْنِهِ لَا ذِكْرَ فِيهِ لِلْخُشُوعِ الَّذِي تَرْجَمَ لَهُ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ يُدْرَكُ بِسُكُونِ الْجَوَارِحِ إِذِ الظَّاهِرُ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهُ عُودٌ ، وَحَدَّثَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَانَ كَذَلِكَ . قَالَ وَكَانَ يُقَالُ : ذَاكَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ . وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِذْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . نَعَمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ : يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ ، وَفِي أُخْرَى : أَقِيمُوا الصُّفُوفَ ، وَفِي أُخْرَى : لَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ : صَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجُلٌ فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ ، وَعِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ تَعَمَّدَ الْمُسَابَقَةَ لِيَنْظُرَ هَلْ يَعْلَمُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ لَا ؟ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ . وَاخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَلَوَاتٍ ، وَقَدْ حَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْخُشُوعَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ : إِنَّ مُدَافَعَةَ الْأَخْبَثَيْنِ إِذَا انْتَهَتْ إِلَى حَدٍّ يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ أَبْطَلَتِ الصَّلَاةَ ، وَقَالَهُ أَيْضًا أَبُو زَيْدٍ الْمَرْوَزِيُّ ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِوُجُوبِهِ ، وَكِلَاهُمَا فِي أَمْرٍ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ الْمُدَافَعَةِ وَتَرْكِ الْخُشُوعِ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَسَبَ إِلَى الْقَاضِي وَأَبِي زَيْدٍ أَنَّهُمَا قَالَا : إِنَّ الْخُشُوعَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَقَالَ : هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنْ يَحْصُلَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ لَا فِي جَمِيعِهَا ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْخُشُوعَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ ، قِيلَ لَهُ بِحَسْبِ الْإِنْسَانِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا طَاقَةَ لَهُ بِمَا اعْتَرَضَهُ مِنَ الْخَوَاطِرِ . فَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ هُوَ الَّذِي يَجِبُ مِنَ الْخُشُوعِ ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا . وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمُنِيرِ إِطْلَاقَ الْفَرْضِيَّةِ وَقَالَ : الصَّوَابُ أَنَّ عَدَمَ الْخُشُوعِ تَابِعٌ لِمَا يَظْهَرُ عَنْهُ مِنَ الْآثَارِ وَهُوَ أَمْرٌ مُتَفَاوِتٌ ، فَإِنْ أَثَّرَ نَقْصًا فِي الْوَاجِبَاتِ كَانَ حَرَامًا وَكَانَ الْخُشُوعُ وَاجِبًا وَإِلَّا فَلَا . وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي تَحْذِيرِهِمْ مِنَ النَّقْصِ فِي الصَّلَاةِ بِرُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ دُونَ تَحْذِيرِهِمْ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ، وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ الْمُبَيَّنِ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ : اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ فَأُجِيبَ بِأَنَّ فِي التَّعْلِيلِ بِرُؤْيَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْبِيهًا عَلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ إِذَا أَحْسَنُوا الصَّلَاةَ لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَاهُمْ أَيْقَظَهُمْ ذَلِكَ إِلَى مُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ ، وَلِكَوْنِهِ يُبْعَثُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ يَرَاهُمْ تَحَفَّظُوا فِي عِبَادَتِهِمْ لِيَشْهَدَ لَهُمْ بِحُسْنِ عِبَادَتِهِمْ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ · ص 264 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الْخُشُوعِ في الصَّلاةِ · ص 336 88 - باب الْخُشُوعِ في الصَّلاةِ 741 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالَ : ( هل ترون قبلتي هاهنا ، والله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوعكم ، وإني لأراكم من وراء ظهري ) . 742 - حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا غندر ، ثنا شعبة ، سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي - وربما قالَ : من بعد ظهري - إذا ركعتم وإذا سجدتم ) . قد خرج البخاري حديث أبي هريرة وحديث أنس في ( باب : عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وذكر القبلة ) ، وقد سبق الكلام عليهما هناك بما فيهِ كفاية . وإنما خرجهما هاهنا ؛ لدلالتهما على الخشوع في الصلاة . وفي ( صحيح مسلم ) عن عثمان بن عفان ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها ، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة ، وذلك الدهر كله ) . وقد مدح الله الخاشعين في صلاتهم ، فقالَ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وقال : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ روي عن علي بن أبي طالب ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، وأن تلين كنفك للمسلم ، وأن لا تلتفت في صلاتك . وعنه ، قالَ : الخشوع خشوع القلب ، وأن لا تلتفت يمينا ولا شمالا . وعن ابن عباس ، قالَ : خاشعون : خائفون ساكنون . وعن الحسن ، قالَ : كانَ الخشوع في قلوبهم ، فغضوا لهُ البصر ، وخفضوا لهُ الجناح . وعن مجاهد ، قالَ : هوَ الخشوع في القلب ، والسكون في الصلاة . وعنه ، قالَ : هوَ خفض الجناح وغض البصر ، وكان المسلمون إذا قام أحدهم في الصلاة خاف ربه أن يلتفت عن يمينه وشماله . وعنه ، قالَ : العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن عز وجل أن يشذ نظره ، أو يلتفت ، أو يقلب الحصى ، أو يعبث بشيء ، أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا ، إلا ناسيا ، ما دام في صلاته . وعن الزهري ، قالَ : هوَ سكون العبد في صلاته . وعن سعيد بن جبير ، قالَ : يعني متواضعين ، لا يعرف من عن يمينه ، ولا من عن شماله ، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل . وروي عن حذيفة ، أنه رأى رجلا يعبث في صلاته ، فقالَ : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . وروي عن ابن المسيب . وروي مرسلا . فأصل الخشوع : هوَ خشوع القلب ، وهو انكساره لله ، وخضوعه وسكونه عن التفاته إلى غير من هوَ بين يديه ، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح كلها تبعا لخشوعه ؛ ولهذا كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه : ( خشع لك سمعي ، وبصري ، ومخي ، وعظامي ، وما استقل به قدمي ) . ومن جملة خشوع الجوارح خشوع البصر أن يلتفت عن يمينه أو يساره ، وسيأتي حديث الالتفات في الصلاة ، وأنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، فيما بعد إن شاء الله تعالى . وقال ابن سيرين : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتفت في الصلاة عن يمينه وعن يساره ، فأنزل الله تعالى : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ فخشع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يلتفت يمنة ولا يسرة . وخرجه الطبراني من رواية ابن سيرين ، عن أبي هريرة . والمرسل أصح . والظاهر : أن البخاري إنما ذكر الخشوع في هذا الموضع ؛ لأن كثيرا من الفقهاء والعلماء يذكرون في أوائل الصلاة : أن المصلي لا يجاوز بصره موضع سجوده ، وذلك من جملة الخشوع في الصلاة . وخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة أم المؤمنين ، قالت : كانَ الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع قدمه ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصره موضع جبينه ، فتوفي أبو بكر فكان عمر ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة ، وكان عثمان بن عفان فكانت الفتنة ، فالتفت الناس يمينا وشمالا . وقال ابن سيرين : كانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه . خرجه سعيد بن منصور . وقال النخعي : كانَ يستحب أن يقع الرجل بصره في موضع سجوده . وفسر قتادة الخشوع في الصلاة بذلك ، وقال مسلم بن يسار : هوَ حسن . وفيه حديثان مرفوعان ، من حديث أنس وابن عباس ، ولا يصح إسنادهما . وأكثر العلماء على أنه يستحب للمصلي أن ينظر إلى موضع سجوده ، منهم : سليمان بن يسار وأبو حنيفة والثوري والحسن بن حي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وقال مالك : يستحب أن يكون بصره أمام قبلته ، قالَ : وأكره ما يصنع الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام . وحكي عن شريك بن عبد الله ، قالَ : ينظر في قيامه إلى موضع قيامه ، وإذا ركع إلى قدميه ، وإذا سجد إلى أنفه ، وإذا قعد إلى حجره . واستحب ذَلِكَ بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي . قالَ أصحابنا : ويستحب إذا جلس للتشهد أن لا يجاوز بصره أصبعه ؛ لما روى ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا جلس في التشهد أشار بالسبابة ، ولم يجاوز بصره إشارته . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وحكى أصحاب الثوري في كتبهم ، عن سفيان ، أنه قالَ : إذا قام في الصلاة فليكن بصره حيث يسجد إن استطاع ، قالَ : وينظر في ركوعه إلى حيث يسجد - ومنهم من قالَ : إلى ركبتيه - ويكون نظره في سجوده إلى طرف أنفه . وبكل حال ؛ فهذا مستحب ، ولا تبطل الصلاة بالإخلال به ، ولا باستغراق القلب في الفكر في أمور الدنيا ، وقد حكى ابن حزم وغيره الإجماع على ذَلِكَ ، وقد خالف فيهِ بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية . وحكى ابن المنذر عن الحكم ، قالَ : من تأمل من عن يمينه أو عن شماله حتى يعرفه فليس لهُ صلاة . وهذا يرجع إلى الالتفات ، ويأتي ذكره في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . وحكي عن ابن حامد من أصحابنا : أن عمل القلب في الصلاة إذا طال أبطل الصلاة كعمل البدن . وهذا يرده حديث تذكير الشيطان المرء في صلاته حتى يظل لا يدري كم صلى ، وأمره أن يسجد سجدتين ، ولم يأمره بالإعادة . وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث الفضل بن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( الصلاة مثنى مثنى ، تشهد في كل ركعتين ، وتخشع وتضرع ، وتمسكن ، وتقنع يديك - يَقُول : ترفعهما إلى ربك - مستقبلاً ببطونهما وجهك ، وتقول : يَا رب يَا رب ، وإن لَمْ تفعل ذَلِكَ فهو كذا وكذا ) . وهذا لفظ الترمذي . وللإمام أحمد : ( وتقول : يا رب ثلاثاً ، فمن لَمْ يفعل ذَلِكَ فَهِيَّ خداج ) . وفي إسناده اخْتِلاَف . وخرجه أبو داود وابن ماجه ، وعندهما : عَن المطلب ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد قَالَ أبو حاتم الرَّازِي : هُوَ إسناد حسن . وضعفه البخاري ، وَقَالَ : لا يصح . وَقَالَ العقيلي : فِيهِ نظر . وأما قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إني أراكم من وراء ظهري ) ، فليس المراد مِنْهُ : أَنَّهُ كَانَ يلتفت ببصره فِي صلاته إلى من خلفه حَتَّى يرى صلاتهم ، كما ظنه بعضهم ، وقد رد الإمام أحمد عَلَى من زعم ذَلِكَ ، وأثبت ذَلِكَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وآياته ومعجزاته ، وقد سبق ذكر كلامه فِي ذَلِكَ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخشوع في الصلاة · ص 281 130 - حدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أقيموا الركوع والسجود ، فوالله إني لأراكم من بعدي ، وربما قال : من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم . مطابقته للترجمة من حيث إن إقامة الركوع والسجود لا تكون إلا بالسكون والطمأنينة وهو الخشوع ، فإن الذي يستعجل ، ولا يسكن فيهما تارك الخشوع ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وغندر هو محمد بن جعفر البصري . وأخرجه مسلم في الصلاة أيضا ، عن أبي موسى ، وبندار كلاهما عن غندر . قوله : عن أنس ، وعند الإسماعيلي من رواية أبي موسى عن غندر : سمعت أنس بن مالك ، قوله : أقيموا : أي أكملوا ، وفي رواية معاذ عن شعبة : أتموا بدل أقيموا ، قوله : فوالله فيه جواز الحلف لتأكيد القضية وتحقيقها ، قوله : لأراكم اللام فيه للتأكيد ، قوله : من بعدي : أي من خلفي ، وقال الداودي : يعني من بعد وفاتي ، يعني أن أعمال الأمة تعرض عليه ، ويرده قوله : وربما قال من بعد ظهري . ومما يستفاد من الحديث النهي عن نقصان الركوع والسجود .