118 - بَاب وَضْعِ الْأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ : أَمْكَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ 790 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ : صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ : كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِينَا عَلَى الرُّكَبِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَضْعِ الْأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ ) أَيْ كُلِّ كَفٍّ عَلَى رُكْبَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا مُطَوَّلًا فِي بَابِ سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الرُّكُوعِ . يُقَوِّيهِ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ سَعْدٌ مِنْ نَسْخِ التَّطْبِيقِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَبِالْفَاءِ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ الْأَكْبَرُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَهُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَصَرَّحَ الدَّارِمِيُّ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِأَنَّهُ الْعَبْدِيُّ ، وَالْعَبْدِيُّ هُوَ الْأَكْبَرُ بِلَا نِزَاعٍ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ الْأَصْغَرُ ، وَتُعُقِّبَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اسْمَهُمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ . قَوْلُهُ : ( مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ ) أَيِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . قَوْلُهُ : ( فَطَبَّقْتُ ) أَيْ أَلْصَقْتُ بَيْنَ بَاطِنَيْ كَفِّي فِي حَالِ الرُّكُوعِ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى نَسْخِ التَّطْبِيقِ الْمَذْكُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآمِرِ وَالنَّاهِي فِي ذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ حُكْمَهَا الرَّفْعُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى تَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَذَا مُسْلِمٌ إِذْ أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ . وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ : كَانَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا رَكَعُوا جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ بَيْنَ أَفْخَاذِهِمْ ، فَصَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَضَرَبَ يَدِي الْحَدِيثَ ، فَأَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مُسْتَنَدَ مُصْعَبٍ فِي فِعْلِ ذَلِكَ ، وَأَوْلَادُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخَذُوهُ عَنْ أَبِيهِمْ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : التَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُطَبِّقُونَ . انْتَهَى . وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مُتَّصِلًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ : فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا ، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَحُمِلَ هَذَا عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ قَالَ : إِنَّمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً يَعْنِي التَّطْبِيقَ ، وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فَرَكَعَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا فَقَالَ : صَدَقَ أَخِي ، كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا يَعْنِي الْإِمْسَاكَ بِالرُّكَبِ . فَهَذَا شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِطَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ عُمَرَ مَا يُوَافِقُ قَوْلَ سَعْدٍ ، أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدِ قَالَ : صَلَّيْنَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ فَطَبَّقَ ، ثُمَّ لَقِينَا عُمَرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ فَطَبَّقْنَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : ذَلِكَ شَيْءٌ كُنَّا نَفْعَلُهُ ثُمَّ تُرِكَ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قَالَ لَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : إِنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لَكُمْ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ : كُنَّا إِذَا رَكَعْنَا جَعَلْنَا أَيْدِيَنَا بَيْنَ أَفْخَاذِنَا ، فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ الْأَخْذَ بِالرُّكَبِ ، وَهَذَا أَيْضًا حُكْمُهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ السُّنَّةُ كَذَا أَوْ سُنَّ كَذَا كَانَ الظَّاهِرُ انْصِرَافَ ذَلِكَ إِلَى سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَالَهُ مِثْلُ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( فَنُهِينَا عَنْهُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ التَّطْبِيقَ غَيْرُ جَائِزٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : إِذَا رَكَعْتَ فَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ هَكَذَا - يَعْنِي وَضَعْتَ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ - وَإِنْ شِئْتَ طَبَّقْتَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يَرَى التَّخْيِيرَ ، فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ وَإِمَّا حَمَلَهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ كَوْنُ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ لَمْ يَأْمُرْ مَنْ فَعَلَهُ بِالْإِعَادَةِ . ( فَائِدَةٌ ) : حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الطَّحَاوِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّ طَرِيقَ النَّظَرِ يَقْتَضِي أَنَّ تَفْرِيقَ الْيَدَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَطْبِيقِهِمَا ، لِأَنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِالتَّجَافِي فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَبِالْمُرَاوَحَةِ بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ ، قَالَ : فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَوْلَوِيَّةِ تَفْرِيقِهِمَا فِي هَذَا وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَوَّلِ اقْتَضَى النَّظَرُ أَنْ يُلْحَقَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، قَالَ : فَثَبَتَ انْتِفَاءُ التَّطْبِيقِ وَوُجُوبُ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مُعَارَضٌ بِالْمَوَاضِعِ الَّتِي سُنَّ فِيهَا الضَّمُّ كَوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي حَالِ الْقِيَامِ ، قَالَ : وَإِذَا ثَبَتَ مَشْرُوعِيَّةُ الضَّمِّ فِي بَعْضِ مَقَاصِدِ الصَّلَاةِ بَطَلَ مَا اعْتَمَدَهُ مِنَ الْقِيَاسِ الْمَذْكُورِ . نَعَمْ لَوْ قَالَ إِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَا يَقْتَضِي مَزِيَّةَ التَّفْرِيجِ عَلَى التَّطْبِيقِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ . قُلْتُ : وَقَدْ وَرَدَتِ الْحِكْمَةُ فِي إِثْبَاتِ التَّفْرِيجِ عَلَى التَّطْبِيقِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ، أَوْرَدَ سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ سَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَتْ بِمَا مُحَصَّلُهُ : أَنَّ التَّطْبِيقَ مِنْ صَنِيعِ الْيَهُودِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْهُ لِذَلِكَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْجِبُهُ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ أَمَرَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بِمُخَالَفَتِهِمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا ) أَيْ أَكُفَّنَا مِنْ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ بِلَفْظِ : وَأَمَرَنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالْأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَضْعِ الْأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ · ص 319 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وضع الأكف على الركب في الركوع · ص 45 118 - باب وضع الأكف على الركب في الركوع وقال أبو حميد في أصحابه : أمكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه من ركبتيه . حديث أبي حميد هذا ، قد خرجه بإسناده ، وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وضع الأكف على الركب في الركوع · ص 45 790 - حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن أبي يعفور ، قال : سمعت مصعب بن سعد يقول : صليت إلى جنب أبي ، فطبقت بين كفي ، ثم وضعتهما بين فخذي ، فنهاني أبي ، وقال : كنا نفعله فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . أبو يعفور ، هو : العبدي الكوفي ، اسمه : وقدان . وقيل : واقد ، وهو أبو يعفور الأكبر . وهذا الحديث قد ذكر ابن المديني وغيره أنه غير مرفوع ، ومرادهم : أنه ليس فيه تصريح بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه في حكم المرفوع ، فإن الصحابي إذا قال : أمرنا - أو نهينا - بشيء ، وذكره في معرض الاحتجاج به قوي الظن برفعه ؛ لأنه غالبا إنما يحتج بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه . وقد ورد التصريح برفعه من وجه فيه ضعف ، من رواية عكرمة بن إبراهيم الأزدي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : رأيت أصحاب ابن مسعود يطبقون أيديهم ، ويضعونها بين ركبهم إذا ركعوا ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل الشيء زمانا ، ثم يدعه ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع - أو قال - : أشهد أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع يضع راحتيه على ركبتيه ، ويفرج بين أصابعه . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده . وقال : عكرمة بن إبراهيم ، منكر الحديث . وذكر يحيى بن معين ، أنه قال : ليس فيه شيء . وروى عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، فكبر ورفع يديه ، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه . قال : فبلغ ذلك سعدا ، فقال : صدق أخي ، كنا نفعل هذا ، ثم أمرنا بهذا . يعني : الإمساك على الركبتين . خرجه أبو داود والنسائي والدارقطني . وقال : إسناد صحيح ثابت . وهذه الرواية - أيضا - تدل على رفع الأمر بالإمساك بالركبتين ، لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتطبيق لا يترك بأمر غيره بما يخالفه . وروى أبو عبد الرحمن السلمي قال : قال لنا عمر : إن الركب سنت لكم ، فخذوا بالركب . خرجه الترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . وخرجه النسائي ، ولفظه : قال : قال عمر : إنما السنة الأخذ بالركب . وفي رواية عن أبي عبد الرحمن ، عن عمر ، قال : سنت لكم الركب ، فأمسكوا بالركب . وسماع أبي عبد الرحمن من عمر ، قد أنكره شعبة ويحيى بن معين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة وضع اليدين على الركبتين في الركوع من فعله وأمره ، وليس شيء منها على شرط البخاري . وهذا هو السنة عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وأجمع عليه أئمة الأمصار . وكان ابن مسعود يطبق في ركوعه ، فيجعل أحد كفيه على الآخر ، ويجعلها بين ركبتيه ، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يأمر أصحابه بذلك . وقد خرج حديثه مسلم في صحيحه . وبه أخذ أصحابه ، منهم : علقمة والأسود وأبو عبيدة بن عبد الله . وكان النخعي يذهب إليه ثم رجع إلى ما روي عن عمر - : ذكره الإمام أحمد وغيره . وذكر أكثر العلماء : أن التطبيق كان شرع أولا ، ثم نسخ حكمه ، واستدلوا بحديث سعد وما في معناه . وروى حصين ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن أبي سبرة الجعفي ، قال : قدمت المدينة ، فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله وأركع ، فقال رجل : ما حملك على هذا ؟ قلت : كان عبد الله يفعله ، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . قال : صدق عبد الله ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما صنع الأمر ثم أحدث الله له الأمر الآخر ، فانظر ما أجمع عليه المسلمون فاصنعه . فلما قام كان لا يطبق . وذكره الأثرم - تعليقا - بمعناه ، وعنده فقال لي رجل من المهاجرين - فذكره . وأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة ، ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق . وروى عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن الراكع مخير بين أن يضع يديه على ركبتيه أو يطبق . وذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق ، وإبطال الصلاة به ؛ للنهي عنه كما دل عليه حديث سعد ، منهم : أبو خيثمة زهير بن حرب وأبو إسحاق الجوزجاني . وقال أبو بكر بن أبي شيبة - فيمن طبق ولم يضع يديه على ركبتيه - : أحب إلي أن يعيد . ونقل إسحاق بن منصور ، عن أحمد ، أنه سئل عن قول سفيان : من صلى بالتطبيق يجزئه ؟ فقال أحمد : أرجو أن يجزئه . فقال إسحاق بن راهويه كما قال ، إذا كان به علة . وحمل أبو حفص البرمكي - من أصحابنا - قول أحمد على ما إذا كان به علة ، فإن لم يكن به علة فلا تجزئه صلاته ، إلا أن لا يعلم بالنهي عنه . وتوقف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى . فعلى قول هؤلاء : يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة . وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك ، فإنه روي عن جماعة ، أنهم قالوا : إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع . وممن روي ذلك عنه : سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن سيرين ومجاهد وعطاء ، وقال : هو أدنى ما يجزئ في الركوع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وضع الأكف على الركب في الركوع · ص 62 ( باب وضع الأكف على الركب في الركوع ) أي هذا باب في بيان وضع الأكف ، وهو جمع كف على الركب جمع ركبة في حالة الركوع ، يعني يضع المصلي في حالة الركوع كفيه على ركبتيه ، وأشار به إلى أن هذا هو السنة في هذه الحالة ، وأن التطبيق منسوخ كما سنذكره إن شاء الله تعالى . ( وقال أبو حميد في أصحابه : أمكن النبي صلى الله عليه وسلم يديه من ركبتيه ) أبو حميد بضم الحاء اختلف في اسمه فقيل عبد الرحمن ، وقيل المنذر بن سعد بن المنذر ، وقيل المنذر بن سعد بن مالك ، وقيل المنذر بن سعد بن عمرو الخزرجي الساعدي الصحابي ، وقد مر في باب فضل استقبال القبلة . قوله " في أصحابه " أي في حضور أصحابه ، وهذا التعليق خرجه البخاري مسندا في باب سنة الجلوس في التشهد مطولا ، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى . 178 - حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة ، عن أبي يعفور قال : سمعت مصعب بن سعد يقول : صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي فنهاني أبي ، وقال : كنا نفعله فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب مطابقته للترجمة في قوله : " وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب " . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري ، الثاني : شعبة بن الحجاج ، الثالث : أبو يعفور بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وضم الفاء بعدها واو ساكنة ثم راء ، واسمه وقدان بفتح الواو وسكون القاف وبالدال المهملة ثم بالألف والنون ، العبدي الكوفي والد يونس بن أبي يعفور ويقال : اسمه واقد ، والأول أشهر ، وهو أبو يعفور الأكبر وهو الصحيح ، جزم به المزي وغيره ، وزعم النووي أنه يعفور الصغير عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس وليس بشيء لأن الصغير ليس مذكورا في الآخرين عن مصعب ولا في أشياخ شعبة ، الرابع : مصعب بن سعد بن أبي وقاص أبو زرارة المدني مات سنة ثلاث ومائة ، الخامس : أبو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه القول في أربعة مواضع أحدها بصيغة المضارع ، وفيه أن رواته ما بين بصري وكوفي ومدني ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، فالتابعي الأول هو أبو يعفور والثاني مصعب ، وفيه رواية الابن عن الأب . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة ، عن قتيبة وأبي كامل ، كلاهما عن أبي عوانة ، وعن خلف بن هشام ، عن أبي الأحوص ، وعن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، ثلاثتهم عن أبي يعفور به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، وعن الحكم بن موسى ، عن عيسى بن يونس ، كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد ، وأخرجه أبو داود فيه ، عن حفص بن عمر ، عن شعبة به ، وأخرجه الترمذي ، عن قتيبة به ، وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة به ، وعن عمرو بن علي ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد به ، وابن ماجه ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن محمد بن بشر ، عن إسماعيل به . ذكر معناه . قوله : " فطبقت بين كفي " قال الكرماني : أي جعلتهما على حد واحد وألزقتهما ، قلت : طبقت من التطبيق ، وهو أن يجمع بين أصابع يديه ويجعلهما بين ركبتيه في الركوع والتشهد . قوله : " كنا نفعله " فنهينا عنه وأمرنا أي كنا نفعل التطبيق فنهينا عنه بضم النون على صيغة المجهول ، وكذلك أمرنا على صيغة المجهول ، وقد علم أن قول الصحابي كنا نفعل وأمرنا ونهينا محمول على أنه أمر لله ولرسوله ونهي عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الصحابي إنما يقصد الاحتجاج به لإثبات شرع وتحليل وتحريم وحكم يوجب كونه مشروعا ، وقد اختلفوا في هذه الصيغ ، والراجح أن حكمها الرفع لما ذكرنا . قوله : " أيدينا " أي أكفنا من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء ، وفي رواية مسلم من طريق أبي عوانة ، عن أبي يعفور بلفظ " وأمرنا أن نضرب بالأكف على الركب " . ذكر ما يستفاد منه : استدل بهذا الحديث الثوري والأوزاعي وابن سيرين والحسن البصري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم على أن المصلي إذا ركع يضع يديه على ركبتيه شبه القابض عليهما ويفرق بين أصابعه ، واحتجوا أيضا بما رواه الطحاوي من حديث أبي مسعود البدري " ألا أريكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكر حديثا طويلا قال : " ثم ركع فوضع كفيه على ركبتيه وفضلة أصابعه على ساقيه " وبما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع وضع يديه على ركبتيه " رواه الطحاوي أيضا ، وبما رواه أبو داود من حديث أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " اشتكى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال : استعينوا بالركب " وأخرجه الترمذي أيضا ولفظه " اشتكى بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال : استعينوا بالركب " ورواه الطحاوي أيضا ولفظه : " اشتكى الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم التفرج في الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم : استعينوا بالركب " فإن قلت : لم يستدل أبو داود ولا الترمذي بهذا الحديث على وضع الأيدي بالركب في الركوع ، أما أبو داود فإنه ذكره في باب رخصة افتراش اليدين في السجود ، وأما الترمذي فإنه ذكره في الاعتماد في السجود ، قلت : قوله صلى الله عليه وسلم : " استعينوا بالركب " أعم من أن يكون في الركوع أو في السجود ، والمعنى استعينوا بأخذ الأيدي على الركب ؛ ولهذا أخرجه الطحاوي لأجل الاستدلال للجماعة المذكورين ، واحتج أيضا بما رواه من حديث أبي حصين عثمان بن عاصم الأسدي ، عن أبي عبد الرحمن ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : " أمسوا فقد سنت لكم الركب " وأخرجه الترمذي ولفظه : " قال لنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : إن الركب سنة لكم فخذوا بالركب " وفي رواية له : " سنت لكم الركب فأمسكوا بالركب " قوله : " أمسوا " أمر من الإمساس ، والمعنى أمسوا أيديكم ركبكم فقد سنت لكم الركب ، يعني سن إمساسها والأخذ بها ، وصورة الأخذ قد ذكرناها عن قريب ، وفي المغني لابن قدامة قال أحمد : ينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه ويفرق بين أصابعه ويعتمد على ضبعيه وساعديه ويسوي ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ، ثم قال الطحاوي : هذه الآثار معارضة لما رواه إبراهيم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فقال : أصلى هؤلاء خلفكم ؟ فقالا : نعم ، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه ، والآخر عن شماله ، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على الركب فضرب أيدينا فطبق ثم طبق بيديه فجعلهما بين فخذيه ، فلما صلى قال : هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم " وبه أخذ إبراهيم وعلقمة والأسود وأبو عبيدة ، ثم قال الطحاوي : ومع الآثار المذكورة من التواتر ما ليس مع حديث علقمة والأسود فاعتبرنا في ذلك فإذا أبو بكر قد حدثنا ، وساق حديث الباب فقد ثبت به نسخ التطبيق ، وإنه كان متقدما لما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من وضع اليدين على الركبتين ، وقد روى ابن المنذر ، عن ابن عمر بإسناد قوي قال : إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، يعني التطبيق ، وقال بعضهم : حمل حديث ابن مسعود على أنه لم يبلغه النسخ ، قلت : ابن مسعود أسلم قديما وهو صاحب نعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يلبسه إياها إذا قام وإذا جلس أدخلها في ذراعه ، وكان كثير الولوج على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولم يفارقه إلى أن مات رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وكيف خفي عليه أمر وضع اليدين على الركبتين ، وكيف لم يبلغه النسخ ، وقد روى عبد الرزاق ، عن علقمة والأسود قالا : " صلينا مع عبد الله فطبق ثم لقينا عمر رضي الله تعالى عنه فصلينا معه فطبقنا ، فلما انصرف قال : ذلك شيء كنا نفعله ثم ترك " ولم يأمرهما عمر رضي الله عنه بالإعادة ، فدل على أحد الشيئين ، أحدهما أن النهي الوارد فيه كراهة التنزيه لا التحريم ، والآخر يدل على التخيير ، والدليل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق عاصم بن ضمرة ، عن علي رضي الله تعالى عنه قال : إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا ، يعني وضعت يديك على ركبتيك ، وإن شئت طبقت ، وإسناده حسن ، فهذا ظاهر في أنه رضي الله تعالى عنه كان يرى التخيير ، وقول بعضهم : إما لم يبلغه النهي وإما حمله على كراهة التنزيه ليس بظاهر ؛ لأن التخيير ينافي الكراهة ، وقد وردت الحكمة في إيثار التفريج على التطبيق ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أورده سيف في الفتوح من رواية مسروق أنه سألها عن ذلك ، فأجابت بما محصله أن التطبيق من صنيع اليهود وأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه لذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل عليه ، ثم أمر في آخر الأمر بمخالفتهم ، والله تعالى أعلم .