باب وضع الأكف على الركب في الركوع
حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن أبي يعفور ، قال : سمعت مصعب بن سعد يقول : صليت إلى جنب أبي ، فطبقت بين كفي ، ثم وضعتهما بين فخذي ، فنهاني أبي ، وقال : كنا نفعله فنهينا عنه ، وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب . أبو يعفور ، هو : العبدي الكوفي ، اسمه : وقدان . وقيل : واقد ، وهو أبو يعفور الأكبر .
وهذا الحديث قد ذكر ابن المديني وغيره أنه غير مرفوع ، ومرادهم : أنه ليس فيه تصريح بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه في حكم المرفوع ، فإن الصحابي إذا قال : أمرنا - أو نهينا - بشيء ، وذكره في معرض الاحتجاج به قوي الظن برفعه ؛ لأنه غالبا إنما يحتج بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونهيه . وقد ورد التصريح برفعه من وجه فيه ضعف ، من رواية عكرمة بن إبراهيم الأزدي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن مصعب بن سعد ، قال : قلت لأبي : رأيت أصحاب ابن مسعود يطبقون أيديهم ، ويضعونها بين ركبهم إذا ركعوا ، فقال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل الشيء زمانا ، ثم يدعه ، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركع - أو قال - : أشهد أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ركع يضع راحتيه على ركبتيه ، ويفرج بين أصابعه . خرجه يعقوب بن شيبة في مسنده .
وقال : عكرمة بن إبراهيم ، منكر الحديث . وذكر يحيى بن معين ، أنه قال : ليس فيه شيء . وروى عاصم بن كليب ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن علقمة ، قال : قال عبد الله : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة ، فكبر ورفع يديه ، فلما ركع طبق يديه بين ركبتيه .
قال : فبلغ ذلك سعدا ، فقال : صدق أخي ، كنا نفعل هذا ، ثم أمرنا بهذا . يعني : الإمساك على الركبتين . خرجه أبو داود والنسائي والدارقطني .
وقال : إسناد صحيح ثابت . وهذه الرواية - أيضا - تدل على رفع الأمر بالإمساك بالركبتين ، لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتطبيق لا يترك بأمر غيره بما يخالفه . وروى أبو عبد الرحمن السلمي قال : قال لنا عمر : إن الركب سنت لكم ، فخذوا بالركب .
خرجه الترمذي . وقال : حديث حسن صحيح . وخرجه النسائي ، ولفظه : قال : قال عمر : إنما السنة الأخذ بالركب .
وفي رواية عن أبي عبد الرحمن ، عن عمر ، قال : سنت لكم الركب ، فأمسكوا بالركب . وسماع أبي عبد الرحمن من عمر ، قد أنكره شعبة ويحيى بن معين . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة وضع اليدين على الركبتين في الركوع من فعله وأمره ، وليس شيء منها على شرط البخاري .
وهذا هو السنة عند جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، وأجمع عليه أئمة الأمصار . وكان ابن مسعود يطبق في ركوعه ، فيجعل أحد كفيه على الآخر ، ويجعلها بين ركبتيه ، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يأمر أصحابه بذلك . وقد خرج حديثه مسلم في صحيحه .
وبه أخذ أصحابه ، منهم : علقمة والأسود وأبو عبيدة بن عبد الله . وكان النخعي يذهب إليه ثم رجع إلى ما روي عن عمر - : ذكره الإمام أحمد وغيره . وذكر أكثر العلماء : أن التطبيق كان شرع أولا ، ثم نسخ حكمه ، واستدلوا بحديث سعد وما في معناه .
وروى حصين ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن أبي سبرة الجعفي ، قال : قدمت المدينة ، فجعلت أطبق كما يطبق أصحاب عبد الله وأركع ، فقال رجل : ما حملك على هذا ؟ قلت : كان عبد الله يفعله ، وذكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . قال : صدق عبد الله ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما صنع الأمر ثم أحدث الله له الأمر الآخر ، فانظر ما أجمع عليه المسلمون فاصنعه . فلما قام كان لا يطبق .
وذكره الأثرم - تعليقا - بمعناه ، وعنده فقال لي رجل من المهاجرين - فذكره . وأكثر العلماء على أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع من سنن الصلاة ، ولا تبطل الصلاة بتركه ولا بالتطبيق . وروى عاصم بن ضمرة ، عن علي ، أن الراكع مخير بين أن يضع يديه على ركبتيه أو يطبق .
وذهب طائفة من أهل الحديث إلى المنع من التطبيق ، وإبطال الصلاة به ؛ للنهي عنه كما دل عليه حديث سعد ، منهم : أبو خيثمة زهير بن حرب وأبو إسحاق الجوزجاني . وقال أبو بكر بن أبي شيبة - فيمن طبق ولم يضع يديه على ركبتيه - : أحب إلي أن يعيد . ونقل إسحاق بن منصور ، عن أحمد ، أنه سئل عن قول سفيان : من صلى بالتطبيق يجزئه ؟ فقال أحمد : أرجو أن يجزئه .
فقال إسحاق بن راهويه كما قال ، إذا كان به علة . وحمل أبو حفص البرمكي - من أصحابنا - قول أحمد على ما إذا كان به علة ، فإن لم يكن به علة فلا تجزئه صلاته ، إلا أن لا يعلم بالنهي عنه . وتوقف أحمد في إعادة الصلاة مع التطبيق في رواية أخرى .
فعلى قول هؤلاء : يكون وضع اليدين على الركبتين في الركوع من واجبات الصلاة . وقد روي عن طائفة من السلف ما يدل على ذلك ، فإنه روي عن جماعة ، أنهم قالوا : إذا وضع يديه على ركبتيه أجزأه في الركوع . وممن روي ذلك عنه : سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن سيرين ومجاهد وعطاء ، وقال : هو أدنى ما يجزئ في الركوع .