828 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ . وَحَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، وَيَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ : أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ : أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ ؛ فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا ، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى ، وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ . وَسَمِعَ اللَّيْثُ ، يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ ، وَيَزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَلْحَلَةَ ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ مِنْ ابْنِ عَطَاءٍ . قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ : كُلُّ فَقَارٍ . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثَهُ كُلُّ فَقَارٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ خَالِدٍ ) هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْجُمَحِيُّ الْمِصْرِيُّ ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ شَيْخِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ الْمَذْكُورُ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ اللَّيْثِ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى اثْنَيْنِ ، وَبَيْنَهُمَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَاسِطَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ مِصْرِيٌّ مَعْرُوفٌ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَيَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفِيقُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ مَدَنِيٌّ سَكَنَ مِصْرَ ، وَكُلُّ مَنْ فَوْقَهُمْ مَدَنِيٌّ أَيْضًا ، فَالْإِسْنَادُ دَائِرٌ بَيْنَ مَدَنِيٍّ وَمِصْرِيٍّ . وَأَرْدَفَ الرِّوَايَةَ النَّازِلَةَ بِالرِّوَايَةِ الْعَالِيَةِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَرُبَّمَا وَقَعَ لَهَا ضِدُّ ذَلِكَ لِمَعْنًى مُنَاسِبٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ مَعَ نَفَرٍ ، وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، فَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ عَنْهُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ : رَأَيْتُ أَبَا حُمَيْدٍ مَعَ عَشَرَةٍ ، وَلَفْظُ مَعَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي لَفْظِ فِي لِأَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ أَبُو حُمَيْدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ أَوْ زَائِدًا عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ إِنَّ رِوَايَةَ اللَّيْثِ ظَاهِرَةٌ فِي اتِّصَالِهِ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأَبِي حُمَيْدٍ ، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ . وَزَعَمَ ابْنُ الْقَطَّانِ تَبَعًا لِلطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ؛ فَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحَابَةِ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، ثَانِيهُمَا أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ تَسْمِيَةَ أَبِي قَتَادَةَ فِي الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ ، وَأَبُو قَتَادَةَ قَدِيمُ الْمَوْتِ يَصْغُرُ سِنَّ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ إِدْرَاكِهِ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ : أَمَّا الْأَوَّلُ فَلَا يَضُرُّ الثِّقَةُ الْمُصَرَّحُ بِسَمَاعِهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَيْخِهِ وَاسِطَةٌ ، إِمَّا لِزِيَادَةٍ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِمَّا لِيَثْبُتَ فِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْمَذْكُورُ بِسَمَاعِهِ فَتَكُونُ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْهُ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ، وَأَمَّا الثَّانِي فَالْمُعْتَمَدُ فِيهِ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ التَّارِيخِ إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ ، وَكَانَ قَتْلُ عَلِيٍّ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ مَاتَ بَعْدَ سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَلَهُ نَيِّفٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ؛ فَعَلَى هَذَا لَمْ يُدْرِكْ أَبَا قَتَادَةَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ مَوْتِهِ ، فَقِيلَ : مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ ، وَعَلَى هَذَا فَلِقَاءُ مُحَمَّدٍ لَهُ مُمْكِنٌ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَعَلَّ مَنْ ذَكَرَ مِقْدَارَ عُمْرِهِ أَوْ وَقْتَ وَفَاتِهِ وَهِمَ ، أَوِ الَّذِي سَمَّى أَبَا قَتَادَةَ فِي الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ وَهِمَ فِي تَسْمِيَتِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ غَلَطًا لِأَنَّ غَيْرَهُ مِمَّنْ رَوَاهُ مَعَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَوْ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ قَدْ وَافَقَهُ . ( فَائِدَةٌ ) : سُمِّيَ مِنَ النَّفَرِ الْمَذْكُورِينَ فِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ مَعَ أَبِي حُمَيْدٍ ، أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُونَ سِوَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ؛ فَذُكِرَ بَدَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ . أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ ، وَسُمِّيَ مِنْهُمْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، أَبُو قَتَادَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَةً كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْبَاقِينَ . وَقَدِ اشْتَمَلَ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا عَلَى جُمْلَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ ، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي رِوَايَةِ غَيْرِ اللَّيْثِ مِنَ الزِّيَادَةِ نَاسِبًا كُلَّ زِيَادَةٍ إِلَى مُخَرِّجِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ أَشَرْتُ قَبْلُ إِلَى مَخَارِجِ الْحَدِيثِ ، لَكِنَّ سِيَاقَ اللَّيْثِ فِيهِ حِكَايَةُ أَبِي حُمَيْدٍ لِصِفَةِ الصَّلَاةِ بِالْقَوْلِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ كُلِّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ ، وَنَحْوُهُ رِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَوَافَقَهُمَا فُلَيْحٌ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ، وَخَالَفَ الْجَمِيعَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبَّاسٍ ؛ فَحَكَى أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ وَصَفَهَا بِالْفِعْلِ وَلَفْظُهُ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ ، وَابْنِ حِبَّانَ : قَالُوا : فَأَرِنَا ، فَقَامَ يُصَلِّي وَهُمْ يَنْظُرُونَ ، فَبَدَأَ فَكَبَّرَ . الْحَدِيثَ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ وَصَفَهَا مَرَّةً بِالْقَوْلِ وَمَرَّةً بِالْفِعْلِ ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا جَمَعْنَا بِهِ أَوَّلًا ، فَإِنَّ عِيسَى الْمَذْكُورَ هُوَ الَّذِي زَادَ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ ، وَأَبِي حُمَيْدٍ ، فَكَأَنَّ مُحَمَّدًا شَهِدَ هُوَ وَعَبَّاسٌ حِكَايَةَ أَبِي حُمَيْدٍ بِالْقَوْلِ ؛ فَحَمَلَهَا عَنْهُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَكَأَنَّ عَبَّاسًا شَهِدَهَا وَحْدَهُ بِالْفِعْلِ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ فَحَدَّثَ بِهَا كَذَلِكَ ، وَقَدْ وَافَقَ عِيسَى أَيْضًا عَنْهُ عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ لَكِنَّهُ أَبْهَمَ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ . أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ خُزَيْمَةَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ حَدَّثَهُ . . فَسَاقَ الْحَدِيثَ بِصِفَةِ الْفِعْلِ أَيْضًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ ) ، زَادَ عَبْدُ الْحَمِيدِ : قَالُوا : فَلِمَ ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ اتِّبَاعًا - وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ إِتْيَانًا - وَلَا أَقْدَمَنَا لَهُ صُحْبَةً ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : قَالُوا : فَكَيْفَ ؟ قَالَ : اتَّبَعْتُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى حَفِظْتُهُ . زَادَ عَبْدُ الْحَمِيدِ : قَالُوا : فَأَعْرَضَ . وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَزَادَ فُلَيْحٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِيهِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ . قَوْلُهُ : ( جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ) ، زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ قَرَأَ بَعْضَ الْقُرْآنِ . وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ ) بِالْهَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ ، أَيْ ثَنَاهُ فِي اسْتِوَاءٍ مِنْ غَيْرِ تَقْوِيسٍ ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى : غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلَا مُصَوِّبَهُ . وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأنَهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا ، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ : وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى ) زَادَ عِيسَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : فَقَالَ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ . وَنَحْوُهُ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَزَادَ : حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ ) الْفَقَارُ : بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْقَافِ جَمْعُ فَقَارَةٍ وَهِيَ عِظَامُ الظَّهْرِ ، وَهِيَ الْعِظَامُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا خَرَزُ الظَّهْرِ قَالَهُ الْقَزَّازُ . وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ : هِيَ مِنَ الْكَاهِلِ إِلَى الْعَجْبِ ، وَحَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ نَوَادِرِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّ عِدَّتَهَا سَبْعَةَ عَشَرَ . وَفِي أَمَالِي الزَّجَّاجِ : أُصُولُهَا سَبْعٌ غَيْرُ التَّوَابِعِ . وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : هِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ، سَبْعٌ فِي الْعُنُقِ وَخَمْسٌ فِي الصُّلْبِ وَبَقِيَّتُهَا فِي أَطْرَافِ الْأَضْلَاعِ ، وَحَكَى فِي الْمَطَالِعِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَلِابْنِ السَّكَنِ بِكَسْرِهَا ، وَالصَّوَابُ بِفَتْحِهَا ، وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي آخِرَ الْحَدِيثِ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ كَمَالُ الِاعْتِدَالِ . وَفِي رِوَايَةِ هُشَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ : ثُمَّ يَمْكُثُ قَائِمًا حَتَّى يَقَعَ كُلُّ عَظْمٍ مَوْقِعَهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ) أَيْ لَهُمَا ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ : غَيْرَ مُفْتَرِشٍ ذِرَاعَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا قَابِضَهُمَا ) أَيْ بِأَنْ يَضُمَّهُمَا إِلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى : فَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا . وَفِي رِوَايَةِ عُتْبَةَ الْمَذْكُورَةِ : وَلَا حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ : جَافَى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ : وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَاعْلَوْلَى عَلَى جَنْبَيْهِ وَرَاحَتَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ ، حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ مَا تَحْتَ مَنْكِبَيْهِ ، ثُمَّ ثَبَتَ حَتَّى اطْمَأَنَّ كُلُّ عَظْمٍ مِنْهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَاعْتَدَلَ . وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ : ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ . وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بِلَفْظِ : ثُمَّ كَبَّرَ فَجَلَسَ فَتَوَرَّكَ ، وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْأُخْرَى ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ . وَهَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ فِي صِفَةِ الْجُلُوسِ ، وَيُقَوِّي رِوَايَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَرِوَايَةَ فُلَيْحٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا جَلَسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ . أَوْرَدَهُ مُخْتَصَرًا هَكَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ خِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَلَفْظُهُ : فَاعْتَدَلَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ . فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَإِلَّا فَرِوَايَةُ عَبْدِ الْحَمِيدِ أَرْجَحُ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ ) أَيِ الْأُولَيَيْنِ لِيَتَشَهَّدَ ، وَفِي رِوَايَةِ فُلَيْحٍ : ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى ، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ ، وَوَضَعَ كَفَّهُ اليمنى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى ، وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ . وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ ، حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ إِلَى الْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرَةٍ . وَهَذَا يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ رِوَايَةَ عَبْدِ الْحَمِيدِ ؛ حَيْثُ قَالَ : إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ . وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ التَّشْبِيهَ وَاقِعٌ عَلَى صِفَةِ التَّكْبِيرِ لَا عَلَى مَحَلِّهِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِذَا قَامَ أَيْ : أَرَادَ الْقِيَامَ أَوْ شَرَعَ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ إِلَخْ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ : حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا التَّسْلِيمُ . وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ : الَّتِي تَكُونُ خَاتِمَةَ الصَّلَاةِ ، أَخْرَجَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ . زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : ثُمَّ سَلَّمَ . وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ : فَلَمَّا سَلَّمَ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ ، وَعَنْ شِمَالِهِ كَذَلِكَ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَاصِمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ : قَالُوا - أَيِ الصَّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ - صَدَقْتَ ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ قَوِيَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فِي أَنَّ هَيْئَةَ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُغَايِرَةٌ لِهَيْئَةِ الْجُلُوسِ فِي الْأَخِيرِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ ؛ فَقَالُوا : يُسَوِّي بَيْنَهُمَا ، لَكِنْ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ : يَتَوَرَّكُ فِيهِمَا كَمَا جَاءَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ ، وَعَكَسَهُ الْآخَرُونَ . وَقَدْ قِيلَ فِي حِكْمَةِ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَهُمَا أنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَدَمِ اشْتِبَاهِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعْقُبُهُ حَرَكَةٌ بِخِلَافِ الثَّانِي ، وَلِأَنَّ الْمَسْبُوقَ إِذَا رَآهُ عَلِمَ قَدْرَ مَا سُبِقَ بِهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ تَشَهُّدَ الصُّبْحِ كَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مِنْ غَيْرِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ أَحْمَدَ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ اخْتِصَاصُ التَّوَرُّكِ بِالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا تَشَهُّدَانِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا جَوَازُ وَصْفِ الرَّجُلِ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ أَعْلَمَ مِنْ غَيْرِهِ إِذَا أَمِنَ الْإِعْجَابَ وَأَرَادَ تَأْكِيدَ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهُ ؛ لِمَا فِي التَّعْلِيمِ وَالْأَخْذِ عَنِ الْأَعْلَمِ مِنَ الْفَضْلِ . وَفِيهِ أَنَّ كَانَ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا يَأْتِي لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ : كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ . وَأَرَادَ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى ذَلِكَ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ التِّينِ . وَفِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْفَى عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الصَّحَابَةِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَرُبَّمَا تَذَكَّرَهُ بَعْضُهُمْ إِذَا ذُكِرَ . وَفِي الطُّرُقِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَى زِيَادَتِهَا جُمْلَةٌ مِنْ صِفَةِ الصَّلَاةِ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ ذَلِكَ وَتَفَهَّمَهُ . قَوْلُهُ : ( وَسَمِعَ اللَّيْثُ إِلَخْ ) إِعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْعَنْعَنَةَ الْوَاقِعَةَ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَنْزِلَةِ السَّمَاعِ ، وَهُوَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ ، وَوَهِمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ كَلَامُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِتَحْدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةَ ، لِيَزِيدَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ ، عَنِ اللَّيْثِ ) يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الثَّانِي عَنِ الْيَزِيدَيْنِ ، كَذَلِكَ وَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ مُطَّلِبِ بْنِ شُعَيْبٍ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ أَصْبَغَ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ ، وَوَهِمَ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ هُنَا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْحَرَّانِيُّ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ قَفَارٍ ) ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِتَقْدِيمِ الْقَافِ عَلَى الْفَاءِ ، وَكَذَا لِلْأَصِيلِيِّ ، وَعِنْدَ الْبَاقِينَ بِتَقْدِيمِ الْفَاءِ كَرِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، لَكِنْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ أَنَّهُمْ كَسَرُوا الْفَاءَ ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ تَقْدِيمَ الْقَافِ تَصْحِيفٌ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي وَجْهُهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الْجَوْزَقِيُّ فِي جَمْعِهِ ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِهِ ، وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَوَقَعَ عِنْدَهُمْ بِلَفْظِ : حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ . وَهِيَ نَحْوُ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ : كُلُّ فَقَارِهِ . وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ ؛ فَقِيلَ : بِهَاءِ الضَّمِيرِ ، وَقِيلَ : بِهَاءِ التَّأْنِيثِ أَيْ حَتَّى تَعُودَ كُلُّ عَظْمَةٍ مِنْ عِظَامِ الظَّهْرِ مَكَانَهَا ، وَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ حَتَّى يَعُودَ جَمِيعُ عِظَامِ ظَهْرِهِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ فَفِيهَا إِشْكَالٌ ، وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأَنَّهُ أَعَادَهُ عَلَى لَفْظِ الْفَقَارِ ، وَالْمَعْنَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ عِظَامٍ مَكَانَهَا ، أَوِ اسْتَعْمَلَ الْفَقَارَ لِلْوَاحِدِ تَجَوُّزًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُنَّةِ الْجُلُوسِ فِي التَّشَهُّدِ · ص 357 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب سنة الجلوس في التشهد · ص 154 الحديث الثاني : 828 - ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء - ح . وثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرنا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على مقعدته . وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ، ويزيد من محمد بن حلحلة ، وابن حلحلة من ابن عطاء . وقال أبو صالح ، عن الليث : كل فقار . وقال ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب ، حدثني يزيد بن أبي حبيب ، أن محمد بن عمرو بن حلحلة حدثه : كل فقار . مقصود البخاري بما ذكره : اتصال إسناد هذا الحديث ، وأن الليث سمع من يزيد بن أبي حبيب ، وأن يزيد سمع من محمد بن عمرو بن حلحلة ، وأن ابن حلحلة سمع من محمد بن عمرو بن عطاء . وفي رواية يحيى بن أيوب التي علقها : التصريح بسماع يزيد من محمد بن عمرو بن حلحلة . وأما سماع محمد بن عطاء من أبي حميد والنفر من الصحابة الذين معه ، ففي هذه الرواية أنه كان جالسا معهم ، وهذا تصريح بالسماع من أبي حميد . وقد صرح البخاري في تاريخه بسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي حميد كذلك . وقد روى هذا الحديث عبد الحميد بن جعفر : حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : أبو قتادة بن ربعي - فذكر الحديث ، وفي آخره : قالوا : صدقت ، هكذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي : حسن صحيح . وسماع محمد بن عمرو بن عطاء من أبي قتادة قد أثبته البخاري والبيهقي ، ورد على الطحاوي في إنكاره له وبين ذلك بيانا شافيا . وأنكر آخرون سماع محمد بن عمرو بن عطاء لهذا الحديث من أبي حميد - أيضا - وقالوا : بينهما رجل ، وممن قال ذلك : أبو حاتم الرازي والطحاوي وغيرهما . ولعل مسلما لم يخرج في صحيحه الحديث لذلك . واستدلوا لذلك بأن عطاف بن خالد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثنا رجل ، أنه وجد عشرة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - جلوسا ، فذكر الحديث . وروى الحسن بن الحر الحديث بطوله ، عن عبد الله بن عيسى بن مالك ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن عباس - أو عياش - بن سهل الساعدي ، أنه كان في مجلس فيهم أبوه ، وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حميد الساعدي - فذكر الحديث . خرجه أبو داود مختصرا . وخرجه - أيضا - مختصرا من رواية بقية بن الوليد : حدثني عتبة بن أبي حكيم ، حدثني عبد الله بن عيسى ، عن العباس بن سهل ، عن أبي حميد الساعدي ، فذكره . وكذلك رواه إسماعيل بن عياش عن عتبة أيضا . خرجه من طريقه بقي بن مخلد في مسنده . وقال إسماعيل : عن عتبة عن عيسى بن عبد الله ، وهو أصح . ورواه ابن المبارك ، عن عتبة ، عن عباس بغير واسطة . وخرجه أبو داود - أيضا - من رواية فليح بن سليمان : حدثني عباس بن سهل ، قال : اجتمع أبو حميد وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حميد : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الحديث . وخرج بعضه ابن ماجه والترمذي وصححه . قال أبو داود : ورواه ابن المبارك : أخبرنا فليح ، قال : سمعت عباس بن سهل يحدث ، فلم أحفظه ، فحدثنيه أراه عيسى بن عبد الله ، أنه سمعه من عباس بن سهل قال : حضرت أبا حميد الساعدي ، فذكره . وخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق : حدثني عباس بن سهل بن سعد ، قال : جلست بسوق المدينة الضحى مع أبي أسيد وأبي حميد وأبي قتادة ، فذكر الحديث . قال أبو حاتم الرازي : هذا الحديث إنما يعرف من رواية عباس بن سهل ، وهو صحيح من حديثه ؛ كذا رواه فليح وغيره . فيتوجه أن يكون محمد بن عمرو إنما أخذه عن عباس فتصير رواية عبد الحميد بن جعفر مرسلة ، وكذا رواية ابن حلحلة التي خرجها البخاري هاهنا . ويجاب عن ذلك : بأن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي قد روى هذا الحديث عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه سمع أبا حميد يحدثه ، فكيف يعارض ذلك برواية عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وعطاف لا يقاوم ابن حلحلة ولا يقاربه . وقد تابع ابن حلحلة على ذكر سماع ابن عمرو له من أبي حميد : عبد الحميد بن جعفر ، وهو ثقة جليل مقدم على عطاف وأمثاله . وأما رواية عيسى بن عبد الله عن محمد بن عمرو ، فعيسى ليس بذلك المشهور فلا يقضى بروايته على رواية الثقات الأثبات ؛ فإن رواية عيسى كثيرة الاضطراب ، والأكثرون رووه عن عيسى ، عن عباس بغير واسطة منهم : عتبة بن أبي حكيم وفليح بن سليمان . واختلف فيه عن الحسن بن الحر : فروي عنه ، عن عيسى بن عبد الله ، عن محمد بن عمرو بن عطاء : أخبرني مالك عن عباس - أو عياش - بن سهل أنه كان في مجلس فيه أبوه . ففي هذه الرواية بين محمد بن عمرو وبين أبي حميد رجلان . وقد خرجه البيهقي كذلك ، ثم قال : روي - أيضا - عن الحسن بن الحر ، عن عيسى ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، حدثني مالك ، عن عباس . وقوله : عباس أو عياش يدل على عدم ضبطه لهذا الاسم ، وإنما هو عباس بغير شك . وفي حديث الحسن بن الحر وهم في هذا الحديث ، وهو أنه ذكر أنه تورك في جلوسه بين السجدتين دون التشهد ، وهذا مما لا شك أنه خطأ ، فتبين أنه لم يحفظ متن هذا الحديث ولا إسناده . والصحيح في اسم هذا الرجل أنه عيسى بن عبد الله بن مالك الدار ، وجده مولى عمر بن الخطاب . ومن قال فيه : عبد الله بن عيسى - كما وقع في روايتين لأبي داود - فقد وهم . وزعم الطبراني أنه : عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو وهم - أيضا - وإنما هو : عيسى بن عبد الله بن مالك الدار - قاله البخاري في تاريخه وأبو حاتم الرازي وغيرهما من الحفاظ المتقدمين والمتأخرين . وقال ابن المديني فيه : هو مجهول ، وحينئذ فلا يعتمد على روايته مع كثرة اضطرابها ، وتعلل بها روايات الحفاظ الأثبات . فظهر بهذا : أن أصح روايات هذا الحديث : رواية ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو التي اعتمد عليها البخاري ، ورواية عبد الحميد المتابعة لها ، ورواية فليح وغيره ، عن عباس بن سهل ، مع أن فليحا ذكر أنه سمعه من عباس ولم يحفظه عنه ، إنما حفظه عن عيسى عنه . وأما ما تضمنه حديث أبي حميد من الفقه في أحكام الصلاة ، فقد سبق ذكر عامة ما فيه من الفوائد مفرقا في مواضع متعددة ، وبقي ذكر صفة جلوسه للتشهد ، وهو مقصود البخاري في هذا الباب . وقد دل الحديث على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في التشهد الأول مفترشا ، وفي التشهد الثاني متوركا . خرجه أبو داود من رواية ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب بإسناده ، ولفظه : فإذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى ، فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض ، وأخرج قدميه من ناحية واحدة . ولم يذكر أحد من رواة حديث أبي حميد التشهدين في حديثه سوى ابن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، وقد ذكر غيره من الرواة التشهد الأول خاصة وبعضهم ذكر الأخير خاصة . ففي رواية فليح ، عن عباس بن سهل ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث ، وفيه : ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ، ووضع كفه اليمن على ركبته اليمنى ، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بإصبعه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . ورواه - أيضا - عتبة بن أبي حكيم ، عن عيسى ، أو ابن عيسى ، عن العباس - بمعناه - أيضا . ففي هذه الرواية : ذكر التشهد الأول خاصة . وأما ذكر التشهد الأخير ، ففي رواية عبد الحميد بن جعفر ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي حميد ، فذكر الحديث وفيه : حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخرج رجله اليسرى ، وقعد متوركا على شقه الأيسر . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وصححه الترمذي . وقد خرجه الجوزجاني في كتابه المترجم ، عن أبي عاصم ، عن [. . . أنه كان في] الثنتين يثني رجله اليسرى فيقعد عليها معتدلا حتى يقر كل عظم منه موضعه ، ثم ذكر توركه في تشهده الأخير ، وهذه زيادة غريبة . وقد خرج أبو داود وابن ماجه الحديث من رواية أبي عاصم ، وخرجه الإمام أحمد ، عن أبي عاصم ، ولم يذكروا صفة جلوسه في الركعتين ، إنما ذكروا ذلك في جلوسه بين السجدتين . وفي حديث عبد الحميد : زيادة ذكر رفع اليدين إذا قام من التشهد الأول ، وكذلك في حديث عتبة بن أبي حكيم أيضا . وقد أخذ بهذا الحديث في التفريق بين الجلوس في التشهد الأول والآخر في الصلاة فقهاء الحديث كالشافعي وأحمد وإسحاق . ثم اختلفوا : فقال الشافعي : يتورك في التشهد الذي يعقبه السلام بكل حال سواء كانت الصلاة فيها تشهد واحد أو تشهدان ؛ لأن التشهد الذي يسلم فيه يطول بالدعاء فيه فيتورك فيه ؛ لأن التورك أهون من الافتراش . وقال أحمد وإسحاق : إن كان فيها تشهدان تورك في الأخير منهما ، وإن كان فيها تشهد واحد لم يتورك فيه ، بل افترش . فيكون التورك للفرق بين التشهدين ، ويكون فيه فائدتان : نفي السهو عن المصلي ، ومعرفة الداخل معه في التشهد : هل هو في الأول أو الثاني . واتفقوا - أعني : هؤلاء الثلاثة - على أنه يفرش في التشهد الأول الذي لا يسلم فيه . وقد خرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث وائل بن حجر أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ، فلما جلس افترش . لكن اختلفت ألفاظ الروايات فيه : ففي رواية الترمذي : يعني للتشهد وهذا تفسير من بعض الرواة . وفي رواية للإمام أحمد : أن ذلك كان في جلوسه بين السجدتين . وفي رواية للنسائي : أنه كان يفعل ذلك إذا جلس في الركعتين . وهذه الرواية ، إنما تدل على افتراشه في جلوسه بعد الركعتين ، وأحمد وإسحاق يقولان بذلك . وفي صحيح مسلم ، عن عائشة قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في كل ركعتين التحية ، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى . وهو محمول على صلاة الركعتين ، بدلالة سياق أول الكلام . وخرج أبو داود من حديث رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : إذا قعدت فاقعد على فخذك اليسرى . وفي رواية أخرى له - أيضا - : فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ، ثم تشهد . وهذه الرواية تدل على أنه إنما أمره بالافتراش في التشهد الأول خاصة . وفي المسند من طريق ابن إسحاق : حدثني عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، قال : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها . فكنا نحفظ عن ابن مسعود ، حين أخبرنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمه إياه ، فكان يقول : إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى : التحيات لله إلى آخر التشهد . والظاهر : أن قوله : على وركه يعود إلى قوله : وفي آخرها خاصة . وذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يفترش في جميع التشهدات ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح وابن المبارك ، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم . وقال طائفة : يتورك في جميعها ، وهو قول مالك ، وكذا قال في الجلوس بين السجدتين . وجميع من سبق ذكره العلماء قالوا : أنه يفترش فيه . وفي صحيح مسلم ، عن ابن الزبير ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ، وفرش قدمه اليمنى . وقد فسره بالتورك حرب الكرماني وغيره . وقد روي التورك في الجلوس في الصلاة عن ابن عمر ، ذكره مالك في الموطأ ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمد ، أنه أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى ، وجلس على وركه الأيسر ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر ، وأخبرني أن أباه كان يفعل ذلك . وخرجه أبو داود من طريقه . وقال ابن جرير الطبري : كل ذلك جائز ؛ لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيخير المصلي بينه ، فيفعل منه ما شاء . ومال إلى قوله ابن عبد البر . وقد نص أحمد في رواية الأثرم على جواز التورك في التشهد الذي يسلم فيه من ركعتين ، مع قوله : إن الافتراش فيه أفضل . وقد روي النهي عن التورك في الصلاة ، ولا يثبت ، وفيه حديثان : أحدهما : من رواية يحيى بن إسحاق ، عن حماد بن سلمة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء في الصلاة . خرجه أبو داود في كتاب التفرد . وقال : هذا الحديث ليس بالمعروف . وخرجه البزار في مسنده . وقال : لا يروى عن أنس إلا من هذا الوجه ، وأظن يحيى أخطأ فيه . وقال أبو بكر البرديجي في كتاب معرفة أصول الحديث له : هذا حديث لا يثبت ؛ لأن أصحاب حماد لم يجاوزوا به قتادة . كأنه يشير إلى أن يحيى أخطأ في وصله بذكر أنس ، وإنما هو مرسل . وثانيهما : من رواية سعيد بن بشير ، عن الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التورك والإقعاء ، وأن لا نستوفز في صلاتنا . خرجه البزار . وقال : سعيد بن بشير ، لا يحتج به . وخرجه الإمام أحمد ، ولفظه : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نعتدل في الجلوس ، وأن لا نستوفز .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سنة الجلوس في التشهد · ص 103 214 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء . وحدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرنا صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ، ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته . مطابقته للترجمة في قوله : إذا جلس في الركعتين إلى آخره . ( ذكر رجاله ) : وهم تسعة : الأول : يحيى بن بكير بضم الباء الموحدة ، هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المصري . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : خالد بن يزيد الجمحي المصري . الرابع : سعيد بن أبي هلال الليثي المدني . الخامس : محمد بن عمرو بن حلحلة - بفتح المهملتين وسكون اللام الأولى - الديلي المدني . السادس : محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش القرشي العامري المدني . السابع : يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب أبو رجاء المصري ، واسم أبي حبيب سويد . الثامن : يزيد بن محمد القرشي . التاسع : أبو حميد الساعدي الأنصاري المدني ، اسمه عبد الرحمن ، وقيل : المنذر . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في سبعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين مصريين ومدنيين ، فالثلاثة الأول منهم مصريون ، فكذلك السابع ، والبقية مدنيون ، وفيه أن خالدا من أقران شيخه . وفيه إسنادان ؛ أحدهما عن الليث ، عن خالد ، والآخر عن الليث ، عن يزيد ابن أبي حبيب . وفيه أن بين الليث وبين محمد بن عمرو بن حلحلة في الرواية الأولى اثنين ، وبينهما في الرواية الثانية واسطة واحدة ، وفيه أن يزيد ابن أبي حبيب من صغار التابعين ، وفيه إرداف الرواية النازلة بالرواية العالية على عادة أهل الحديث ، وفيه أن يزيد بن محمد من أفراد البخاري ، وفيه أن الليث في الرواية الثانية يروي عن شيخين ، كلاهما عن محمد بن عمرو بن حلحلة . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة ، عن أحمد بن حنبل . وعن مسدد . وعن قتيبة ، عن ابن لهيعة . وعن عيسى بن إبراهيم المصري . وأخرجه الترمذي فيه عن ابن المثنى وابن بشار . وعن ابن بشار والحسن بن علي الخلال . وأخرجه النسائي فيه عن ابن بشار ، عن يحيى به . وعن يعقوب بن إبراهيم . وأخرجه ابن ماجه ، عن بندار ، عن أبي بكر ابن أبي شيبة وعلي بن محمد . ( ذكر معناه ) : قوله : قال : وحدثنا قائله هو يحيى بن بكير المذكور . قوله : في نفر وفي رواية كريمة مع نفر بفتحتين ، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال ، خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه ، وقال ابن الأثير : النفر رهط الإنسان وعشيرته . قوله : من أصحاب رسول الله كلمة من في محل الحال من نفر أي حال كونهم من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولفظ النفر يدل على أنهم كانوا عشرة ، يدل عليه أيضا رواية أبي داود وغيره عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( فإن قلت ) : أبو حميد من العشرة أو خارج منهم ؟ ( قلت ) : يحتمل الوجهين بالنظر إلى رواية في عشرة وإلى رواية مع عشرة ، وكان من جملة العشرة أبو قتادة الحارث بن ربعي في رواية أبي داود والترمذي ، وسهل بن سعد ، وأبو أسيد الساعدي محمد بن سلمة في رواية أحمد وغيره ، وأبو هريرة في رواية أبي داود . قوله : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفي رواية أبي داود قالوا : فلم ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة ، ولا أقدمنا له صحبة ، وفي رواية الترمذي إتيانا ، ولا أقدمنا له صحبة ، وفي رواية الطحاوي من حديث العباس بن سهل ، عن أبي حميد الساعدي أنه كان يقول لأصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أنا أعلمكم بصلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا : من أين ؟ قال : رقبت ذلك منه ، حتى حفظت صلاته ، وفي رواية أخرى له أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا : وكيف ؟ فقال : اتبعت ذلك من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا : أرنا قال : فقام يصلي وهم ينظرون وزاد عبد الحميد بن جعفر في روايته قالوا : فأعرض ، وفي روايته عند ابن حبان استقبل القبلة ، ثم قال : الله أكبر وزاد فليح بن سليمان في روايته عند ابن خزيمة فيه ذكر الوضوء . قوله : فجعل يديه حذو منكبيه زاد ابن إسحاق ، ثم قرأ بعض القرآن . قوله : ثم هصر ظهره بفتح الهاء والصاد المهملة ، أي أماله في استواء من غير تقويس ، وأصل الهصر أن تأخذ رأس العود ، فتثنيه إليك وتعطفه ، وفي ( الصحاح ) : الهصر الكسر ، وقد هصره وأهصره واهتصره بمعنى ، وهصرت الغصن وبالغصن إذا أخذت برأسه وأملته ، والأسد هيصر وهيصار ، وفي رواية أبي داود ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ، ولا صافح بخده . قوله : غير مقنع من الإقناع يعني لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره ، وقال ابن عرفة : يقال : أقنع رأسه إذا نصبه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وجعل طرفه موازيا لما بين يديه . قوله : ولا صافح بخده أي غير مبرز بصفحة خده ولا مائل في أحد الشقين . قوله : فإذا رفع رأسه استوى زاد عيسى عند أبي داود فقال : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ورفع يديه ونحوه لعبد الحميد ، وزاد حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا . قوله : حتى يعود كل فقار بفتح الفاء والقاف وبعد الألف راء جمع فقارة ، وهي عظام الظهر ، وقال ابن قرقول : جاء عند الأصيلي هنا فقار بفتح الفاء وكسرها ، ولا أعلم لذلك معنى ، وعند ابن السكن فقار بكسر الفاء ولغيره فقار وهو الصواب ، وقال ابن التين : هو الصحيح ، وهو الذي رويناه ، وروينا في رواية أبي صالح عن الليث قفار بتقديم القاف وكسرها ، وليس ببين ؛ لأنه جمع قفر وهي المفازة ، وفي ( الجامع ) للقزاز : الفقرة بكسر الفاء والفقارة بفتحها إحدى فقار الظهر وهي العظام المنتظمة التي يقال لها : خرز الظهر ، فجمع الفقارة فقار ، وجمع الفقرة فقر ، وقالوا : أفقرة يريدون جمع فقار ، كما تقول : قذال وأقذلة ، وفي ( المحكم ) : الفقر والفقرة ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب ، والجمع فقر وفقار ، وقال ابن الأعرابي : أقل فقر البعير ثمان عشرة ، وأكثرها إحدى وعشرون ، وفقار الإنسان سبع ، وفي ( نوادر ) ابن الأعرابي رواية عن ثعلب : فقار الإنسان سبع عشرة ، وأكثر فقر البعير ثلاث وعشرون ، وفي ( المخصص ) : الفقر ما بين كل مفصلين ، وقيل : الفقار أطراف رؤوس الفقر ، وكل فقرة خرزة ، وفي ( أمالي أبي إسحاق الزجاجي ) : هن سبع أمهات غير الصغار التوابع ، وفي ( كتاب الفصوص ) لصاعد : هن أربع وعشرون ؛ سبع منها في العنق ، وخمس منها في الصلب ، واثنتى عشرة وهي الأضلاع ، وقال الأصمعي : هن خمس وعشرون فقرة . قوله : غير مفترش أي غير مفترش يديه ، وفي رواية ابن حبان من رواية عتبة بن أبي الحكم ، عن عباس بن سهل غير مفترش ذراعيه ، وفي رواية الطحاوي وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه ، ولا مفترش ذراعيه . قوله : ولا قابضهما أي ولا قابض يديه ، وهو أن يضمهما إليه ، وفي رواية فليح بن سليمان ونحى يديه عن جنبيه ، ووضع يديه حذو منكبيه ، وفي رواية ابن إسحاق فاعلولى على جنبيه وراحتيه وركبتيه وصدور قدميه ، حتى رأيت بياض إبطيه وما تحت منكبيه ، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه ، ثم رفع رأسه فاعتدل . قوله : فإذا جلس في الركعتين أي الركعتين الأوليين ليتشهد ، وفي رواية الطحاوي ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى ، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بأصبعه ، وفي رواية عيسى بن عبد الله ثم جلس بعد الركعتين ، حتى إذا هو أراد أن ينتهض إلى القيام قام بتكبيرة . ( فإن قلت ) : هذا يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال : ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه كما كبر عند افتتاح الصلاة . ( قلت ) : التوفيق بينهما بأن يقول معنى قوله : إذا قام أي إذا أراد القيام أو شرع فيه . قوله : فإذا جلس في الركعة الآخرة إلى آخره في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم ، وفي رواية عند ابن حبان التي تكون عند خاتمة الصلاة أخر رجله اليسرى ، وقعد متوركا على شقه الأيسر زاد ابن إسحاق في روايته ثم سلم ، وفي رواية عيسى عند الطحاوي فلما سلم سلم عن يمينه : سلام عليكم ورحمة الله . وعن شماله أيضا السلام عليكم ورحمة الله ، وفي رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره قالوا - أي الصحابة المذكورون - صدقت ، هكذا كان يصلي . ( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ومن قال بقوله أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في التشهد الأخير ، وقد ذكرنا عن قريب اختلاف العلماء فيه ، وقال الطحاوي : القعود في الصلاة كلها سواء ، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها ، ثم ذكر الاحتجاج في هذا بحديث وائل بن حجر الحضرمي قال : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : لأحفظن صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى ، ثم قعد عليها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ، ثم عقد أصابعه ، وجعل حلقة بالإبهام والوسطى ، ثم جعل يدعو بالأخرى . وأخرجه الطبراني أيضا . ( قلت ) : هذا الذي ذكره هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد في رواية . ( فإن قلت ) : لا يتم الاستدلال للحنفية بالحديث المذكور ؛ لأنه لم يذكر فيه إلا أنه فرش رجله اليسرى فقط . قلت : كثر الخلاف فيه فاكتفى بهذا المقدار ، وأما نصب رجله اليمنى فقد ذكره ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا ابن إدريس ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه عن وائل بن حجر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلس ، فثنى اليسرى ونصب اليمنى يعني في الصلاة وحديث عائشة أيضا ، وقد تقدم عن قريب . ( فإن قلت ) : من أين علم أن المراد من قوله فلما قعد للتشهد افترش رجله اليسرى ، ثم قعد عليها وهي القعدة الأخيرة ؟ قلت : علم من قوله : ثم جعل يدعو أن الدعاء في التشهد لا يكون إلا في آخر الصلاة ، ثم أجاب الطحاوي عن حديث أبي حميد الذي احتج به الشافعي وغيره بما ملخصه : أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد ، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول . ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبو قتادة وسنه لا يحتمل ذلك ، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل ؛ لأنه قتل مع علي رضي الله تعالى عنه ، وصلى عليه علي ، وقد رواه عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو فجعل بينهما رجلا ، ثم أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم ، حدثنا عطاف بن خالد ، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلوسا فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء ، فإن ذكروا تضعيف عطاف قيل لهم : وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف ، مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله ، إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه . هكذا ذكره ابن معين في كتابه ، وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا ، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد ، وهو عندكم أضعف ، وقد اعترض بعضهم بأنه لا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة إما لزيادة في الحديث ، وإما لتثبيت فيه ، وقد صرح محمد بن عمرو بسماعه . وإن أبا قتادة اختلف في وقت موته فقيل : مات سنة أربع وخمسين ، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن . انتهى . قلت : هذا القائل أخذ كلامه هذا من كلام البيهقي ؛ فإنه ذكره في ( كتاب المعرفة ) والجواب عن هذا أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع ، وقد نفى الشعبي سماعه ، وهو إمام في هذا الفن ، فنفيه نفي وإثباته إثبات ، ومبنى نفيه من جهة تاريخ وفاته أنه قال : قتل مع علي رضي الله تعالى عنه ، كما ذكرناه ، وكذا قال الهيثم بن عدي ، وقال ابن عبد البر : هو الصحيح . وفيه رفع اليدين إلى المنكبين وإليه ذهب الشافعي وأحمد ، وقد قلنا : إنه كان للعذر ، وفيه أن سنة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه إلى فوق ، ولا ينكسه ، ومن هذا قال صاحب ( الهداية ) : ويبسط ظهره ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا ركع بسط ظهره ، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا ركع لا يصوب رأسه ، ولا يقنعه . وفيه أن السنة أن يجافي بطنه عن فخذيه ، ويديه عن جنبيه . وفيه بيان هيئة الجلوس ، وقد بيناها مع الخلاف فيها مستوفى ، وفيه بيان توجيه أصابع رجليه نحو القبلة . وفيه جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب ، وأراد بيان ذلك عند غيره ممن سمعه ؛ لما في التعليم والأخذ عن الأعلم . وفيه أنه كان يخفى على الكثير من الصحابة بعض الأحكام المتلقاة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - وربما يذكره بعضهم إذا ذكر . ( وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد بن عمرو بن حلحلة ، وابن حلحلة من ابن عطاء ) . أشار بهذا إلى أن الليث بن سعد المذكور في سند الحديث المذكور الذي روي بالعنعنة ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، وقد سمع منهما ، وأن عنعنته سماع . قال الكرماني : وسمع الليث ، أي قال يحيى بن بكير شيخ البخاري : سمع الليث إلى آخره . ورد عليه بعضهم بقوله : وهو كلام المصنف ، ووهم من جزم بأنه كلام يحيى بن بكير . ( قلت ) : الكرماني لم يجزم بهذا قطعا ، وإنما كلامه يقتضي الاحتمال ، وفي قوله أيضا وهو كلام المصنف احتمال لا يخفى . قوله : وابن حلحلة من ابن عطاء أي سمع محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء . ( وقال أبو صالح ، عن الليث : كل قفار ) . أبو صالح هذا هو عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ، وقد وهم الكرماني فيه حيث قال : أبو صالح هو عبد الغفار البكري ، تقدم في كتاب الوحي وأشار بهذا إلى أن أبا صالح قال في روايته ، عن الليث بإسناده الثاني ، عن اليزيدين المذكورين كل قفار بدون الإضافة إلى الضمير وبتقديم القاف على الفاء ، كما في رواية الأصيلي ، وقد وصل هذا التعليق الطبراني ، عن مطلب بن شعيب وابن عبد البر من طريق القاسم بن أصبغ ، كلاهما عن أبي صالح المذكور . ( وقال ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب : قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدثه : كل فقار ) . أي قال عبد الله المبارك إلى آخره . ووصل هذا التعليق الجوزقي في ( جمعه ) وإبراهيم الحربي في ( غريبه ) وجعفر الفريابي في ( صفة الصلاة ) كلهم من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد ، ووقع عندهم بلفظ حتى يعود كل فقار منه بتقديم الفاء على القاف وهي نحو رواية يحيى بن بكير شيخ البخاري بتقديم الفاء ، ووقع في رواية الكشميهني وحده كل فقاره ، وقد بينا وجه الاختلاف فيه في شرح حديث الباب ، وقال الكرماني : يعني وافق أبو صالح يحيى عن الليث في رواية كل فقار بدون الضمير ، وقال عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه : كل فقاره بالإضافة إلى الضمير أو بتاء التأنيث على اختلاف ، والأصوب الأوجه ما ذكرناه .