148 - بَاب التَّشَهُّدِ فِي الْآخِرَةِ 831 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ . فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ؛ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّشَهُّدِ فِي الْآخِرَةِ ) أَيِ الْجِلْسَةِ الْآخِرَةِ ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَعْيِينُ مَحَلِّ الْقَوْلِ ، لَكِنْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ : إِذَا صَلَّى أَيْ أَتَمَّ صَلَاتَهُ ، لَكِنْ تَعَذَّرَ الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ لَا يَكُونُ بَعْدَ السَّلَامِ ، فَلَمَّا تَعَيَّنَ الْمَجَازُ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الْحَقِيقَةِ . قُلْتُ : وَهَذَا التَّقْرِيرُ عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ السَّلَامَ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ ، لَا أَنَّهُ لِلتَّحَلُّلِ مِنْهَا فَقَطْ ، وَالْأَشْبَهُ بِتَصَرُّفِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ تَعْيِينِ مَحَلِّ الْقَوْلِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ شَقِيقٍ ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ . قَوْلُهُ : ( كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا ) فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ : كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : إِذَا جَلَسْنَا ، وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ ، عَنْ يَحْيَى ، وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ نَحْوُهُ . قَوْلُهُ : ( قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ ) وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ اخْتِصَارٌ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ ، وَهُوَ : قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ . كَذَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِيهَا ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ ، فِيهِ : فَقَالَ : قَبْلَ عِبَادِهِ ، وَكَذَا لِلْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يَتَبَيَّنُ مَوْقِعُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ . وَلَفْظُهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى الْمَذْكُورَةِ : لَا تَقُولُوا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ . قَوْلُهُ : ( السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ يَعْنُونَ الْمَلَائِكَةَ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ : فَنَعُدُّ الْمَلَائِكَةَ ، وَمِثْلُهُ لِلسَّرَّاجِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ : فَنَعُدُّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( فَالْتَفَتَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَلَّمَهُمْ بِذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَهُوَ شَقِيقٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ، فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ : فَسَمِعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ فَقَالَ : قُولُوا لَكِنْ بَيَّنَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ الْمَحَلَّ الَّذِي خَاطَبَهُمْ بِذَلِكَ فِيهِ ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَلَفْظُهُ : فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ أَيْضًا : فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ) ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ مَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ التَّسْلِيمَ عَلَى اللَّهِ وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ عَكْسُ مَا يَجِبُ أَنْ يُقَالَ ، فَإِنَّ كُلَّ سَلَامٍ وَرَحْمَةٍ لَهُ وَمِنْهُ وَهُوَ مَالِكُهَا وَمُعْطِيهَا . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : وَجْهُ النَّهْيِ عَنِ السَّلَامِ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَالِي عَنِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ ؛ فَكَيْفَ يُدْعَى لَهُ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ عَلَى الْحَالَاتِ ؟ ! وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ ذُو السَّلَامِ ؛ فَلَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ؛ فَإِنَّ السَّلَامَ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ ، وَمَرْجِعُ الْأَمْرِ فِي إِضَافَتِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ ذُو السَّلَامِ مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَعَيْبٍ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَرْجِعُهَا إِلَى حَظِّ الْعَبْدِ فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنَ السَّلَامَةِ مِنَ الْآفَاتِ وَالْمَهَالِكِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، يَعْنِي السَّالِمَ مِنَ النَّقَائِصِ ، وَيُقَالُ : الْمُسَلِّمُ أَوْلِيَاء ، وَقِيلَ : الْمُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : أَمَرَهُمْ أَنْ يَصْرِفُوهُ إِلَى الْخَلْقِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَى السَّلَامَةِ ، وَغِنَاهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - عَنْهَا . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ ) ، بَيَّنَ حَفْصٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ مَحَلَّ الْقَوْلِ ، وَلَفْظُهُ : فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ . وَفِي رِوَايَةِ حُصَيْنٍ الْمَذْكُورَةِ : إِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ ؛ فَقَالَ : إِذَا قَعَدْتُمْ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ؛ فَقُولُوا : وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : فَقُولُوا فِي كُلِّ جَلْسَةٍ ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ وَفِي آخِرِهَا . وَزَادَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فِي أَوَّلِهِ : وَأَخَذْتُ التَّشَهُّدَ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَقَّنَنِيهِ كَلِمَةً كَلِمَةً ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ ، وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : فَلْيَقُلْ . عَلَى الْوُجُوبِ خِلَافًا لِمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَمَالِكٍ ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَنْدُوبٌ ، وَقَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ بِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمَّا نَزَلَتْ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ . . الْحَدِيثَ ؛ فَكَذَلِكَ التَّشَهُّدُ ، وَأَجَابَ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَتُهُ الْوُجُوبُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِلَّا إِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ ، وَلَوْلَا الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ . انْتَهَى . وَفِي دَعْوَى هَذَا الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ وَيَقُولُ بِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَيْضًا ، وَرِوَايَةُ أَبِي الْأَحْوَصِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَغَيْرُهَا تُقَوِّيهِ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ قَبْلُ بِبَابٍ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّصْرِيحُ بِفَرْضِيَّةِ التَّشَهُّدِ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : كُنَّا لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ . قَوْلُهُ : ( التَّحِيَّاتُ ) جَمْعُ تَحِيَّةٍ ، وَمَعْنَاهَا السَّلَامُ ، وَقِيلَ : الْبَقَاءُ . وَقِيلَ : الْعَظَمَةُ . وَقِيلَ : السَّلَامَةُ مِنَ الْآفَاتِ وَالنَّقْصِ . وَقِيلَ : الْمَلِكُ . وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ : لَيْسَتِ التَّحِيَّةُ الْمَلِكَ نَفْسَهُ لَكِنَّهَا الْكَلَامُ الَّذِي يُحَيَّا بِهِ الْمَلِكُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَمْ يَكُنْ يُحَيَّا إِلَّا الْمَلِكُ خَاصَّةً ، وَكَانَ لِكُلِّ مَلِكٍ تَحِيَّةٌ تَخُصُّهُ فَلِهَذَا جُمِعَتْ ، فَكَانَ الْمَعْنَى التَّحِيَّاتُ الَّتِي كَانُوا يُسَلِّمُونَ بِهَا عَلَى الْمُلُوكِ كُلُّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلَّهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ الْبَغَوِيُّ : وَلَمْ يَكُنْ فِي تَحِيَّاتِهِمْ شَيْءٌ يَصْلُحُ لِلثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ ، فَلِهَذَا أُبْهِمَتْ أَلْفَاظُهَا وَاسْتُعْمِلَ مِنْهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ ؛ فَقَالَ : قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ ، أَيْ أَنْوَاعُ التَّعْظِيمِ لَهُ . وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ التَّحِيَّةِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهَا ، وَكَوْنُهَا بِمَعْنَى السَّلَامِ أَنْسَبُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( وَالصَّلَوَاتُ ) قِيلَ الْمُرَادُ الْخَمْسُ ، أَوْ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الْعِبَادَاتُ كُلُّهَا ، وَقِيلَ الدَّعَوَاتُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الرَّحْمَةُ ، وَقِيلَ التَّحِيَّاتُ الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ وَالصَّلَوَاتُ الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ ، وَالطَّيِّبَاتُ الصَّدَقَاتُ المالية . قَوْلُهُ : ( وَالطَّيِّبَاتُ ) أَيْ مَا طَابَ مِنَ الْكَلَامِ وَحَسُنَ أَنْ يُثْنَى بِهِ عَلَى اللَّهِ دُونَ مَا لَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِ مِمَّا كَانَ الْمُلُوكُ يُحَيَّوْنَ بِهِ ، وَقِيلَ الطَّيِّبَاتُ ذِكْرُ اللَّهِ ، وَقِيلَ الْأَقْوَالُ الصَّالِحَةُ كَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ ، وَقِيلَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَهُوَ أَعَمُّ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِذَا حُمِلَ التَّحِيَّةُ عَلَى السَّلَامِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ التَّحِيَّاتُ الَّتِي تُعَظَّمُ بِهَا الْمُلُوكُ مُسْتَمِرَّةٌ لِلَّهِ ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْبَقَاءِ فَلَا شَكَّ فِي اخْتِصَاصِ اللَّهِ بِهِ ، وَكَذَلِكَ الْمُلْكُ الْحَقِيقِيُّ وَالْعَظَمَةُ التَّامَّةُ ، وَإِذَا حُمِلَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْعَهْدِ أَوِ الْجِنْسِ كَانَ التَّقْدِيرُ أَنَّهَا لِلَّهِ وَاجِبَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْصَدَ بِهَا غَيْرُهُ ، وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى الرَّحْمَةِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لِلَّهِ أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ بِهَا ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ التَّامَّةَ لِلَّهِ يُؤْتِيهَا مَنْ يَشَاءُ . وَإِذَا حُمِلَتْ عَلَى الدُّعَاءِ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الطَّيِّبَاتُ فَقَدْ فُسِّرَتْ بِالْأَقْوَالِ ، وَلَعَلَّ تَفْسِيرَهَا بِمَا هُوَ أَعَمُّ أَوْلَى فَتَشْمَلُ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ وَالْأَوْصَافَ ، وَطِيبُهَا كَوْنُهَا كَامِلَةً خَالِصَةً عَنِ الشَّوَائِبِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : قَوْلُهُ لِلَّهِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْعِبَادَةِ ، أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْعَلُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ مَلِكَ الْمُلُوكِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ كُلَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ عَطْفًا عَلَى التَّحِيَّاتِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ ، وَالطَّيِّبَاتُ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا وَالْوَاوُ الْأُولَى لِعَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ ، وَالثَّانِيَةُ لِعَطْفِ الْمُفْرَدِ عَلَى الْجُمْلَةِ . وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : إِنْ جُعِلَتِ التَّحِيَّاتُ مُبْتَدَأً وَلَمْ تَكُنْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ كَانَ قَوْلُكَ وَالصَّلَوَاتُ مُبْتَدَأً ؛ لِئَلَّا يُعْطَفَ نَعْتٌ عَلَى مَنْعُوتِهِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْجُمَلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٌ بِفَائِدَتِهَا ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ عِنْدَ إِسْقَاطِ الْوَاوِ . قَوْلُهُ : ( السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : يَجُوزُ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ أَيِ السَّلَامُ حَذْفُ اللَّامِ وَإِثْبَاتُهَا ، وَالْإِثْبَاتُ أَفْضَلُ وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي رِوَايَاتِ الصَّحِيحَيْنِ . قُلْتُ : لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِحَذْفِ اللَّامِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : أَصْلُ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ سَلَامًا عَلَيْكَ ، ثُمَّ حُذِفَ الْفِعْلُ وَأُقِيمَ الْمَصْدَرُ مَقَامَهُ ، وَعُدِلَ عَنِ النَّصْبِ إِلَى الرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الْمَعْنَى وَاسْتِقْرَارِهِ ، ثُمَّ التَّعْرِيفُ إِمَّا لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ ، أَيْ ذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ الَّذِي وُجِّهَ إِلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ عَلَيْنَا وَعَلَى إِخْوَانِنَا ، وَإِمَّا لِلْجِنْسِ وَالْمَعْنَى أَنَّ حَقِيقَةَ السَّلَامِ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَعَمَّنْ يَصْدُرُ وَعَلَى مَنْ يَنْزِلُ عَلَيْكَ وَعَلَيْنَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى قَالَ : وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ التَّقَادِيرَ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِ النَّكِرَةِ . انْتَهَى . وَحَكَى صَاحِبُ الْإِقْلِيدِ عَنْ أَبِي حَامِدٍ أَنَّ التَّنْكِيرَ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ ، وَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ لَا يَقْصُرُ عَنِ الْوُجُوهِ الْمُتَقَدِّمَةِ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : عَلَّمَهُمْ أَنْ يُفْرِدُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالذِّكْرِ لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ أَنْ يُخَصِّصُوا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلًا لِأَنَّ الِاهْتِمَامَ بِهَا أَهَمُّ ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَعْمِيمِ السَّلَامِ عَلَى الصَّالِحِينَ إِعْلَامًا مِنْهُ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَامِلًا لَهُمْ . وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ : السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ كَالْمَقَامِ وَالْمَقَامَةِ ، وَالسَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وُضِعَ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ الِاسْمِ مُبَالَغَةً ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَالِمٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَآفَةٍ وَنَقْصٍ وَفَسَادٍ ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا السَّلَامُ عَلَيْكَ الدُّعَاءُ أَيْ سَلِمْتَ مِنَ الْمَكَارِهِ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكَ كَأَنَّهُ تَبَرَّكَ عَلَيْهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ شُرِعَ هَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ خِطَابُ بَشَرٍ مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنْ قِيلَ مَا الْحِكْمَةُ فِي الْعُدُولِ عَنِ الْغَيْبَةِ إِلَى الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْغَيْبَةِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ كَأَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ ؛ فَيَنْتَقِلُ مِنْ تَحِيَّةِ اللَّهِ إِلَى تَحِيَّةِ النَّبِيِّ ثُمَّ إِلَى تَحِيَّةِ النَّفْسِ ثُمَّ إِلَى الصَّالِحِينَ ، أَجَابَ الطِّيبِيُّ بِمَا مُحَصَّلُهُ : نَحْنُ نَتَّبِعُ لَفْظَ الرَّسُولِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ عَلَّمَهُ الصَّحَابَةَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ عَلَى طَرِيقِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ : إِنَّ الْمُصَلِّينَ لَمَّا اسْتَفْتَحُوا بَابَ الْمَلَكُوتِ بِالتَّحِيَّاتِ أُذِنَ لَهُمْ بِالدُّخُولِ فِي حَرِيمِ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ؛ فَقَرَّتْ أَعْيُنُهُمْ بِالْمُنَاجَاةِ ؛ فَنُبِّهُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ وَبَرَكَةِ مُتَابَعَتِهِ ؛ فَالْتَفَتُوا فَإِذَا الْحَبِيبُ فِي حَرَمِ الْحَبِيبِ حَاضِرٌ ؛ فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ قَائِلِينَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ا هـ . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا مَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ زَمَانِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُقَالُ بِلَفْظِ الْخِطَابِ ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيُقَالُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ ، وَهُوَ مِمَّا يُخْدَشُ فِي وَجْهِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ ، فَفِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ أَنْ سَاقَ حَدِيثَ التَّشَهُّدِ ؛ قَالَ : وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا ، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ . يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ ، كَذَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالسَّرَّاجُ ، وَالْجَوْزَقِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ إِلَى أَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِلَفْظِ : فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ . بِحَذْفِ لَفْظِ يَعْنِي ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مِنْ عِنْدِ أَبِي عَوَانَةَ وَحْدَهُ : إِنْ صَحَّ هَذَا عَنِ الصَّحَابَةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ فِي السَّلَامِ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ وَاجِبٍ ، فَيُقَالُ : السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ . قُلْتُ : قَدْ صَحَّ بِلَا رَيْبٍ ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ مُتَابِعًا قَوِيًّا . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقُولُونَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيٌّ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ، فَلَمَّا مَاتَ قَالُوا : السَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ . وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَأَمَّا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّدَ فَذَكَرَهُ ، قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّمَا كُنَّا نَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذْ كَانَ حَيًّا ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : هَكَذَا عَلَّمَنَا وَهَكَذَا نُعَلِّمُ ، فَظَاهِرٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَهُ بَحْثًا وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ أَبِي مَعْمَرٍ أَصَحُّ لِأَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ ضَعِيفٌ ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ عَدَلَ عَنِ الْوَصْفِ بِالرِّسَالَةِ إِلَى الْوَصْفِ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ الْوَصْفَ بِالرِّسَالَةِ أَعَمُّ فِي حَقِّ الْبَشَرِ ؟ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ الْوَصْفَيْنِ لِكَوْنِهِ وَصَفَهُ بِالرِّسَالَةِ فِي آخِرِ التَّشَهُّدِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ يَسْتَلْزِمُ النُّبُوَّةَ ، لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِهِمَا أَبْلَغُ . قِيلَ : وَالْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الْوَصْفِ بِالنُّبُوَّةِ أَنَّهَا كَذَا وُجِدَتْ فِي الْخَارِجِ لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قَبْلَ قَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَرَحْمَتُ اللَّهِ ) أَيْ إِحْسَانُهُ ، ( وَبَرَكَاتُهُ ) أَيْ زِيَادَتُهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ . قَوْلُهُ : ( السَّلَامُ عَلَيْنَا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْبَدَاءَةِ بِالنَّفْسِ فِي الدُّعَاءِ ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مُصَحَّحًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ . وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - كَمَا فِي التَّنْزِيلِ . قَوْلُهُ : ( عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ) الْأَشْهَرُ فِي تَفْسِيرِ الصَّالِحِ أَنَّهُ الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ وَتَتَفَاوَتُ دَرَجَاتُهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى بِهَذَا السَّلَامِ الَّذِي يُسَلِّمُهُ الْخَلْقُ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكُنْ عَبْدًا صَالِحًا وَإِلَّا حُرِمَ هَذَا الْفَضْلُ الْعَظِيمُ . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : يَنْبَغِي لِلْمُصَلِّي أَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ ، يَعْنِي لِيَتَوَافَقَ لَفْظُهُ مَعَ قَصْدِهِ . قَوْلُهُ ( فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا ) أَيْ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، وَهُوَ كَلَامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ الصَّالِحِينَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ إِلَخْ ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا لِكَوْنِهِ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَّ الْمَلَائِكَةِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُمْ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ ، فَعَلَّمَهُمْ لَفْظًا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ مَعَ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ ، وَهَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُوتِيَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَلَّمَ فَوَاتِحَ الْخَيْرِ وَخَوَاتِمَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ سِيَاقُ التَّشَهُّدِ مُتَوَالِيًا وَتَأْخِيرُ الْكَلَامِ الْمَذْكُورِ بَعْدُ ، وَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ الْمُضَافَ وَالْجَمْعَ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَعُمُّ ، لِقَوْلِهِ أَوَّلًا عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، ثُمَّ قَالَ : أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمْعَ التَّكْسِيرِ لِلْعُمُومِ ، وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ نَظَرٌ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْعُمُومِ صِيغَةً ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ عِنْدَنَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَتَصَرُّفَاتِ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، قَالَ : وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادٍ لَا تُحْصَى ، لَا لِلِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدٍ عَنْ يَحْيَى : أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنْ مُسَدَّدٍ ، وَإِلَّا فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ : مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ ، لَكِنْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَوْقُوفِ فِي الْمُوَطَّأِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، إِلَّا أَنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي التَّشَهُّدِ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ : زِدْتُ فِيهَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْوَقْفُ . قَوْلُهُ : ( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ) لَمْ تَخْتَلِفِ الطُّرُقُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَا هُوَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ الْمَذْكُورِ وَجَابِرٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ : وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُ التَّشَهُّدَ إِذْ قَالَ رَجُلٌ : وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ وَعَبْدُهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَقَدْ كُنْتُ عَبْدًا قَبْلَ أَنْ أَكُونَ رَسُولًا . قُلْ : عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ : وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَذَفَ وَأَشْهَدُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي التَّشَهُّدِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ . قَالَ : وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّشَهُّدِ ، وَقَالَ الْبَزَّارُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَصَحِّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ قَالَ : هُوَ عِنْدِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرُوِيَ مِنْ نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ طَرِيقًا ، ثُمَّ سَرَدَ أَكْثَرَهَا ، وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ فِي التَّشَهُّدِ أَثْبَتَ مِنْهُ وَلَا أَصَحَّ أَسَانِيدَ وَلَا أَشْهَرَ رِجَالًا اهـ . وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ، وَمِنْ رُجْحَانِهِ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَأَنَّ الرُّوَاةَ عَنْهُ مِنَ الثِّقَاتِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَلْفَاظِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ تَلَقَّاهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلْقِينًا ؛ فَرَوَى الطَّحَاوِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ ، قَالَ : أَخَذْتُ التَّشَهُّدَ مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَقَّنَنِيهِ كَلِمَةً كَلِمَةً . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْهُ : عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ . وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ جَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْهُ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ . وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، لَكِنْ هَذَا الْأَخِيرُ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَرُجِّحَ أَيْضًا بِثُبُوتِ الْوَاوِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ ، وَهِيَ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ كُلُّ جُمْلَةٍ ثَنَاءً مُسْتَقِلًّا ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حُذِفَتْ فَإِنَّهَا تَكُونُ صِفَةً لِمَا قَبْلَهَا ، وَتَعَدُّدُ الثَّنَاءِ فِي الْأَوَّلِ صَرِيحٌ فَيَكُونُ أَوْلَى ، وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْوَاوَ مُقَدَّرَةٌ فِي الثَّانِي ، وَرُجِّحَ بِأَنَّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مُجَرَّدُ حِكَايَةٍ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيَّتِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ : رَوَيْتُ أَحَادِيثَ فِي التَّشَهُّدِ مُخْتَلِفَةً ، وَكَانَ هَذَا أَحَبَّ إِلَيَّ لِأَنَّهُ أَكْمَلُهَا . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنِ اخْتِيَارِهِ تَشَهُّدَ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا رَأَيْتُهُ وَاسِعًا وَسَمِعْتُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا ؛ كَانَ عِنْدِي أَجْمَعَ وَأَكْثَرَ لَفْظًا مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَخَذْتُ بِهِ غَيْرَ مُعَنِّفٍ لِمَنْ يَأْخُذُ بِغَيْرِهِ مِمَّا صَحَّ . وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ مُنَاسِبًا لِلَفْظِ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَهُ بِكَوْنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ أَضْبَطَ لِمَا رَوَى ، أَوْ بِأَنَّهُ أَفْقَهُ مَنْ رَوَاهُ ، أَوْ بِكَوْنِ إِسْنَادِ حَدِيثِهِ حِجَازِيًّا وَإِسْنَادِ ابْنِ مَسْعُودٍ كُوفِيًّا ، وَهُوَ مِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ فَلَا طَائِلَ فِيهِ لِمَنْ أَنْصَفَ ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ الْمُبَارَكَاتُ لَا تُنَافِي رِوَايَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَرُجِّحَ الْأَخْذُ بِهَا لِكَوْنِ أَخْذِهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي الْأَخِيرِ ، وَقَدِ اخْتَارَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ تَشَهُّدَ عُمَرَ لِكَوْنِهِ عَلَّمَهُ لِلنَّاسِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا ، وَلَفْظُهُ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : الزَّاكِيَاتُ بَدَلَ الْمُبَارَكَاتُ وَكَأَنَّهُ بِالْمَعْنَى ، لَكِنْ أَوْرَدَ عَلَى الشَّافِعِيِّ زِيَادَةَ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِ التَّشَهُّدِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ لَا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا مَالِكٌ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا ، وَثَبَتَ فِي الْمُوَطَّأِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَوَقَعَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَرْفُوعِ ، تَفَرَّدَ بِهِ أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ بِالنُّونِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ ، وَحَكَمَ الْحُفَّاظُ - الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ - عَلَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إِسْنَادِهِ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَفِي الْجُمْلَةِ لَمْ تَصِحَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ . وَقَدْ تَرْجَمَ الْبَيْهَقِيُّ عَلَيْهَا : مَنِ اسْتَحَبَّ أَوْ أَبَاحَ التَّسْمِيَةَ قَبْلَ التَّحِيَّةِ وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَضُعِّفَ ، وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا أَنَّهُ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمَرْفُوعِ فِي التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ : فَإِذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ قَوْلِهِ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الْحَدِيثَ . كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ بِسَنَدِهِ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ هَذِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا عَلَى مَنْ زَادَهَا ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَفْضَلِ وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ التَّشَهُّدِ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ ، لَكِنَّ كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِوُجُوبِ التَّشَهُّدِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ كَابْنِ الْمُنْذِرِ إِلَى اخْتِيَارِ تَشَهُّدِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ كَابْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى عَدَمِ التَّرْجِيحِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّشَهُّدَ مُطْلَقًا غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لَا فَرْضٌ ، بِخِلَافِ مَا يُوجَدُ عَنْهُمْ فِي كُتُبِ مُخَالِفِيهِمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ فَرْضٌ ، لَكِنْ قَالَ : لَوْ لَمْ يَزِدْ رَجُلٌ عَلَى قَوْلِهِ : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَخْ ، كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ وَلَمْ أَرَ عَلَيْهِ إِعَادَةً ، هَذَا لَفْظُهُ فِي الْأُمِّ . وَقَالَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ : وَأَمَّا أَقَلُّ التَّشَهُّدِ فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ إِلَى أَنَّهُ . . فَذَكَرَهُ ، لَكِنَّهُ قَالَ : وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : وَنَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ ، وَالصَّيْدَلَانِيُّ فَقَالَا : وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ أَسْقَطَا وَبَرَكَاتُهُ اهـ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ جَوَازُ حَذْفِ الصَّلَوَاتِ مَعَ ثُبُوتِهَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ وَكَذَلِكَ الطَّيِّبَاتُ مَعَ جَزْمِ جَمَاعَةٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْمُقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُوَ الثَّابِتُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَجَّهَ الْحَذْفَ بِكَوْنِهِمَا صِفَتَيْنِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبَحْثِ فِي ثُبُوتِ الْعَطْفِ فِيهِمَا فِي سِيَاقِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ . ( فَائِدَةٌ ) : قَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ : تَرْكُ الصَّلَاةِ يَضُرُّ بِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ، فَيَكُونُ مُقَصِّرًا بِخِدْمَةِ اللَّهِ وَفِي حَقِّ رَسُولِهِ وَفِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِذَلِكَ عُظِّمَتِ الْمَعْصِيَةُ بِتَرْكِهَا . وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ السُّبْكِيُّ أَنَّ فِي الصَّلَاةِ حَقًّا لِلْعِبَادِ مَعَ حَقِّ اللَّهِ ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهَا أَخَلَّ بِحَقِّ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ مَضَى وَمَنْ يَجِيءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لِوُجُوبِ قَوْلِهِ فِيهَا : السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ . ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ الْبَابِ فِي التَّشَهُّدِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، وَمَنْصُورٍ ، وَحَمَّادٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِيمَا أَرَى اهـ . وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اتَّصَلَتْ لَنَا هُنَا لَا عَنْ قَبِيصَةَ وَلَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ سَيْفٍ ، نَعَمْ هُوَ فِي الِاسْتِئْذَانِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ . بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب التَّشَهُّدِ فِي الْآخِرَةِ · ص 362 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب التشهد في الآخرة · ص 172 148 - باب التشهد في الآخرة يعني : في الجلسة الأخيرة في الصلاة 831 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : قال عبد الله : كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا : السلام على جبريل ومكائيل ، السلام على فلان السلام على فلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله عز وجل صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وإنما خص البخاري هذا الحديث بالتشهد الأخير ؛ لأنه روي في آخره الأمر بالتخيير من الدعاء ، كما سيأتي ، والدعاء يختص بالأخير ، ولكن المراد بالتشهد الأخير : كل تشهد يسلم منه ، سواء كان قبله تشهد آخر أم لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي حديث ابن مسعود بلفظ آخر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره ، وقال في آخره : ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ، فليدع به ربه عز وجل . وهذا اللفظ صريح في أنه يتشهد بهذا التشهد في كل ركعتين يسلم منهما . وخرجه الترمذي والنسائي - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول : التحيات لله فذكره ، ولم يذكر بعده الدعاء . وخرجه الإمام أحمد بلفظ ، وهو : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها ، وذكر الحديث ، وقد سبق ذكر إسناده ، وقال في آخره : ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده ، وإن كان في آخرها ، دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم . وهذه الرواية صريحة في أنه يتشهد به في التشهد الأول والآخر . وخرجه النسائي بلفظ آخر ، وهو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : قولوا في كل جلسة : التحيات لله فذكره . وهذا يشمل الجلوس الأول والثاني . وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو السلام إنما قاله نهيا لهم عن أن يقولوا : السلام على الله من عباده ، وكانوا يقولون ذلك ، ثم يسلمون على جبريل وميكائيل وغيرهما . وقد خرج البخاري في رواية أخرى ، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى . ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلوات التي قالوا فيها ذلك ، واستدل بذلك على أن كلام الجاهل لا يبطل الصلاة ؛ فإن هذا الكلام منهي عنه في الصلاة وغيرها ؛ فإن الله تعالى هو السلام ؛ لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها ، وذلك واجب له لذاته ، ومنه يطلب السلامة لعباده ؛ فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه . وفي قولهم هذا الكلام قبل أن يعلموا التحيات : دليل على أنهم رأوا أن المنصرف من صلاته لا ينصرف حتى يحيي الله تعالى وخواص عباده بعده ، ثم ينصرف ، ثم يسلم ؛ لأن المصلي يناجي ربه ما دام يصلي ، فلا ينصرف حتى يختم مناجاته بتحية تليق به ، ثم يحيي خواص خلقه ، ثم يدعو لنفسه ، ثم يسلم على الحاضرين معه ، ثم ينصرف . وقد أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما قصدوه من ذلك ، لكنه أمرهم أن يبدلوا قولهم : السلام على الله ، بقولهم : التحيات لله . والتحيات : جمع تحية ، وفسرت التحية بالملك ، وفسرت بالبقاء والدوام ، وفسرت بالسلامة ، والمعنى : أن السلامة من الآفات ثابت لله ، واجب له لذاته . وفسرت بالعظمة ، وقيل : إنها تجمع ذلك كله ، وما كان بمعناه ، وهو أحسن . قال ابن قتيبة : إنما قيل التحيات بالجمع ؛ لأنه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها ، فقيل لهم : قولوا : التحيات لله أي : أن ذلك يستحقه الله وحده . وقوله : والصلوات فسرت بالعبادات جميعها ، وقد روي عن طائفة من المتقدمين : أن جميع الطاعات صلاة ، وفسرت الصلوات هاهنا بالدعاء ، وفسرت بالرحمة ، وفسرت بالصلوات الشرعية ، فيكون ختام الصلاة بهذه الكلمة كاستفتاحها بقول : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقوله : والطيبات ، فسرت بالكلمات الطيبات ، كما في قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فالمعنى : إن ما كان من الكلام فإنه لله ، يثنى به عليه ويمجد به . وفسرت الطيبات بالأعمال الصالحة كلها ؛ فإنها توصف بالطيب ، فتكون كلها لله بمعنى : أنه يعبد بها ويتقرب بها إليه . فهذا جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بدل قوله : السلام على الله . وأما سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق ، فأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذكر السلام ؛ لأن الخلق كلهم يطلب السلام من الله . وفي تفسير السلام على فلان قولان : أحدهما : أن المراد بالسلام اسم الله - يعني : فكأنه يقول : اسم الله عليك . والثاني : أن المراد : سلم الله عليك تسليما وسلاما ، ومن سلم الله عليه ، فقد سلم من الآفات كلها . ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداء ؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم ، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق ؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان على يديه بتعليمه وإرشاده - صلى الله عليه وسلم - تسليما ، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته . والسلام على النبي بلفظ : السلام عليك أيها النبي ، وهكذا في سائر الروايات ؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة . وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - : السلام على النبي ، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من كتابه أنهم كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في التشهد كذلك ، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة . ثم عطف على ذكر السلام على النبي : ورحمة الله وبركاته ، وهذا مطابق لقول الملائكة لإبراهيم عليه السلام : رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت . ويستدل بذلك على جواز الدعاء بالرحمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه اختلاف بين العلماء . ثم أمرهم بعد ذلك بأن يقولوا : السلام علينا والضمير عائد على المصلي نفسه ، وعلى من حضره من الملائكة والمصلين وغيرهم . وفي هذا مستند لمن استحب لمن يدعو لغيره أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبله ، وهو قول علماء الكوفة ، وخالفهم آخرون ، وقد أطال الاستدلال لذلك في كتاب الدعاء من صحيحه هذا ، ويأتي - إن شاء الله تعالى - في موضعه ، بتوفيق الله وعونه . وقوله : وعلى عباد الله الصالحين هو كما قال صلى الله عليه وسلم : فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض . فيغني ذلك عن تعيين أسمائهم ؛ فإن حصرهم لا يمكن ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم . وقد خرج النسائي حديث ابن مسعود في التشهد ، ولفظه : قال عبد الله : كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا ، فعلمنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم : التحيات لله - فذكره . وفي رواية أخرى له : كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم علم فواتح الكلم وخواتمه ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره . ثم أمرهم أن يختموه بالشهادتين ، فيشهدون لله بتفرده بالإلهية ، ويشهدون لمحمد بالعبودية والرسالة ؛ فإن مقام العبودية أشرف مقامات الخلق ؛ ولهذا سمى الله محمدا صلى الله عليه وسلم في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية ، كما قال تعالى في صفة ليلة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ وقال : فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى وقال في حقه في مقام الدعوة : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ولهذا المعنى لما سلم على الصالحين في هذا التشهد سماهم : عباد الله ، والصالحون هم القائمون بما لله عليهم من الحقوق له ولخلقه ، وإنما سمي التشهد تشهدا لختمه بالشهادتين . ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود ، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد من روايات أخر فيها بعض المخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص ، وقد خرج مسلم منها حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وإسحاق . وحديث أبي موسى فيه : التحيات الطيبات الصلوات لله ، وباقيه كتشهد ابن مسعود . وحديث ابن عباس فيه : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود ، غير أن في آخره : وأشهد أن محمدا رسول الله . وكل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشهدات ، فإنه يصح الصلاة به ، حكى طائفة الإجماع على ذلك ، لكن اختلفوا في أفضل التشهدات : فذهب الأكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود ، وتفضيله ، والأخذ به . وقد روى ابن عمر ، أن أبا بكر الصديق كان يعلمهم على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب ، ثم ذكره بمثل تشهد ابن مسعود . خرجه ابن أبي شيبة . وروي - أيضا - نحوه عن أبي سعيد الخدري وغيره ، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة ، من التابعين ومن بعدهم . قال أبو إسحاق ، عن الأسود : رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله ، كما يتعلم السورة من القرآن . وقال إبراهيم ، عن الأسود : كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن ، يأخذ علينا الألف والواو . وقال إبراهيم : كانوا يتحفظون هذا التشهد - تشهد عبد الله - ويتبعونه حرفا حرفا . خرجه ابن أبي شيبة وغيره . وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، وأنه قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وحكاه ابن المنذر ، عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق . وحكاه ابن عبد البر عن أكثر أهل الحديث . وروي عن خصيف قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت : يا رسول الله ، اختلف علينا في التشهد : فقال : عليك بتشهد ابن مسعود . وقد نص أحمد على أنه لو تشهد بغيره بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزئه . وذكر القاضي أبو يعلى : أن كلام أحمد في التشهد بما روي عن الصحابة ، كعمر أو غيره : هل يجزئ أو لا ؟ - محتمل ، والأظهر : أنه يجزئ . وقد روي عن علي وابن عمر وعائشة تشهدات أخر . وقد نص إسحاق على جواز التشهد بذلك كله - : نقله حرب . ومن أصحابنا من قال : يجب التشهد بتشهد ابن مسعود ، ولا يجزئ أن يسقط منه واوا ولا ألفا . وهذا خلاف أحمد . والمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنوع التشهدات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نص عليه أحمد . وقال طائفة ، منهم : القاضي أبو يعلى في كتابه الجامع الكبير : إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته ، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح . وقيل لأحمد : لو قال في تشهده : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله : هل يجزئه ؟ قال : أرجو . وقد ورد مثل ذلك في بعض روايات حديث أبي موسى ، وهو في بعض نسخ صحيح مسلم ، وهي رواية لأبي داود والنسائي . والأفضل عند الشافعي : التشهد بتشهد ابن عباس ، الذي نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجه مسلم ، وهو قول الليث بن سعد . والأفضل عند مالك تشهد عمر بن الخطاب ، وقد ذكره في الموطأ موقوفا على عمر ، أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول : قولوا : التحيات لله ، الزاكيات لله ، الصلوات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود . وإليه ذهب الزهري ومعمر . وقد روي عن عمر مرفوعا من وجوه لا تثبت ، والله أعلم . وطائفة من علماء الأندلس اختاروا تشهد ابن مسعود ، وكان يقال عنه : إنه لم يكن بالأندلس من اجتمع له علم الحديث والفقه أحد قبله مثله . وقد روي من حديث سلمان الفارسي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد حرفا حرفا - فذكر مثل حديث تشهد ابن مسعود سواء ، قال : ثم قال : قلها يا سلمان في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفا ، ولا تنتقص منها حرفا . خرجه البزار في مسنده . وفي إسناده ضعف . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب التشهد في الآخرة · ص 109 ( باب التشهد في الآخرة ) أي هذا باب في بيان التشهد في الجلسة الأخيرة . 217 - حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة قال : قال عبد الله : كنا إذا صلينا خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قلنا : السلام على جبريل وميكائيل ، السلام على فلان وفلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . مطابقته للترجمة لا تتأتى إلا باعتبار تمام هذا الحديث فإنه أخرج تمامه في باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وهو قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في آخر الحديث : " ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو " ومعلوم أن محل الدعاء في آخر الصلاة ، ومعلوم أن الدعاء لا يكون إلا بعد التشهد ، ويعلم من ذلك أن المراد من قوله : " فليقل : التحيات لله " إلى آخره هو التشهد في آخر الصلاة ، فحينئذ طابق الحديث الترجمة بهذا الاعتبار ، لا باعتبار ما قاله ابن رشيد ؛ فإنه قال : ليس في حديث الباب تعيين محل القول ، لكن يؤخذ ذلك من قوله " فإذا صلى أحدكم فليقل " فإن ظاهر قوله : " إذا صلى " أي أتم صلاته ، لكن تعذر الحمل على الحقيقة ؛ لأن التشهد لا يكون إلا بعد السلام ، فلما تعين المجاز كان حمله على آخر جزء من الصلاة أولى ؛ لأنه هو الأقرب إلى الحقيقة . انتهى . ( قلت ) : لا نسلم تعذر الحمل على الحقيقة ، فإن حقيقة تمام الصلاة بالجلوس في آخرها لا بالسلام ، حتى إذا خرج بعد جلوسه مقدار التشهد من غير السلام لا تفسد صلاته ؛ لأن السلام محلل ، وما دام المصلي في الجلوس في آخر الصلاة فهو في حرمة الصلاة ، والسلام يخرجه عن هذه الحرمة ، فحينئذ يكون معنى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فإذا صلى أحدكم " أي فإذا أتم صلاته بالجلوس في آخر الثنائية أو في آخر الثلاثية أو في آخر الرباعية ، فليقل : التحيات لله إلى آخره فدل على أن التشهد في آخر الصلاة واجب لقوله : " فليقل " ؛ لأن مقتضى الأمر الوجوب . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة قد ذكروا غير مرة ، وأبو نعيم هو الفضل بن دكين ، والأعمش هو سليمان ، وعبد الله هو ابن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه عن شقيق ، وفي رواية يحيى التي تأتي بعد باب " عن الأعمش حدثني شقيق " ورجال الإسناد كلهم كوفيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن قبيصة ، عن سفيان . وعن مسدد ، عن يحيى . وعن عمرو بن حفص بن غياث ، عن أبيه . وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية . وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد ، عن يحيى . وأخرجه الترمذي ، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم وعمرو بن علي . وعن سعيد بن عبد الرحمن . وعن بشر بن خالد ، وفيه : وفي النعوت ، عن قتيبة ، وفي التفسير ، عن قتيبة أيضا . وأخرجه ابن ماجه في الصلاة ، عن أبي بكر بن خلاد . وعن محمد بن عبد الله بن نمير . وعن محمد بن يحيى الزهري . ( ذكر معناه ) : قوله : " كنا إذا صلينا " ، وفي رواية يحيى الآتية " كنا إذا كنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة " ، وفي رواية أبي داود ، عن مسدد شيخ البخاري ، عن الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : " كنا إذا جلسنا مع َرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الصلاة " الحديث ، ومثله للإسماعيلي من رواية محمد بن خلاد ، عن يحيى . قوله : " قلنا : السلام على جبريل " ، وفي رواية أبي داود " قلنا : السلام على الله قبل عباده " ، وكذا وقع للبخاري في الاستئذان من طريق حفص بن غياث ، عن الأعمش . وفي جبريل سبع لغات : الأولى : على وزن تغشليل ، الثانية : جبرئل بحذف الياء ، الثالثة : جبريل بحذف الهمزة ، الرابعة : بوزن قنديل ، الخامسة : جبرءل بلام مشددة ، السادسة : جبرائيل بوزن جبراعيل ، السابعة : جبرائل بوزن جبراعل ، ومعناه عبد الله ، ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة . وفي ميكائيل خمس لغات : الأولى : ميكال بوزن قنطار ، الثانية : ميكائيل بوزن ميكاعيل ، الثالثة : ميكائل بوزن ميكاعل ، الرابعة : ميكئل بوزن ميكعل ، الخامسة : ميكئيل بوزن ميكعيل . قال ابن جني : العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه . قوله : " السلام على فلان وفلان " ، وفي رواية ابن ماجه عن عبد الله بن نمير ، عن الأعمش " يعنون الملائكة " ، وفي رواية الإسماعيلي ، عن علي بن مسهر " فنعد الملائكة " ، وفي رواية السراج ، عن محمد بن فضيل ، عن الأعمش " فنعد من الملائكة ما شاء الله " . قوله : " فالتفت إلينا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ظاهره أنه كلمهم بذلك في أثناء الصلاة ، وكذا وقع في رواية حصين ، عن أبي وائل - وهو شقيق - عند البخاري في أواخر الصلاة بلفظ : " فسمعه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال : قولوا " ، ولكن بين حفص بن غياث في روايته المحل الذي خاطبهم بذلك فيه ، وأنه بعد الفراغ من الصلاة ، ولفظه : " فلما انصرف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقبل علينا بوجهه " ، وفي رواية عيسى بن يونس أيضا " فلما انصرف من الصلاة قال " . قوله : " إن الله هو السلام " قال الكرماني : ( فإن قلت ) : هذا إنما يصح ردا عليهم لو قال : السلام على الله . ( قلت ) : هذا الحديث مختصر مما سيأتي في باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وقال فيه : " قلنا : السلام على الله فقال : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام " وحاصله أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنكر التسليم على الله وعلمهم أن ما يقولونه عكس ما يجب أن يقال : فإن كل سلامة ورحمة له ، ومنه ، وهو مالكها ومعطيها ، وقال الخطابي : المراد أن الله هو ذو السلام ، فلا تقولوا : السلام على الله ، فإن السلام منه بدئ وإليه يعود . ومرجع الأمر في إضافة السلام إليه أنه ذو السلام من كل نقص وآفة وعيب ، ويحتمل أن يكون مرجعها إلى حظ العبد فيما يطلبه من السلامة ، عن الآفات والمهالك ، وقال النووي : معناه أن السلام اسم من أسماء الله تعالى يعني السالم من النقائص ، وقيل : المسلم أولياءه ، وقيل : المسلم عليهم ، وقال ابن الأنباري : أمرهم أن يصرفوه إلى الخلق ؛ لحاجتهم إلى السلامة ، وغناه سبحانه وتعالى عنها . قوله : " فإذا صلى أحدكم فليقل " بين حفص بن غياث في روايته محل القول ، ولفظه : " فإذا جلس أحدكم في الصلاة " ، وفي رواية حصين عن أبي وائل " إذا قعد أحدكم في الصلاة " ، وفي رواية النسائي من طريق أبي الأحوص ، عن عبد الله " كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، وإن محمدا علم فواتح الخير وخواتمه ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا " وللنسائي من طريق الأسود ، عن عبد الله " فقولوا في كل جلسة " ، وفي رواية ابن خزيمة من وجه آخر ، عن الأسود ، عن عبد الله " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وسط الصلاة وفي آخرها " وزاد الطحاوي من هذا الوجه في أوله " أخذت التشهد من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولقننيه كلمة كلمة " ، وفي رواية أخرى للبخاري في الاستئذان من طريق أبي معمر ، عن ابن مسعود " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد وكفي بين كفيه ، كما يعلمني السورة من القرآن " . قوله : " التحيات " جمع تحية ، ومعناه السلام ، وقيل : البقاء ، وقيل : العظمة ، وقيل : السلامة من الآفات والنقص ، وقيل : الملك ، وقال الخطابي : التحيات كلمات مخصوصة كانت العرب تحيي بها الملوك ، نحو قولهم : أبيت اللعن ، وقولهم : أنعم الله صباحا ، وقول العجم : وزى ده هزار سأل ، أي عش عشرة آلاف سنة ، ونحوها من عاداتهم في تحية الملوك عند الملاقاة ، وهذه الألفاظ لا يصلح شيء منها للثناء على الله تعالى ، فتركت أعيان تلك الألفاظ واستعمل منها معنى التعظيم ، فقيل : قولوا : التحيات لله أي أنواع التعظيم لله ، كما يستحقه . وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه في أسماء الله تعالى السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الأحد الصمد ، قال : التحيات لله بهذه الأسماء ، وهي الطيبات لا يحيى بها غيره ، واللام في لله لام الملك والتخصيص ، وهي للأول أبلغ ، وللثاني أحسن . قوله : " والصلوات " هي الصلوات المعروفة وهي الخمسة وغيرها ، وقال الأزهري : الصلوات العبادات ، وقال الشيخ تقي الدين : يحتمل أن يراد بها الصلوات المعهودة ، ويكون التقدير أنها واجبة لله تعالى ، ولا يجوز أن يقصد بها غيره ، أو يكون ذلك إخبارا عن قصد إخلاصنا الصلوات له أي صلواتنا مخلصة له لا لغيره ، ويجوز أن يراد بالصلوات الرحمة ، ويكون معنى قوله : " لله " أي المتفضل بها والمعطي هو الله ؛ لأن الرحمة التامة لله لا لغيره . قوله : " والطيبات " أي الكلمات الطيبات مما طاب من الكلام وحسن أن يثنى به على الله تعالى دون ما لا يليق بصفاته ، وقال الشيخ تقي الدين : وأما الطيبات فقد فسرت بالأقوال الطيبات ، ولعل تفسيرها بما هو أعم أولى أعني الطيبات من الأفعال والأقوال والأوصاف ، وطيب الأوصاف كونها صفة الكمال وخلوصها عن شوب النقص ، وقال الشيخ حافظ الدين النسفي رحمه الله : التحيات العبادات القولية ، والصلوات العبادات الفعلية ، والطيبات العبادات المالية ، وقال البيضاوي : " والصلوات والطيبات " بحرف العطف يحتمل أن يكونا معطوفين على التحيات ، وأن تكون الصلوات مبتدأ وخبره محذوف يدل عليه " عليك " ، والطيبات معطوفة عليها ، والواو الأولى لعطف الجملة على الجملة ، والثانية لعطف المفرد على المفرد ، وفي حديث ابن عباس لم يذكر العاطف أصلا . انتهى . ( قلت ) : كل واحدة من الصلوات والطيبات مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : والصلوات لله والطيبات لله ، فتكون هاتان الجملتان معطوفتين على الجملة الأولى ، وهي التحيات لله . قوله : " السلام عليك أيها النبي " قال النووي : يجوز في السلام في الموضعين حذف اللام وإثباتها ، والإثبات أفضل . ( قلت ) : لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، فإن كان مراده من الجواز من جهة العربية فله وجه ، وإن كان من جهة مراعاة لفظ النبي فلا وجه له ، نعم اختلف في حديث ابن عباس ، وهو من أفراد مسلم ، وقال الطيبي : أصل " سلام عليك " سلمت سلاما عليك ، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وعدل عن النصب إلى الرفع للابتداء ؛ للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره ، وقال التوربشتي : السلام بمعنى السلامة ، كالمقام والمقامة ، والسلام اسم من أسماء الله تعالى ، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة ، والمعنى أنه سلام من كل عيب وآفة ونقص وفساد ، ومعنى قولنا " السلام عليك " الدعاء أي سلمت من المكاره ، وقيل : معناه اسم السلام عليك كأنه يتبرك عليه باسم الله عز وجل . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في العدول عن الغيبة إلى الخطاب في قوله : " عليك أيها النبي " مع أن لفظ الغيبة هو الذي يقتضيه السياق ، كأن يقول : السلام على النبي ، فينتقل من تحية الله إلى تحية النبي ، ثم إلى تحية النفس ، ثم إلى تحية الصالحين . ( قلت ) : أجاب الطيبي بما محصله : نحن نتبع لفظ الرسول بعينه الذي علمه للصحابة ، ويحتمل أن يقال على طريقة أهل العرفان : إن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حريم الحي الذي لا يموت ، فقرت أعينهم بالمناجاة ، فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة متابعته ، فإذا التفتوا فإذا الحبيب في حرم الحبيب حاضر ، فأقبلوا عليه قائلين : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . ( فإن قلت ) : ما الألف واللام في " السلام عليك " ؟ ( قلت ) : قال الطيبي : إما للعهد التقديري أي ذلك السلام - الذي وجه إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدمة - موجه إليك أيها النبي ، والسلام الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء علينا وعلى إخواننا . وإما للجنس أي حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه ما هو وعمن يصدر ، وعلى من ينزل عليك وعلينا . وإما للعهد الخارجي إشارة إلى قول الله تعالى : وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى وقال الشيخ حافظ الدين النسفي : يعني السلام الذي سلم الله عليك ليلة المعراج . ( قلت ) : فعلى هذا تكون الألف واللام فيه للعهد . ( فإن قلت ) : لم عدل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة ، مع أن الوصف بالرسالة أعم في حق البشر ؟ ( قلت ) : الحكمة في ذلك أن يجمع له الوصفين لكونه وصفه بالرسالة في آخر التشهد ، وإن كان الرسول البشري يستلزم النبوة ، لكن التصريح بها أبلغ ، وقيل : الحكمة في تقديم الوصف بالنبوة أنها كذلك وجدت في الخارج ؛ لنزول قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ قبل قوله : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ قوله : " ورحمة الله " الرحمة عبارة عن إنعامه عليه ، وهو المعنى الغائي ؛ لأن معناها اللغوي الحنو والعطف ، فلا يجوز أن يوصف الله به . قوله : " وبركاته " جمع بركة ، وهو الخير الكثير من كل شيء ، واشتقاقه من البرك ، وهو صدر البعير ، وبرك البعير ألقى بركه ، واعتبر منه معنى اللزوم ، وسمي محبس الماء بركة للزوم الماء فيها ، وقال الطيبي : البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ؛ سمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة ، والمبارك ما فيه ذلك الخير ، وقال تعالى : وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ تنبيها على ما تفيض منه الخيرات الإلهية ، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس ، وعلى وجه لا يحصى قيل لكل ما يشاهد فيه زيادة غير محسوسة : هو مبارك أو فيه بركة . قوله : " السلام علينا " أراد بها الحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة عليهم الصلاة والسلام . قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله تعالى وحقوق العباد ، والصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله ، كما أن الفساد ضده ، ولا يحصل الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة ؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات ، لكن لا تخلو من شائبة فساد وخلل ، ولا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصا لزمرة الأنبياء ؛ لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا لمن فاز بالقدح المعلى ، ونال المقام الأسنى ، ومن ثم كانت هذه المرتبة مطلوبة للأنبياء والمرسلين قال الله تعالى في حق الخليل : وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وحكى عن يوسف عليه الصلاة والسلام أنه دعا بقوله : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ذَلِكَ قوله : " فإنكم إذا قلتموها " إلى قوله : " والأرض " جملة معترضة بين قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " وبين قوله : " أشهد أن لا إله إلا الله " والضمير المنصوب في قلتموها يرجع إلى قوله : " وعلى عباد الله الصالحين " . وفائدة هذه الجملة المعترضة الاهتمام بها ؛ لكونه أنكر عليهم عد الملائكة واحدا واحدا ، ولا يمكن استيعابهم لهم مع ذلك ، فعلمهم لفظا يشمل الجميع مع غير الملائكة من النبيين والمرسلين والصديقين وغيرهم بغير مشقة ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقد وردت هذه الجملة في بعض الطرق في آخر الكلام بعد سياق التشهد متواليا ، والظاهر أنه من تصرف الرواة ، والله أعلم . قوله : " في السماء والأرض " ، وفي رواية مسدد ، عن يحيى " أو بين السماء والأرض " والشك فيه من مسدد ، وفي رواية الإسماعيلي بلفظ " من أهل السماء والأرض " . قوله : " أشهد أن لا إله إلا الله " زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة ، عن أبيه " وحده لا شريك له " وسند ضعيف ، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم ، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ ، وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عند الدارقطني ، إلا أن سنده ضعيف ، وقد روى أبو داود من وجه آخر صحيح عن ابن عمر في التشهد " أشهد أن لا إله إلا الله " قال ابن عمر : زدت فيها " وحده لا شريك له " ، وهذا ظاهره الوقف . قوله : " وأشهد أن محمدا عبد ورسوله " قال أهل اللغة : يقال : رجل محمد ومحمود إذا كثرت خصاله المحمودة ، وقال ابن الفارس : وبذلك سمي نبينا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - محمدا ، يعني لعلم الله تعالى بكثرة خصاله المحمودة . ( قلت ) : الفرق بين محمد وأحمد أن محمدا مفعل للتكثير ، وأحمد أفعل التفضيل ، والمعنى إذا حمدني أحد فأنت أحمد منهم ، وإذا حمدت أحدا فأنت محمد ، والعبد الإنسان حرا كان أو رقيقا ، يذهب فيه إلى أنه مربوب لباريه عز وجل ، وجمعه أعبد وعبيد وعباد وعبد وعبدان وعبدان وأعابد - جمع أعبد - والعبدى والعبدي والعبوداء والعبدة أسماء الجمع ، وجعل بعضهم العباد لله وغيره من الجمع لله وللمخلوقين ، وخص بهم بالعبدى العبيد الذين ولدوا في الملك ، والأنثى عبدة ، والعبدل العبد ، ولامه زائدة . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه : الأول : فيما ورد من الاختلاف في ألفاظ التشهد روي في هذا الباب عن ابن مسعود وابن عباس وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعائشة وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري ومعاوية وسلمان وسمرة وأبي حميد . أما حديث ابن مسعود فقد رواه الستة عنه ، ولفظ مسلم " قال : علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد كفي بين كفيه ، كما يعلمني السورة من القرآن ، فقال : إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإذا قالها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . انتهى . زادوا في رواية إلا الترمذي وابن ماجه " ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به " . وأما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأخرجه الجماعة - إلا البخاري - عن سعيد ابن جبير وطاوس ، عن ابن عباس قال : " كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد ، كما يعلمنا السورة من القرآن ، وكان يقول : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأما حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطحاوي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : حدثنا عبد الله بن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث ومالك بن أنس أن ابن شهاب حدثهما عن عروة بن الزبير " عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يعلم الناس التشهد على المنبر ، وهو يقول : قولوا : التحيات لله الزاكيات لله والصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما . ( قلت ) : هذا موقوف . ورواه أبو بكر بن مردويه في كتاب التشهد له مرفوعا . وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه أبو داود ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، سمعت مجاهدا يحدث عن ابن عمر ، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد " التحيات لله ، الصلوات الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته - قال ابن عمر : زدت فيها : وحده لا شريك له - وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأخرجه الدارقطني ، عن ابن أبي داود ، عن نصر بن علي ، وقال : إسناده صحيح . وأخرجه الطبراني في الكبير ، حدثنا أبو مسلم الكشي ، حدثنا سهل بن بكار ، حدثنا أبان بن يزيد عن قتادة ، عن عبد الله بن بابي " عن ابن عمر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد : التحيات الطيبات ، الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأخرجه الطحاوي ، ولفظه : " التحيات لله ، الصلوات الطيبات ، السلام عليك أيها النبي ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " إلا أن يحيى زاد في حديثه " قال ابن عمر : زدت فيها : وبركاته ، وزدت فيها : وحده لا شريك له " ويحيى بن إسماعيل البغدادي أحد مشايخ الطحاوي . وأخرجه البزار مرفوعا أيضا . وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فأخرجه البيهقي في سننه ، عن القاسم عنها " قالت : هذا تشهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التحيات لله " إلى آخره ، وفي رواية عنها " أنها كانت تقول في التشهد في الصلاة في وسطها ، وفي آخرها قولا واحدا : بسم الله ، التحيات لله ، الصلوات لله ، الزاكيات لله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا . ويعده لنا بيديه عد العرب " . وأما حديث عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما فرواه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، سمعت أبا الورد ، سمعت عبد الله بن الزبير يقول : إن تشهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بسم الله ، وبالله خير الأسماء ، التحيات لله ، الصلوات الطيبات ، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، اللهم اغفر لي واهدني هذا في الركعتين الأوليين " ، قال الطبراني : تفرد به ابن لهيعة . ( قلت ) : فيه مقال . وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه النسائي وابن ماجه والترمذي في العلل والحاكم من حديث أيمن بن نائل ، حدثنا أبو الزبير عن جابر قال : " كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد ، كما يعلمنا السورة من القرآن : بسم الله وبالله التحيات لله والصلوات والطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أسأل الله الجنة ، وأعوذ بالله من النار " وصححه الحاكم ، وقال النووي في الخلاصة : وهو مردود فقد ضعفه جماعة من الحفاظ هم أجل من الحاكم وأتقن ، وممن ضعفه البخاري والترمذي والنسائي والبيهقي ، قال الترمذي : سألت البخاري عنه فقال : هو خطأ . وأما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطحاوي من حديث أبي المتوكل عنه قال : " كنا نتعلم التشهد ، كما نتعلم السورة من القرآن " ، ثم ذكر مثل تشهد ابن مسعود . وأما حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني مطولا ، وفيه : " فإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم أن يقول : التحيات الطيبات الصلوات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله " . وأخرجه أحمد ولم يقل : " وبركاته " ، ولا قال : " وأشهد " قال : " وأن محمدا " . وأما حديث معاوية رضي الله تعالى عنه فأخرجه الطبراني عنه " أنه كان يعلم الناس التشهد وهو على المنبر ، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : التحيات لله والصلوات والطيبات " إلى آخره ، مثل حديث ابن مسعود . وأما حديث سلمان رضي الله تعالى عنه فأخرجه البزار في مسنده والطبراني في معجمه ، أخرجاه عن سلمة بن الصلت ، عن عمرو بن يزيد الأزدي ، عن أبي راشد قال : " سألت سلمان الفارسي عن التشهد فقال : أعلمكم كما علمنيهن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ التحيات لله والصلوات والطيبات " إلى آخره ، مثل حديث ابن مسعود ، لكن زاد " لله " بعد " الطيبات " ، وقال في آخره : " قلها في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفا ، ولا تنقص منها حرفا " وإسناده ضعيف . وأما حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه فأخرجه أبو داود ، ولفظه : " قولوا : التحيات لله الطيبات والصلوات والملك لله ، ثم سلموا على النبي وسلموا على أقاربكم ، وعلى أنفسكم " وإسناده ضعيف قاله بعضهم ، وليس كذلك ، بل صحيح على شرط ابن حبان . وأما حديث أبي حميد فأخرجه الطبراني ، مثل حديث ابن مسعود ، ولكن زاد " الزاكيات لله " بعد " الطيبات " وأسقط واو " الطيبات " وإسناده ضعيف . وفي الباب عن الحسين بن علي وطلحة بن عبيد الله وأنس وأبي هريرة والفضل ابن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهم قالوا : جملة من روى في التشهد من الصحابة أربعة وعشرون صحابيا . ( الوجه الثاني ) في ترجيح تشهد ابن مسعود رضي الله تعالى عنه على جميع روايات غيره : قال الترمذي : أصح حديث عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد حديث ابن مسعود ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، ثم أخرج عن معمر ، عن خصيف قال : " رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المنام ، فقلت له : إن الناس قد اختلفوا في التشهد ، فقال : عليك بتشهد ابن مسعود " وأخرج الطبراني في معجمه عن بشير بن المهاجر ، عن أبي بريدة ، عن أبيه قال : " ما سمعت في التشهد أحسن من حديث ابن مسعود ، وذلك أنه رفعه إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، وقال الخطابي : أصح الروايات وأشهرها رجالا تشهد ابن مسعود ، وقال ابن المنذر وأبو علي الطوسي : قد روي حديث ابن مسعود من غير وجه ، وهو أصح حديث روي في التشهد عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال أبو عمر : بتشهد ابن مسعود أخذ أكثر أهل العلم ؛ لثبوت فعله عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال علي بن المديني : لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن ابن مسعود ، وأهل البصرة عن أبي موسى ، وبنحوه قاله ابن طاهر ، وقال النووي : أشدها صحة باتفاق المحدثين حديث ابن مسعود ، ثم حديث ابن عباس ، وقال البزار : أصح حديث في التشهد حديث ابن مسعود . وروي عنه من نيف وعشرين طريقا ، ثم سرد أكثرها قال : ولا أعلم في التشهد أثبت منه ، ولا أصح أسانيد ، ولا أشهر رجالا . ( قلت ) : هذا الطحاوي الجهبذ أخرج حديث ابن مسعود في كتابه شرح معاني آثار من اثني عشر طريقا ، وسرد الجميع ، ثم قال في آخر الباب : فلهذا الذي ذكرنا استحسنا ما روي عن عبد الله بتشديده في ذلك ولإجماعهم عليه ؛ إذ كانوا قد اتفقوا على أنه لا ينبغي أن يتشهد إلا بخاص من التشهد ، يعني كلهم اتفقوا على أن التشهد لا يكون إلا بألفاظ مخصوصة ، ولا يكون بأي لفظ كان ، فإذا كان كذلك فالمتفق عليه أولى من المختلف فيه ، فصار كونه متفقا عليه دون غيره من مرجحاته ؛ لأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره ، وإن ابن مسعود تلقاه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلقيا ، فروى الطحاوي من طريق الأسود بن يزيد عنه قال : " أخذت التشهد من في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ولقننيه كلمة كلمة " ، وفي رواية أبي معمر عنه " علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد وكفي بين كفيه " ، ومن المرجحات ثبوت الواو في " الصلوات والطيبات " وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فتكون كل جملة ثناء مستقلا ، بخلاف ما إذا حذفت فإنها تكون صفة لما قبلها ، وتعدد الثناء في الأول صريح فيكون أولى ، ولو قيل : إن الواو مقدرة في الثاني . ومنها أنه ورد بصيغة الأمر بخلاف غيره فإنه مجرد حكاية . ومنها أن في رواية أحمد " أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس " ، ولم ينقل ذلك لغيره ففيه دليل على مزيته ، وقال الكرماني : ذهب الشافعي إلى أن تشهد ابن عباس أفضل ؛ لزيادة لفظة " المباركات " فيه ، وهي موافقة لقول الله تعالى : تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً وقال مالك : تشهد عمر بن الخطاب أفضل ؛ لأنه علمه الناس على المنبر ، ولم ينازعه أحد فدل على تفضيله . ( قلت ) : وذهب بعضهم إلى عدم الترجيح ، منهم ابن خزيمة . والجواب عن ترجيح الشافعي حديث ابن عباس بالزيادة - أنها مختلف فيها ، وحديث ابن مسعود متفق عليه ، كما ذكرنا ، وحديث ابن عباس مذكور معدود في أفراد مسلم ، وأعلى درجة الصحيح عند الحفاظ ما اتفق عليه الشيخان ، ولو في أصله ، فكيف إذا اتفقا على لفظه ؟ فلم يكن ما ذكره سببا للترجيح على أن ابن مسعود قد أنكر على من زاد على ما رواه من لفظ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وكونه موافقا لما في القرآن وجه من الترجيح ، فلا يفضل بذلك على الذي له وجوه من الترجيح . والجواب عن ترجيح مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه - أنه موقوف عليه ، فلا يلحق المرفوع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال برهان الدين صاحب الهداية : الأخذ بتشهد ابن مسعود أولى ؛ لأن فيه الأمر ، وأقله الاستحباب ، والألف واللام وهما للاستغراق ، وزيادة الواو لتجديد الكلام ، كما في القسم وتأكيد التعليم ، ومما روي في إنكار الزيادة ما رواه الطبراني في الأوسط من حديث العلاء بن المسيب ، عن أبيه قال : كان ابن مسعود يعلم رجلا التشهد فقال عبد الله : أشهد أن لا إله إلا الله فقال الرجل : وحده لا شريك له ، فقال عبد الله : هو كذلك ، ولكن ينتهى إلى ما علمنا ، وفي رواية البزار : فقال عبد الله : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل : وأن محمدا عبده ورسوله فأعادها عليه عبد الله مرارا ، كل ذلك يقول : وأشهد أن محمدا عبده ورسوله والرجل يقول : وأن محمدا عبده ورسوله ، فقال عبد الله : كذا علمنا ، وقال ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا وكيع عن إسحاق بن يحيى ، عن المسيب بن رافع ، سمع ابن مسعود رجلا يقول في التشهد : بسم الله ، فقال : إنما يقال هذا على الطعام . ( الوجه الثالث ) في التشهد هل هو واجب أم سنة ؟ فقال الشافعي وطائفة : التشهد الأول سنة ، والآخر واجب ، وقال جمهور المحدثين : هما واجبان ، وقال أحمد : الأول واجب والثاني فرض ، وقد استوفينا الكلام فيه في باب من لم ير التشهد الأول واجبا . ( الوجه الرابع ) في أن السنة في التشهد الإخفاء لما روى الترمذي بإسناده إلى عبد الله بن مسعود من السنة أن يخفي التشهد ، وقال حسن غريب ، وعند الحاكم عن عبد الله : من السنة أن يخفي التشهد ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، وأخرج ابن خزيمة في صحيحه ، عن عائشة قالت : نزلت هذه الآية في التشهد وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم .