باب التشهد في الآخرة
باب التشهد في الآخرة يعني : في الجلسة الأخيرة في الصلاة 831 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، قال : قال عبد الله : كنا إذا صلينا خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا : السلام على جبريل ومكائيل ، السلام على فلان السلام على فلان ، فالتفت إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله هو السلام ، فإذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله عز وجل صالح في السماء والأرض ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وإنما خص البخاري هذا الحديث بالتشهد الأخير ؛ لأنه روي في آخره الأمر بالتخيير من الدعاء ، كما سيأتي ، والدعاء يختص بالأخير ، ولكن المراد بالتشهد الأخير : كل تشهد يسلم منه ، سواء كان قبله تشهد آخر أم لا . وخرج الإمام أحمد والنسائي حديث ابن مسعود بلفظ آخر ، وهو : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره ، وقال في آخره : ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ، فليدع به ربه عز وجل .
وهذا اللفظ صريح في أنه يتشهد بهذا التشهد في كل ركعتين يسلم منهما . وخرجه الترمذي والنسائي - أيضا - بلفظ آخر ، وهو : علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قعدنا في الركعتين أن نقول : التحيات لله فذكره ، ولم يذكر بعده الدعاء . وخرجه الإمام أحمد بلفظ ، وهو : علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها ، وذكر الحديث ، وقد سبق ذكر إسناده ، وقال في آخره : ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده ، وإن كان في آخرها ، دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم .
وهذه الرواية صريحة في أنه يتشهد به في التشهد الأول والآخر . وخرجه النسائي بلفظ آخر ، وهو : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : قولوا في كل جلسة : التحيات لله فذكره . وهذا يشمل الجلوس الأول والثاني .
وقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله هو السلام إنما قاله نهيا لهم عن أن يقولوا : السلام على الله من عباده ، وكانوا يقولون ذلك ، ثم يسلمون على جبريل وميكائيل وغيرهما . وقد خرج البخاري في رواية أخرى ، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى . ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الصلوات التي قالوا فيها ذلك ، واستدل بذلك على أن كلام الجاهل لا يبطل الصلاة ؛ فإن هذا الكلام منهي عنه في الصلاة وغيرها ؛ فإن الله تعالى هو السلام ؛ لأنه القدوس المبرأ من الآفات والنقائص كلها ، وذلك واجب له لذاته ، ومنه يطلب السلامة لعباده ؛ فإنهم محتاجون إلى السلامة من عقابه وسخطه وعذابه .
وفي قولهم هذا الكلام قبل أن يعلموا التحيات : دليل على أنهم رأوا أن المنصرف من صلاته لا ينصرف حتى يحيي الله تعالى وخواص عباده بعده ، ثم ينصرف ، ثم يسلم ؛ لأن المصلي يناجي ربه ما دام يصلي ، فلا ينصرف حتى يختم مناجاته بتحية تليق به ، ثم يحيي خواص خلقه ، ثم يدعو لنفسه ، ثم يسلم على الحاضرين معه ، ثم ينصرف . وقد أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما قصدوه من ذلك ، لكنه أمرهم أن يبدلوا قولهم : السلام على الله ، بقولهم : التحيات لله . والتحيات : جمع تحية ، وفسرت التحية بالملك ، وفسرت بالبقاء والدوام ، وفسرت بالسلامة ، والمعنى : أن السلامة من الآفات ثابت لله ، واجب له لذاته .
وفسرت بالعظمة ، وقيل : إنها تجمع ذلك كله ، وما كان بمعناه ، وهو أحسن . قال ابن قتيبة : إنما قيل التحيات بالجمع ؛ لأنه كان لكل واحد من ملوكهم تحية يحيا بها ، فقيل لهم : قولوا : التحيات لله أي : أن ذلك يستحقه الله وحده . وقوله : والصلوات فسرت بالعبادات جميعها ، وقد روي عن طائفة من المتقدمين : أن جميع الطاعات صلاة ، وفسرت الصلوات هاهنا بالدعاء ، وفسرت بالرحمة ، وفسرت بالصلوات الشرعية ، فيكون ختام الصلاة بهذه الكلمة كاستفتاحها بقول : إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقوله : والطيبات ، فسرت بالكلمات الطيبات ، كما في قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ فالمعنى : إن ما كان من الكلام فإنه لله ، يثنى به عليه ويمجد به .
وفسرت الطيبات بالأعمال الصالحة كلها ؛ فإنها توصف بالطيب ، فتكون كلها لله بمعنى : أنه يعبد بها ويتقرب بها إليه . فهذا جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بدل قوله : السلام على الله . وأما سلامهم على جبريل وميكائيل وفلان وفلان من خواص الخلق ، فأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذكر السلام ؛ لأن الخلق كلهم يطلب السلام من الله .
وفي تفسير السلام على فلان قولان : أحدهما : أن المراد بالسلام اسم الله - يعني : فكأنه يقول : اسم الله عليك . والثاني : أن المراد : سلم الله عليك تسليما وسلاما ، ومن سلم الله عليه ، فقد سلم من الآفات كلها . ثم أقرهم أن يسلموا على النبي بخصوصه ابتداء ؛ فإنه أشرف المخلوقين وأفضلهم ، وحقه على الأمة أوجب من سائر الخلق ؛ لأن هدايتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة كان على يديه بتعليمه وإرشاده - صلى الله عليه وسلم - تسليما ، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبيا عن أمته .
والسلام على النبي بلفظ : السلام عليك أيها النبي ، وهكذا في سائر الروايات ؛ ولذلك كان عمر يعلم الناس في التشهد على المنبر بمحضر من الصحابة . وقد اختار بعضهم أن يقال بعد زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - : السلام على النبي ، وقد ذكر البخاري في موضع آخر من كتابه أنهم كانوا يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته في التشهد كذلك ، وهو رواية عن ابن عمر وعائشة . ثم عطف على ذكر السلام على النبي : ورحمة الله وبركاته ، وهذا مطابق لقول الملائكة لإبراهيم عليه السلام : رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت .
ويستدل بذلك على جواز الدعاء بالرحمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه اختلاف بين العلماء . ثم أمرهم بعد ذلك بأن يقولوا : السلام علينا والضمير عائد على المصلي نفسه ، وعلى من حضره من الملائكة والمصلين وغيرهم . وفي هذا مستند لمن استحب لمن يدعو لغيره أن يبدأ بالدعاء لنفسه قبله ، وهو قول علماء الكوفة ، وخالفهم آخرون ، وقد أطال الاستدلال لذلك في كتاب الدعاء من صحيحه هذا ، ويأتي - إن شاء الله تعالى - في موضعه ، بتوفيق الله وعونه .
وقوله : وعلى عباد الله الصالحين هو كما قال صلى الله عليه وسلم : فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض . فيغني ذلك عن تعيين أسمائهم ؛ فإن حصرهم لا يمكن ، وهذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم . وقد خرج النسائي حديث ابن مسعود في التشهد ، ولفظه : قال عبد الله : كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا ، فعلمنا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - جوامع الكلم : التحيات لله - فذكره .
وفي رواية أخرى له : كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين ، غير أن نسبح ونكبر ونحمد ربنا ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم علم فواتح الكلم وخواتمه ، فقال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا : التحيات لله - فذكره . ثم أمرهم أن يختموه بالشهادتين ، فيشهدون لله بتفرده بالإلهية ، ويشهدون لمحمد بالعبودية والرسالة ؛ فإن مقام العبودية أشرف مقامات الخلق ؛ ولهذا سمى الله محمدا صلى الله عليه وسلم في أشرف مقاماته وأعلاها بالعبودية ، كما قال تعالى في صفة ليلة الإسراء : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ وقال : ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾وقال في حقه في مقام الدعوة : وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ وقال : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ولهذا المعنى لما سلم على الصالحين في هذا التشهد سماهم : عباد الله ، والصالحون هم القائمون بما لله عليهم من الحقوق له ولخلقه ، وإنما سمي التشهد تشهدا لختمه بالشهادتين . ولم يخرج البخاري في التشهد غير تشهد ابن مسعود ، وقد أجمع العلماء على أنه أصح أحاديث التشهد ، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشهد من روايات أخر فيها بعض المخالفة لحديث ابن مسعود بزيادة ونقص ، وقد خرج مسلم منها حديث ابن عباس وأبي موسى الأشعري ، وقد نص على ذلك الشافعي وأحمد وإسحاق .
وحديث أبي موسى فيه : التحيات الطيبات الصلوات لله ، وباقيه كتشهد ابن مسعود . وحديث ابن عباس فيه : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود ، غير أن في آخره : وأشهد أن محمدا رسول الله . وكل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من التشهدات ، فإنه يصح الصلاة به ، حكى طائفة الإجماع على ذلك ، لكن اختلفوا في أفضل التشهدات : فذهب الأكثرون إلى ترجيح تشهد ابن مسعود ، وتفضيله ، والأخذ به .
وقد روى ابن عمر ، أن أبا بكر الصديق كان يعلمهم على المنبر كما يعلم الصبيان في الكتاب ، ثم ذكره بمثل تشهد ابن مسعود . خرجه ابن أبي شيبة . وروي - أيضا - نحوه عن أبي سعيد الخدري وغيره ، وهو قول علماء العراق من أهل الكوفة والبصرة ، من التابعين ومن بعدهم .
قال أبو إسحاق ، عن الأسود : رأيت علقمة يتعلم التشهد من عبد الله ، كما يتعلم السورة من القرآن . وقال إبراهيم ، عن الأسود : كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن ، يأخذ علينا الألف والواو . وقال إبراهيم : كانوا يتحفظون هذا التشهد - تشهد عبد الله - ويتبعونه حرفا حرفا .
خرجه ابن أبي شيبة وغيره . وذكر الترمذي أن العمل على تشهد ابن مسعود عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ، وأنه قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق . وحكاه ابن المنذر ، عن أبي ثور وأهل الرأي وكثير من أهل المشرق .
وحكاه ابن عبد البر عن أكثر أهل الحديث . وروي عن خصيف قال : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقلت : يا رسول الله ، اختلف علينا في التشهد : فقال : عليك بتشهد ابن مسعود . وقد نص أحمد على أنه لو تشهد بغيره بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزئه .
وذكر القاضي أبو يعلى : أن كلام أحمد في التشهد بما روي عن الصحابة ، كعمر أو غيره : هل يجزئ أو لا ؟ - محتمل ، والأظهر : أنه يجزئ . وقد روي عن علي وابن عمر وعائشة تشهدات أخر . وقد نص إسحاق على جواز التشهد بذلك كله - : نقله حرب .
ومن أصحابنا من قال : يجب التشهد بتشهد ابن مسعود ، ولا يجزئ أن يسقط منه واوا ولا ألفا . وهذا خلاف أحمد . والمحققون من أصحابنا على أنه يجوز التشهد بجميع أنوع التشهدات المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نص عليه أحمد .
وقال طائفة ، منهم : القاضي أبو يعلى في كتابه الجامع الكبير : إذا أسقط من التشهد ما هو ساقط في بعض الروايات دون بعض صحت صلاته ، وإن أسقط ما هو ساقط في جميعها لم تصح . وقيل لأحمد : لو قال في تشهده : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله : هل يجزئه ؟ قال : أرجو . وقد ورد مثل ذلك في بعض روايات حديث أبي موسى ، وهو في بعض نسخ صحيح مسلم ، وهي رواية لأبي داود والنسائي .
والأفضل عند الشافعي : التشهد بتشهد ابن عباس ، الذي نقله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرجه مسلم ، وهو قول الليث بن سعد . والأفضل عند مالك تشهد عمر بن الخطاب ، وقد ذكره في الموطأ موقوفا على عمر ، أنه كان يعلمه الناس على المنبر يقول : قولوا : التحيات لله ، الزاكيات لله ، الصلوات لله وباقيه كتشهد ابن مسعود . وإليه ذهب الزهري ومعمر .
وقد روي عن عمر مرفوعا من وجوه لا تثبت ، والله أعلم . وطائفة من علماء الأندلس اختاروا تشهد ابن مسعود ، وكان يقال عنه : إنه لم يكن بالأندلس من اجتمع له علم الحديث والفقه أحد قبله مثله . وقد روي من حديث سلمان الفارسي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد حرفا حرفا - فذكر مثل حديث تشهد ابن مسعود سواء ، قال : ثم قال : قلها يا سلمان في صلاتك ، ولا تزد فيها حرفا ، ولا تنتقص منها حرفا .
خرجه البزار في مسنده . وفي إسناده ضعف . والله أعلم .