150 - بَاب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ 835 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا : السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ ، وَلَكِنْ قُولُوا : التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ : أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ السَّابِقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لَا يَجِبُ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ التَّشَهُّدِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ، وَالْمَنْفِيُّ وُجُوبُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءَ الَّذِي لَا يَجِبُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ ، وَهَذَا وَاضِحٌ مُطَابِقٌ لِلْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مَأْمُورًا بِهِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ التَّخْيِيرَ ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ بِهِ عَلَى النَّدْبِ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَيْسَ التَّخْيِيرُ فِي آحَادِ الشَّيْءِ بِدَالٍّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ ، فَقَدْ يَكُونُ أَصْلُ الشَّيْءِ وَاجِبًا وَيَقَعُ التَّخْيِيرُ فِي وَصْفِهِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَوْلُهُ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَكِنَّهَا كَثِيرًا مَا تَرِدُ لِلنَّدْبِ ، وَادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى وُجُوبَ الِاسْتِعَاذَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ : هَلْ قَالَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ ؟ فَقَالَ : لَا ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ . وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ بِوُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَيْضًا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ ، لَقُلْتُ بِوُجُوبِهَا ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ التَّشَهُّدِ ، وَادَّعَى أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى نَدْبِيَّتِهَا بِحَدِيثِ الْبَابِ مَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ . وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِيهِ ، فَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بَعْدُ . وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ ، أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا بِالْوُجُوبِ ، لَكِنْ قَالَ : إِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ ، فَقِيلَ : إِنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَأَحْمَدَ ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَ يَرَاهَا وَاجِبَةً لَا شَرْطًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ تَفَرُّدَ الشَّافِعِيِّ بِكَوْنِهِ عَيَّنَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا قَبْلَهُ وَلَا فِيهِ ، حَتَّى لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثْنَاءِ التَّشَهُّدِ مَثَلًا لَمْ يُجْزِئْ عِنْدَهُ . وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو ) ، زَادَ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ : فَيَدْعُو بِهِ ، وَنَحْوَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ : فَلْيَدْعُ بِهِ ، وَلِإِسْحَاقَ ، عَنْ عِيسَى ، عَنْ الْأَعْمَشِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا أَحَبَّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ ، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ : مِنَ الْمَسْأَلَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا اخْتَارَ الْمُصَلِّي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : خَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّخَعِيُّ ، وَطَاوُسٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ فَقَالُوا : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ ، كَذَا أَطْلَقَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ : مَا كَانَ مَأْثُورًا ، قَالَ قَائِلهُمْ : وَالْمَأْثُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَوْ غَيْرَ مَرْفُوعٍ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَكذا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ : لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مَا يُقَبَّحُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا ، فَإِنْ أَرَادَ الْفَاحِشَ مِنَ اللَّفْظِ فَمُحْتَمَلٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يُقَالُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَخْبَارٌ مِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَقُولُ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ . اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ . رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً الْآيَةُ . قَالَ : وَيَقُولُ : لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ وَلَا صَالِحٌ بِشَيْءٍ إِلَّا دَخَلَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ . وَهَذَا مِنَ الْمَأْثُورِ غَيْرِ مَرْفُوعٍ ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ : ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو بِهِ . وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ . . الْحَدِيثَ . وَفِي آخِرِهِ : ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ ، هَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ · ص 373 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب · ص 186 150 - باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب 835 - حدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن الأعمش ، حدثني شقيق ، عن عبد الله ، قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقولوا السلام على الله ، فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء - أو بين السماء والأرض - أشهد ألا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو . وقد سبق في رواية للإمام أحمد التصريح بأن هذا الدعاء إنما هو في التشهد الأخير خاصة ، فأما التشهد الأول فلا يدعو بعده عند جمهور العلماء ، ولا يزاد عليه عند أكثرهم ، حتى قال الثوري - في رواية عنه - : إن فعل ذلك عمدا بطلت صلاته . إلا أن الشافعي - في الجديد - قال : يصلي فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده دون آله . وقال مالك : يدعى فيه كالتشهد الأخير . وروي عن ابن عمر . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات ، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة ، فيحمد الله ويثني على نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويدعو بينهن ، ولا يسلم ، ثم يصلي التاسعة ويقعد ، ويحمد الله ويصلي على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ويدعو ، ثم يسلم تسليما يسمعنا . وحمل بعض أصحابنا هذا على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله أحيانا في صلاة النفل ، لبيان الجواز دون الاستحباب . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي عبيدة ، عن أبيه عبد الله بن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في الركعتين كأنه على الرضف حتى يقوم . وحسنه . وأبو عبيدة ، وإن لم يسمع من أبيه ، إلا أن أحاديثه عنه صحيحة ، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه - قاله ابن المديني وغيره . وروي عن أبي بكر الصديق نحو ذلك . فأما الدعاء قبل السلام في التشهد الأخير ، فإنه مشروع بغير خلاف . وحكى ابن المنذر ، عن الحسن ، أنه كره الدعاء في المكتوبة ، وأباحه في التطوع . ولعله أراد في غير التشهد . وقد دل عليه حديث ابن مسعود هذا ، وليس هو بواجب كما ذكره البخاري ، ومن العلماء من حكى الإجماع على ذلك . وقد يستدل له بما روى الحسن بن الحر ، عن القاسم بن مخيمرة ، قال : أخذ علقمة بيدي ، فحدثني أن ابن مسعود أخذ بيده ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده ، فعلمه التشهد في الصلاة - فذكره إلى آخره ، ثم قال : إذا قلت هذا - أو قضيت هذا - فقد قضيت صلاتك ، فإن شئت أن تقوم فقم ، وإن شئت أن تقعد فاقعد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . وقال إسحاق بن راهويه : صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وهذا ظاهر في أن ما بعد التشهد ليس بواجب ، ولكن قد قيل : إن القائل : إذا قلت هذا إلى آخره ، هو ابن مسعود ، وليس مرفوعا - ؛ كذلك قاله الدارقطني وأبو علي النيسابوري والبيهقي وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ . وعلى هذا التقدير ، فإذا قال ابن مسعود هذا ، وهو راوي الحديث الذي فيه : ثم ليتخير من الدعاء دل على أنه فهم من ذلك الاستحباب دون الوجوب ؛ ولهذا رده إلى اختياره ومشيئته وإعجابه ، وراوي الحديث أعلم بمعنى ما روى ، فيرجع إليه في فهم ذلك . وقد سبق عن طاوس : ما حكاه عنه مسلم ، أنه بلغه عنه ، أنه أمر ابنه بالإعادة إذا لم يتعوذ في صلاته من تلك الأربع . وحكى بعض أصحابنا وجها لهم بمثل ذلك . وحكي عن أبي طالب ، عن أحمد ، أنه قال : من ترك شيئا من الدعاء في الصلاة عمدا يعيد . وقوله : ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو يستدل به على أنه يجوز الدعاء في الصلاة بما لا يوافق لفظه لفظ القرآن ، وعامة الأدعية المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاته كذلك ، وقد سبق في الباب الماضي بعض ذلك . وهذا قول جمهور العلماء ، خلافا لأبي حنيفة والثوري في قولهما : لا يدعو في صلاته إلا بما يوافق لفظ القرآن ، فإن خالف بطلت صلاته . وحكى أصحاب سفيان الثوري مذهبه كذلك . والصحيح - المنصوص عن أحمد - : أنه يجوز الدعاء بما يعود بمصلحة الدين بكل حال ، وهو قول جمهور العلماء . وفي سنن أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل : كيف تقول في الصلاة ؟ قال : أتشهد ، ثم أقول : اللهم إني أسألك الجنة ، وأعوذ بك من النار ، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : حولها ندندن . وهذا يشعر بأنه يجوز الدعاء بمصالح الآخرة بأي لفظ كان . واختلفوا : هل يجوز الدعاء في الصلاة بالمصالح الدنيوية خاصة ؟ فقالت طائفة : يجوز ، منهم : عروة ومالك والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد ، واستدلوا بعموم حديث ابن مسعود . وقالت طائفة : لا يجوز ذلك ، وهو المشهور عن أحمد ، واختاره أبو محمد الجويني من الشافعية . وإنما هذا فيما لم يرد النص بمثله كالرزق والعافية والصحة ونحو ذلك مما ورد الدعاء به في الأخبار في الصلاة وغيرها ، فإنه يجوز الدعاء به في الصلاة ، وإنما الممنوع طلب تفاصيل حوائج الدنيا ؛ كالطعام الطيب والجارية الوضيئة والثوب الحسن ونحو ذلك ، فإن هذا عندهم من جنس كلام الآدميين الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس . ولا فرق في استحباب الدعاء بين الإمام والمأموم والمنفرد عند جمهور العلماء . واستحب إسحاق للإمام أن يدعو في هذا الموضع بصيغة الجمع ؛ ليشمل المأمومين معه ، وكره أن يخص نفسه ؛ للحديث المروي في النهي عن ذلك . وللشافعية وجه ضعيف : أن الإمام لا يدعو ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه قال في كتاب الأم : أحب لكل مصل أن يزيد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الله عز وجل وتحميده ودعاء في الركعتين الأخيرتين ، وأرى أن تكون زيادته ذلك إن كان إماما أقل من قدر التشهد ، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها قليلا ؛ للتخفيف عمن خلفه ، وأرى أن يكون جلوسه إذا كان وحده أكثر من ذلك ، ولا أكره ما طال ما لم يخرجه ذلك إلى سهو أو خاف فيه سهوا ، وإن لم يزد على التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - كرهت ذلك ، ولا إعادة عليه ، ولا سجود سهو . انتهى كلامه . وقد تضمن : أنه بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - يشرع له ذكر الله وتحميده ، وهو خلاف نص أحمد ؛ فإنه نص على أنه يدعو بعد التشهد من غير ثناء وحمد . وسئل أحمد - أيضا - : هل يحمد الله قبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : لا أعرفه . وقال القاضي أبو يعلى : وظاهر هذا أنه لم يستحب ذلك . ولا يستحب للإمام أن يدعو أكثر من قدر التشهد خشية الإطالة على المأمومين ، فأما المنفرد فإنه يطيل ما لم يخف السهو فيكره له الزيادة . وقد بوب النسائي في سننه : باب : الذكر بعد التشهد ، وخرج فيه حديث عكرمة بن عمار : ثنا إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس ، قال : جاءت أم سليم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي ، قال : سبحي الله عشرا ، واحمديه عشرا ، وكبريه عشرا ، ثم سليه حاجتك ، يقول : نعم ، نعم . وخرج - أيضا - بعد ذلك من حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في صلاته بعد التشهد : أحسن الكلام كلام الله ، وأحسن الهدي هدي محمد . وهذا الحديث إنما يعرف فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوله في تشهده في الخطبة ، كما في صحيح مسلم وغيره ، فلعل ذكر الصلاة فيه مما توهمه بعض الرواة ، حيث سمع أنه كان يقوله في تشهده ، فظن أنه تشهد الصلاة . وحديث أنس المتقدم ، خرجه الترمذي والحاكم في باب : صلاة التسبيح . وحسنه الترمذي ، وصححه الحاكم ، وجعلاه من جملة أحاديث صلاة التسبيح . وخرجه الإمام أحمد ، ولم يذكر فيه : في صلاتي . وقد روي الحديث بلفظ آخر بإسناد آخر ، وهو : إذا صليت الصلاة المكتوبة فسبحي . وهذا اللفظ يحمل على أنها تقول ذلك إذا فرغت من صلاتها ، فيستدل به حينئذ على فضل الذكر والدعاء عقب الصلاة المكتوبة ، وعلى ذلك حمله ابن حبان وغيره . وقد روي عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح قيام الليل ، يكبر عشرا ، ويسبح عشرا ، ويحمد عشرا ، ويهلل عشرا ، ويستغفر عشرا ، ويقول : اللهم ، اغفر لي واهدني وارزقني - عشرا ، ويقول : اللهم ، إني أعوذ بك من ضيق المقام يوم الحساب - عشرا . خرجه النسائي . وخرجه من وجوه متعددة بألفاظ متقاربة ، وفي بعضها : ثم يستفتح الصلاة . وهذه الرواية تشهد لأنه كان يقول ذلك قبل دخوله في الصلاة . والله أعلم . وروى جعفر الفريابي في كتاب الذكر بإسناد صحيح ، عن ابن عمر ، أنه رأى رجلا دخل في الصلاة ، فكبر ، ثم قال : اللهم اغفر لي وارحمني ، فضرب ابن عمر منكبيه وقال : ابدأ بحمد الله عز وجل والثناء عليه . وهذا يدل على استحباب ذلك عند افتتاح الصلاة . ومما يستدل به على استحباب الثناء على الله عز وجل في التشهد قبل الدعاء : ما روى أنس قال : كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وسجد وتشهد دعا ، فقال في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت المنان ، بديع السماوات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حي يا قيوم ، إني أسألك . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه : هل تدرون بما دعا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : والذي نفسي بيده ، لقد دعا باسمه العظيم ، الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح على شرطهما . وعن محجن بن الأدرع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد ، فإذا رجل قد قضى صلاته ، وهو يتشهد ، فقال : اللهم ، إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، أن تغفر لي ذنوبي ، إنك أنت الغفور الرحيم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قد غفر له - ثلاثا . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم ، وقال : على شرطهما . وخرج الترمذي من حديث ابن مسعود ، قال : كنت أصلي والنبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر معه ، فلما جلست بدأت بالثناء على الله تعالى ، ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم دعوت لنفسي ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سل تعطه . سل تعطه . وقال : حسن صحيح . وعن فضالة بن عبيد ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : عجل هذا ، ثم دعاه ، فقال له - أو لغيره - : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ليدع بما شاء . خرجه الترمذي ، وقال : حسن . وخرجه الإمام أحمد وأبو داود وعنده : فليبدأ بتمجيد ربه والثناء عليه . وخرجه النسائي ، وزاد : فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يصلي فمجد الله وحمده ، وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ادع تجب ، وسل تعطه . وخرجه الترمذي بهذا المعنى - أيضا - وعنده : فقال : عجلت أيها المصلي ، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل علي ، ثم ادعه - وذكر باقيه بمعناه . وفي هذا الحديث وحديث ابن مسعود : استحباب تقديم الثناء على الله على الصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهذا قد يصدق بالدعاء بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن التشهد فيه ثناء على الله عز وجل ، فلا يحتاج إلى إعادة الثناء . وقال إسحاق : يحمد الله بعد التشهد وقبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - نقله عنه حرب . واستحب إسحاق وبعض الشافعية أن يبتدئ التشهد بـ بسم الله ، وفيه حديث مرفوع ضعفه غير واحد . وقد روي عن ابن عمر ، أنه كان إذا تشهد التشهد الأخير دعا فيه ، ثم أخر السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى نفسه وعباد الله الصالحين إلى بعد الدعاء ، ثم يختم دعاءه بالسلام ، ثم يسلم عن يمينه . ولم يذكر البخاري الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد ، وقد دل هذان الحديثان - أعني : حديث ابن مسعود وفضالة - عليها ، ولكن ليسا على شرطه . وقد روى ابن إسحاق : حدثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن عقبة بن عمرو ، قال : قالوا : يا رسول الله ، أما السلام عليك فقد عرفناه ، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ؟ قال : قولوا : اللهم ، صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . خرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والدارقطني - وقال : إسناد حسن متصل - والحاكم - وقال : صحيح الإسناد . ويشهد لذلك : قول الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا السلام عليك قد عرفناه ، وإنما عرفوا السلام عليه في التشهد في الصلاة ، وهو : السلام على النبي ورحمة الله وبركاته ، فيكون سؤالهم عن الصلاة عليه في الصلاة - أيضا . وقد خرج ابن عدي من حديث طلحة ، قال قلت : يا رسول الله ، هذا التشهد قد عرفناه ، فكيف الصلاة عليك - فذكره . وفي إسناده : سليمان بن أيوب الطلحي ، وقد وثقه يعقوب بن شيبة وغيره وقال ابن عدي : عامة أحاديثه أفراد لا يتابعه عليها أحد . وخرج الحاكم والبيهقي من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا تشهد أحدكم في الصلاة ، فليقل : اللهم صل على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد ، وارحم محمدا وآل محمد ، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد مجيد . وفي إسناده : رجل غير مسمى . وخرج الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد ، عن مجاهد ، قال : أخذ بيدي ابن أبي ليلى - أو أبو معمر - قال : علمني ابن مسعود التشهد ، وقال : علمنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : التحيات لله - فذكره إلى آخره ، وزاد بعده : الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقال : ابن مجاهد هذا ، ضعيف الحديث . وخرج البيهقي من رواية إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا جلستم بين الركعتين فقولوا : التحيات لله - إلى آخر التشهد . قال عبد الله : وإذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ أصابت كل عبد صالح أو نبي مرسل ، ثم يبدأ بالثناء على الله والمدحة له بما هو أهله ، وبالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يسأل بعد ذلك . والظاهر : أن آخره من قول ابن مسعود . وفيه : استحباب الثناء على الله بعد التشهد قبل الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - . ولا نعلم خلافا بين العلماء في أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد الأخير مشروعة ، واختلفوا : هل تصح الصلاة بدونها ؟ على ثلاثة أقوال : أحدها : لا تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو مذهب الشافعي وأحمد - في رواية عنه . وروي عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : ما أرى أن لي صلاة تمت لا أصلي فيها على محمد وآله . وخرج ابن ماجه من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا صلاة لمن لم يصل على نبيه صلى الله عليه وسلم . وعبد المهيمن ، تكلموا فيه . والثاني : تصح الصلاة بدونها مع السهو دون العمد ، وهو رواية أخرى ، عن أحمد وإسحاق . وروي معناه ، عن ابن عمر من قوله . خرجه المعمري في كتاب عمل يوم وليلة . واستدل بعض من قال ذلك بحديث فضالة بن عبيد المتقدم ذكره ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من صلى ولم يصل عليه بالإعادة حيث لم يكن يعلم ذلك ، وإنما علمه أن يقولها فيما بعد . والثالث : تصح الصلاة بدونها بكل حال ، وهو قول أكثر العلماء ، منهم : أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق - في رواية عنهما - وداود وابن جرير وغيرهم . وقال النخعي : كانوا يكتفون بالتشهد من الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه سعيد بن منصور . ولعله أراد : أن التسليم عليه والشهادة له بالرسالة تكفي من الصلاة عليه . وقد روي عنه ما يدل على أن ذلك مراده ، وعن منصور والثوري نحوه - أيضا . واستدل لذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم المسيء في صلاته الصلاة عليه ، ولا صح عنه أنه علمها أصحابه مع التشهد ، مع أنه علمهم الدعاء بعده ، وليس بواجب كما سبق . والأمر بها في حديث ابن إسحاق لا يدل على الوجوب ؛ فإنه إنما أمرهم عند سؤالهم عنه ، وهذه قرينة تخرج الأمر عن الوجوب ، على ما ذكره طائفة من الأصوليين ؛ فإنه لو كان أمره للوجوب لابتدأهم به ، ولم يؤخره إلى سؤالهم ، مع حاجتهم إلى بيان ما يجب في صلاتهم ؛ فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، فدل على أنه اكتفى بالسلام عليه عن الصلاة . يدل على ذلك : أن عمر كان يعلم الناس التشهد على المنبر ، ولم يذكر فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك روي صفة التشهد عن طائفة من الصحابة ، منهم : ابن عمر وعائشة وغيرهما ، ولم يذكروا فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب · ص 119 ( باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد ، وليس بواجب ) أي هذا باب في بيان ما يتخير المصلي من الدعاء بعد فراغه من التشهد ، يعني قراءة التحيات ، والحال أنه ليس بواجب . أشار بهذا إلى أن حديث الباب الذي فيه الأمر ، وهو قوله : " ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه " ليس للوجوب ، وإنما هو للاستحباب . ( فإن قلت ) : المأمور به هو التخير ، وهو لا ينافي وجوب أصل الدعاء . ( قلت ) : من الدليل في عدم وجوب أصل الدعاء حديث مسيء الصلاة ؛ لأنه لم ينقل عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه أمره بذلك . 220 - حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن الأعمش قال : حدثني شقيق عن عبد الله قال : كنا إذا كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تقولوا : السلام على الله ؛ فإن الله هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله والصلوات والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين - فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء ، أو بين السماء والأرض - أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه ، فيدعو . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم ليتخير من الدعاء " ، وقد مضى الكلام فيه في باب التشهد في الأخيرة ؛ لأنه أخرجه هناك عن أبي نعيم ، عن الأعمش ، عن شقيق إلى آخره ، وهاهنا عن مسدد ، عن يحيى القطان ، عن سليمان الأعمش إلى آخره . قوله : " ثم ليتخير " ويروى : " ثم يتخير من الدعاء أعجبه " قال الكرماني : أي أحسنه . ( قلت ) : المعنى يتخير من الأدعية المأثورة فيدعو ، أي فيدعو به ، وكذا وقع في رواية أبي داود ، وفي رواية النسائي : " فليدع به " ، وفي رواية إسحاق عن عيسى ، عن الأعمش : " ثم ليتخير من الدعاء ما أحب " ، وفي رواية للبخاري في الدعوات : " ثم ليتخير ما يعجبه من الثناء ما شاء " ونحوه في رواية مسلم بلفظ " من المسألة " ، وقال الكرماني : وفيه جواز الدعاء بكل ما شاء دينيا ودنياويا ، شابه ألفاظ القرآن والأدعية أم لا . ( قلت ) : ليس هذا على عمومه لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن صلاتنا هذه " الحديث ، وقد مر الآن ، والكرماني تكلم بما له ، وسكت عما عليه ، وقال بعضهم : والمعروف في كتب الحنفية أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن ، أو ثبت في الحديث ، لكن ظاهر حديث الباب يرد على أبي حنيفة . ( قلت ) : ليس ما نقله عن كتب الحنفية كذلك ، بل المذكور في كتبهم أنه لا يدعو في الصلاة إلا من الأدعية المأثورة ، أو بما شابه ألفاظ القرآن ، وقوله : " يرد عليه " رد عليه لأن فيما ذهبوا إليه إهمالا لحديث مسلم ، وهو : " إن صلاتنا هذه " الحديث ، ونحن عملنا بالحديثين ؛ لأنا نختار من الأدعية المأثورة أو من الأدعية ما شابه ألفاظ القرآن .