808 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ . وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِهَذَا ، وَعَنْ الْحَكَمِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا . وَقَالَ الْحَسَنُ : الْجَدُّ غِنًى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ، وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ كُوفِيُّونَ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ وَهُوَ الْفِرْيَابِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ وَرَّادٍ ) فِي رِوَايَةِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سُفْيَانَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنِي وَرَّادٌ . قَوْلُهُ : ( أَمْلَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ ) أَيِ ابْنُ شُعْبَةَ ( فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ ) كَانَ الْمُغِيرَةُ إِذْ ذَاكَ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ وَرَّادٍ بَيَانُ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ : اكْتُبْ لِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي الْقَدَرِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ ، عَنْ وَرَّادٍ قَالَ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ : اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ . وقَدْ قَيَّدَهَا فِي رِوَايَةِ الْبَابِ بِالْمَكْتُوبَةِ فَكَأَنَّ الْمُغِيرَةَ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَرِينَةٍ فِي السُّؤَالِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْمُكَاتَبَةِ وَإِجْرَائِهَا مَجْرَى السَّمَاعِ فِي الرِّوَايَةِ وَلَوْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ . وَعَلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى خَبَرِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ . وَسَيَأْتِي فِي الْقَدَرِ فِي آخِرِهِ أَنَّ وَرَّادًا قَالَ : ثُمَّ وَفَدْتُ بَعْدُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اسْتِثْبَاتَ الْمُغِيرَةِ وَاحْتَجَّ بِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ . مِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ . ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ . قَوْلُهُ : ( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ الْمُغِيرَةِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ - إِلَى - قَدِيرٌ وَرُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ . وَثَبَتَ مِثْلُهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، لَكِنْ فِي الْقَوْلِ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْجَدُّ الْغِنَى وَيُقَالُ الْحَظُّ ، قَالَ : وَ مِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْكَ بِمَعْنَى الْبَدَلِ ، قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَيْتَ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً بَاتَتْ عَلَى الطَّهَيَانِ يُرِيدُ : لَيْتَ لَنَا بَدَلَ مَاءِ زَمْزَمَ اهـ . وَفِي الصِّحَاحِ : مَعْنَى مِنْكَ هُنَا عِنْدَكَ ، أَيْ لَا يَنْفَعُ ذَا الْغِنَى عِنْدَكَ غِنَاهُ ، إِنَّمَا يَنْفَعُهُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى الْبَدَلِ وَلَا عِنْدَ ، بَلْ هُوَ كَمَا تَقُولُ : وَلَا يَنْفَعُكَ مِنِّي شَيْءٌ إِنْ أَنَا أَرَدْتُكَ بِسُوءٍ . وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ كَلَامِهِ مَعْنًى ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا بِمَعْنَى عِنْدَ ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : مِنْ قَضَائِي أَوْ سَطْوَتِي أَوْ عَذَابِي . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ فِي الْمُغْنِي الْأَوَّلَ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : قَوْلُهُ مِنْكَ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِـ يَنْفَعُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ يَنْفَعُ قَدْ ضُمِّنَ مَعْنَى يَمْنَعُ وَمَا قَارَبَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مِنْكَ بِالْجَدِّ كَمَا يُقَالُ : حَظِّي مِنْكَ كَثِيرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ نَافِعٌ اهـ . وَالْجَدُّ مَضْبُوطٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَمَعْنَاهُ الْغِنَى كَمَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنِ الْحَسَنِ ، أَوِ الْحَظُّ . وَحَكَى الرَّاغِبُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا أَبُو الْأَبِ ، أَيْ لَا يَنْفَعُ أَحَدًا نَسَبُهُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : حُكِيَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ بِالْكَسْرِ وَقَالَ : مَعْنَاهُ لَا يَنْفَعُ ذَا الِاجْتِهَادِ اجْتِهَادُهُ . وَأَنْكَرَهُ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ الْقَزَّازُ فِي تَوْجِيهِ إِنْكَارِهِ : الِاجْتِهَادُ فِي الْعَمَلِ نَافِعٌ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ دَعَا الْخَلْقَ إِلَى ذَلِكَ ، فَكَيْفَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَهُ ؟ قَالَ : فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ الِاجْتِهَادُ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَتَضْيِيعِ أَمْرِ الْآخِرَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : لَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَنْفَعُ بِمُجَرَّدِهِ مَا لَمْ يُقَارِنْهُ الْقَبُولُ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ : لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمُ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ عَلَى رِوَايَةِ الْكَسْرِ السَّعْيُ التَّامُّ فِي الْحِرْصِ أَوِ الْإِسْرَاعُ فِي الْهَرَبِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْحَظُّ فِي الدُّنْيَا بِالْمَالِ أَوِ الْوَلَدِ أَوِ الْعَظَمَةِ أَوِ السُّلْطَانِ ، وَالْمَعْنَى لَا يُنَجِّيهِ حَظُّهُ مِنْكَ ، وَإِنَّمَا يُنَجِّيهِ فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ . وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ هَذَا الذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّوْحِيدِ وَنِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إِلَى اللَّهِ وَالْمَنْعِ وَالْإِعْطَاءِ وَتَمَامِ الْقُدْرَةِ ، وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى امْتِثَالِ السُّنَنِ وَإِشَاعَتِهَا . ( فَائِدَةٌ ) : اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ فِي الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ زِيَادَةُ وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ وَهِيَ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، لَكِنْ حَذَفَ قَوْلَهُ : وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ تَامًّا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ بِهَذَا ) وَصَلَهُ السَّرَّاجُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدُّعَاءِ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ : سَمِعْتُ وَرَّادًا كَاتِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ الْمُغِيرَةَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَذَكَرَهُ . وَفِي قَوْلِهِ كَتَبَ تَجَوُّزٌ لِمَا تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْكَاتِبَ هُوَ وَرَّادٌ ، لَكِنَّهُ كَتَبَ بِأَمْرِ الْمُغِيرَةِ وَإِمْلَائِهِ عَلَيْهِ . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ ، عَنْ وَرَّادٍ قَالَ : كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ ، كَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَهُ وَرَّادٌ فَجَمَعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ جَدُّ غِنَى ) الْأَوْلَى فِي قِرَاءَةِ هَذَا الْحَرْفِ أَنْ يُقْرَأَ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلَى الْحِكَايَةِ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِ الْحَسَنِ ، فَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَجَاءٍ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا قَالَ : غِنَى رَبِّنَا . وَعَادَةُ الْبُخَارِيِّ إِذَا وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَةٌ غَرِيبَةٌ وَقَعَ مِثْلُهَا فِي الْقُرْآنِ يَحْكِي قَوْلَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ فِيهَا وَهَذَا مِنْهَا . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : قَالَ الْحَسَنُ : الْجَدُّ غِنَى وَسَقَطَ هَذَا الْأَثَرُ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَعَنِ الْحَكَمِ ) هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ التَّعْلِيقُ عَنِ الْحَكَمِ مُؤَخَّرًا عَنْ أَثَرِ الْحَسَنِ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ الْأَصْوَبُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَعَنِ الْحَكَمِ ، مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ أَيْضًا ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى شُعْبَةَ وَلَفْظُهُ كَلَفْظِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ : كَانَ إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَكَرَهُ ، وَوَقَعَ نَحْوُ هَذَا التَّصْرِيحِ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ وَرَّادٍ بِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ · ص 386 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الذكر بعد الصلاة · ص 250 الحديث الثالث : 844 - حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد - كاتب المغيرة بن شعبة - قال : أملى علي المغيرة في كتاب إلى معاوية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وقال شعبة ، عن عبد الملك بن عمير بهذا ، وعن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد بهذا . هذا الحديث ، أسنده البخاري من طريق سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد . وعلقه عن شعبة بإسنادين : أحدهما : عن عبد الملك - أيضا - بهذا الإسناد . والثاني : عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد . ورواية شعبة لهذا الحديث غريبة لم تخرج في شيء من الكتب الستة ، ولا في مسند الإمام أحمد . وخرجه مسلم من طريق عبدة بن أبي لبابة والمسيب بن رافع وغيرهما ، عن وراد . وخرجه البخاري في موضع آخر من رواية المسيب ، وفي روايته : بعد السلام . وخرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق مغيرة ، عن الشعبي ، عن وراد ، أن المغيرة كتب إلى معاوية : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير - ثلاث مرات . وهذه زيادة غريبة . وقد روي في الحديث زيادة : بيده الخير . خرجها الإسماعيلي من طريق مسعر ، عن زياد بن علاقة ، عن وراد . وروي فيه - أيضا - زيادة : يحيي ويميت . ذكرها الترمذي في كتابه - تعليقا ، ولم يذكر رواتها . وقد خرجه البزار بهذه الزيادة من رواية ابن علاقة ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث المغيرة ، بهذه الزيادة . وفي إسنادها ضعف . وخرجه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه زيادة : بيده الخير . وفي إسناده ضعف . وخرجه ابن عدي ، وزاد فيه : يحيي ويميت . وقال : هو غير محفوظ . وخرجه أبو مسلم الكجي في سننه من حديث أبان بن أبي عياش ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : يحيي ويميت ، بيده الخير . وأبان ، متروك . وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث كعب الأحبار ، عن صهيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند انصرافه من الصلاة : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، اللهم ، إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ [...] بعفوك من نقمتك ، وأعوذ بك منك ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي إسناده اختلاف . وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام . وفي رواية له - أيضا - : يا ذا الجلال والإكرام . وخرج - أيضا - من حديث ثوبان ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات ، ثم قال : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تبارك ذا الجلال والإكرام [...] ، يا ذا الجلال والإكرام . وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر . وجمهور أهل العلم على استحبابه ، وقد روي عن علي وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين ، وقد تقدم عن عبيدة السلماني ، أنه عد التكبير عقب الصلاة من البدع ، ولعله أراد بإنكاره على مصعب ، أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر ، كذلك هو في كتاب عبد الرزاق ، وإذا صحت السنة بشيء وعمل بها الصحابة ، فلا تعدل عنها . واستحب - أيضا - أصحابنا وأصحاب الشافعي الدعاء عقب الصلوات ، وذكره بعض الشافعية اتفاقا . واستدلوا بحديث أبي أمامة ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات . خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وحسنه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث معاذ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : لا تدعن دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . وقال طائفة من أصحابنا ومن الشافعية : يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر ؛ لأنه لا تنفل بعدهما . فظاهر كلامهم : أنه يجهر به ، ويؤمنون عليه ، وفي ذلك نظر . وقد ذكرنا فيما تقدم حديث دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة جهرا ، وأنه لا يصح ، ولم يصح في ذلك شيء عن السلف . والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة ، ثم يسر بالباقي ، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرا ، ويدعو سرا . ومن الفقهاء من يستحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كل صلاة ، وليس في ذلك سنة ولا أثر يتبع . والله أعلم . وفي بعض نسخ البخاري : وقال الحسن : الجد غنى . وهذا تفسير لقوله : ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، والجد - بفتح الجيم - المراد به في هذا الحديث : الغنى ، والمعنى : لا ينفع ذا الغنى منك غناه . وهذا كقوله تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وقوله : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ وقد روي تفسير الجد بذلك مرفوعا : ففي سنن ابن ماجه ، عن أبي جحيفة ، قال : ذكرت الجدود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فقال رجل : جد فلان في الخيل . وقال آخر : جد فلان في الإبل ، فقال آخر : جد فلان في الغنم ، وقال آخر : جد فلان في الرقيق ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، ورفع رأسه من آخر الركعة ، قال : اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، وطول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته بالجد ؛ ليعلم أنه ليس كما يقولون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الذكر بعد الصلاة · ص 132 227 - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال : أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن يوسف الفريابي . الثاني : سفيان الثوري . الثالث : عبد الملك بن عمير - بضم العين - تقدم في باب : أهل العلم أحق بالإمامة . الرابع : وراد - بفتح الواو وتشديد الراء ، وفي آخره دال مهملة . الخامس : المغيرة بن شعبة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجال إسناده كلهم كوفيون ما خلا محمد بن يوسف ، وفيه عن وراد ، وفي رواية معتمر بن سليمان عن سفيان عند الإسماعيلي : حدثني وراد . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن موسى عن أبي عوانة ، وفي الرقاق عن علي بن مسلم ، وفي القدر عن محمد بن سنان ، وفي الدعوات عن قتيبة ، وفي الصلاة وقال الحاكم عن القاسم . وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي بكر ، وأبي كريب ، وأحمد بن سنان ، وعن محمد بن حاتم ، وعن ابن أبي عمرو عن حامد بن عمرو عن محمد بن المثنى . وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، وفي اليوم والليلة عن محمد بن قدامة ، وعن الحسن بن إسماعيل . ذكر معناه قوله : أملى علي المغيرة ، وكان المغيرة إذ ذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية ، وعند أبي داود : كتب معاوية إلى المغيرة : أي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سلم من الصلاة ؟ فكتب إليه المغيرة . وعند ابن خزيمة : يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، ثلاث مرات . وعند السراج : حدثنا زياد بن أيوب ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عثمان بن حكيم ، سمعت محمد بن كعب القرظي ، سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة إذا انصرف : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي لفظ : إن الله لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ، ولا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين . وفي لفظ : إنه لا مؤخر لما قدمت ، ولا مقدم لما أخرت . الحديث ، كله بتاء الخطاب . ( فإن قلت ) : إن معاوية إذا كان قد سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يسأل عنه ؟ ( قلت ) : أراد أن يستثبت ذلك وينظر هل رواه غيره أو نسي بعض حروفه أو ما أشبه ذلك ، كما جرى لجابر بن عبد الله في سؤاله عقبة بن عامر عن حديث سمعه وأراد أن ينظر هل رواه غيره . قوله : في دبر كل صلاة ، بضم الدال المهملة وضم الباء الموحدة وسكونها ، أي : عقيب كل صلاة مكتوبة ، أي : فريضة ، وفي رواية أخرى للبخاري : كان يقولها في دبر كل صلاة ، ولم يقل مكتوبة . قوله : لا إله إلا الله ، إلى آخره ، كلمة توحيد بالإجماع ، وهي مشتملة على النفي والإثبات ، فقوله : لا إله ، نفي الألوهية عن غير الله ، وقوله : إلا الله ، إثبات الألوهية لله تعالى ، وبهاتين الصفتين صار هذا كلمة التوحيد والشهادة ، وقد قيل : إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، وأبو حنيفة يقول : الاستثناء من النفي ليس بإثبات ، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : لا نكاح إلا بولي ، ولا صلاة إلا بطهور ، فإنه لا يجب تحقق النكاح عند الولي ولا يجب تحقق الصلاة عند الطهور لتوقفه على شرائط أخر ، وأوردوا عليه بأنه على هذا التقدير لا يكون كلمة التوحيد تاما ، لأنه يكون المراد منها نفي الألوهية عن غير الله تعالى ، ولا يلزم منه إثبات الألوهية لله تعالى ، وهذا ليس بتوحيد ، والجواب عن هذا أن معظم الكفار كانوا أشركوا وفي عقولهم وجود الإله ثابت ، فسيق لنفي الغير ، ثم يلزم منه وجوده تعالى . ثم اعلم أن إلا هاهنا بمعنى غير ، وخبر لا التي لنفي الجنس محذوف ، تقديره : لا إله موجود غير الله ، ولهذا لم ينتصب إلا الله لأن المستثنى إنما ينتصب إما وجوبا وإما جوازا في مواضع مخصوصة ، وقد عرف في موضعه ، وأما إذا كانت إلا للصفة ، لم يجب النصب ، فيتبع الموصوف ، والموصوف هاهنا مرفوع وهو موجود ، فيتبع المستثنى موصوفه . قوله : وحده ، نصب على الحال ، تقديره : ينفرد وحده . ( فإن قلت ) : شرط الحال أن تكون نكرة وهذا معرفة ؟ ( قلت ) : لأجل ذلك أول بما ذكرنا ، وذلك كما في قوله : وأرسلها العراك ، أي : أرسل الحمار تعترك العراك . قوله : لا شريك له ، تأكيد لقوله : وحده ، لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له . قوله : له الملك ، بضم الميم يعم وبكسرها يخص ، فلذلك قيل : الملك من الملك بالضم ، والمالك من الملك بالكسر . وقيل : المالك أبلغ في الوصف ؛ لأنه يقال : مالك الدار ومالك الدابة ، ولا يقال ملك إلا لملك من الملوك . وقيل : ملك أبلغ في الوصف ؛ لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة ، يكون كناية عن الولاية دون الملك ، وإذا قلت : فلان مالك هذه البلدة ، كان ذلك عبارة عن الملك الحقيقي . وقال قطرب : الفرق بينهما أن ملكا الملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك . وقد فسر الملك في القرآن على معان مختلفة ، والمعنى هاهنا له جميع أصناف المخلوقات . قوله : وله الحمد ، أي : جميع حمد أهل السماوات والأرض ، وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض ، بناء على أن الألف واللام لاستغراق الجنس عندنا ، ولما كان الله مالك الملك كله ، استحق أن تكون جميع المحامد له دون غيره ، فلا يجوز أن يحمد غيره ، وأما قولهم : حمدت فلانا على صنيعه كذا ، أو حمدت الجوهرة على صفائها ، فذاك حمد للخالق في الحقيقة ، لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة حمد للخالق في الحقيقة . قوله : وهو على كل شيء قدير ، من باب التتميم والتكميل ، لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له والملك له والحمد له ، فبالضرورة يكون قادرا على كل شيء وذكره يكون للتتميم والتكميل والقدير ، اسم من أسماء الله تعالى كالقادر والمقتدر ، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض . قوله : لما أعطيت ، أي : الذي أعطيته ، وكذلك التقدير في قوله : لما منعت ، أي : الذي منعته . قوله : ولا ينفع ذا الجد ، الجد بالفتح الغنى كما فسره الحسن البصري على ما يأتي ذكره عن قريب ، وكذا قال الخطابي ، ويقال : هو الحظ والبخت والعظمة وكلمة من بمعنى البدل ، كقول الشاعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على الطهيان يريد : ليت لنا بدل ماء زمزم ، والطهيان اسم لبرادة . قلت : الطهيان بفتح الطاء المهملة والهاء والياء آخر الحروف : خشبة يبرد عليها الماء ويروى . فليت لنا من ماء وحمنان شربة وحمنان ، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنونين بينهما ألف : اسم موضع . وقال الجوهري : معنى منك هنا عندك ، أي : لا ينفع ذا الغنى عندك غناه ، إنما ينفعه العمل الصالح . وقال ابن التين : الصحيح عندي أنها ليست للبدل ، ولا بمعنى عند ، بل هو كما يقول : لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء . وقال الزمخشري في الفائق : من فيه كما في قولهم : هو من ذاك ، أي : بدل ذاك ، ومنه قوله تعالى : نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً أي : المحفوظ لا ينفعه حظه بدلك ، أي : بدل طاعتك . وقال التوربشتي : لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وإنما ينفعه العمل بطاعتك ، فمعنى منك عندك . وقال ابن هشام : من تأتي على خمسة عشر معنى ، فذكر الأول والثاني والثالث والرابع ، ثم قال : الخامس البدل ، نحو : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ لأن الملائكة لا تكون من الأنس ، ثم قال : ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي : ولا ينفع ذا الحظ حظه من الدنيا بدلك ، أي : بدل طاعتك ، أو بدل حظك ، أي : بدل حظه منك . وقيل : ضمن ينفع بمعنى يمنع ، ومتى علقت من بالجد انعكس المعنى . وقال ابن دقيق العيد : قوله : منك ، يجب أن يتعلق بـ ينفع ، وينبغي أن يكون ينفع قد ضمن معنى يمنع وما قاربه ، ولا يجوز أن يتعلق منك بالجد كما يقال : حظي منك كثير ، لأن ذلك نافع ، ثم الجد بفتح الجيم في جميع الروايات ومعناه الغنى - كما ذكرناه . وحكى الراغب : قيل : إن المراد بالجد أب الأب ، وأب الأم ، أي : لا ينفع أحدا نسبه ، كقوله تعالى : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ وقال القرطبي : حكي عن ابن عمر والشيباني أنه رواه بالكسر ، وقال : معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده ، وأنكره الطبري ، وقال القزاز في توجيه إنكاره : الاجتهاد في العمل نافع ، لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك ، فكيف لا ينفع عنده . قال : فيحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة . وقال غيره : لعل المراد إنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول ، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته . وقال النووي : المشهور الذي عليه الجمهور فتح الجيم ، ومعناه : لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، أو لا ينجيه حظك منه ، وإنما ينفعه العمل الصالح . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله تعالى والمنع والعطاء وتمام القدرة ، وروى ابن خزيمة من حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول في دبر الصلوات : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر . وروى أيضا عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ المعوذات في دبر كل صلاة . وعند النسائي : اقرأ بالمعوذتين . وفي كتاب اليوم والليلة لأبي نعيم الأصبهاني : من قال حين ينصرف من صلاة الغداة قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، عشر مرات ، أعطي بهن سبع خصال ، وكتب له عشر حسنات ، ومحي عنه بهن عشر سيئات ، ورفع له بهن عشر درجات ، وكن له عدل عشر نسمات ، وكن له عصمة من الشيطان ، وحرزا من المكروه ، ولا يلحقه في يومه ذلك ذنب إلا الشرك بالله ، ومن قالهن حين ينصرف من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك . وفي لفظ : من قال بعد الفجر ثلاث مرات وبعد العصر : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه ، كفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر . وعن أبي أمامة : من قرأ آية الكرسي وقل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت . رواه ابن السني من حديث إسماعيل بن عياش عن داود بن إبراهيم الذهلي عن أبي أمامة . وفي كتاب عمل اليوم والليلة لأبي نعيم الحافظ من حديث القاسم عنه : ما يفوت النبي صلى الله عليه وسلم في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع ، إلا سمعته يقول : اللهم اغفر لي خطاياي كلها ، اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف بسيئها إلا أنت . وروى الثعلبي في تفسيره من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام : من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته أجر المتقين وأعمال الصديقين . فائدة قد دارت على ألسن الناس زيادة لفظ في حديث الباب ، وهو : ولا راد لما قضيت ، وهذه الزيادة في مسند عبد بن حميد من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير ، لكن حذف قوله : ولا معطي لما منعت . ( وقال شعبة عن عبد الملك بهذا ) أشار بهذا التعليق إلى أن شعبة أيضا روى الحديث المذكور عن عبد الملك بن عمير كما رواه سفيان عنه ووصله السراج في مسنده : حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثني أبي ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : سمعت ورادا ، إلى آخره . ( وعن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن وراد بهذا ) هذا التعليق وصله السراج والطبراني وابن حبان عن شعبة ، قال : حدثني الحكم بن عتيبة ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد ، إلى آخره ، كلفظ عبد الملك بن عمير ، إلا أنهم قالوا فيه : إذا قضى صلاته وسلم ، قال : إلى آخره ، وهذا التعليق وقع هكذا مؤخرا عن أثر الحسن في رواية أبي ذر وفي رواية كريمة بالعكس ، لأن قوله : عن الحكم ، معطوف على قوله : عن عبد الملك ، وقوله : قال الحسن الجد غنى ، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه .