6 - بَاب الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ 883 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي ، عَنْ ابْنِ وَدِيعَةَ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدَّهْنِ لِلْجُمُعَةِ ) أَيِ اسْتِعْمَالُ الدُّهْنِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ الدَّالِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ ، سَمَّاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الصَّحَابَةِ ، وَكَذَا ابْنُ مَنْدَهْ ، وَعَزَاهُ لِأَبِي حَاتِمٍ . وَمُسْتَنَدُهُمْ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدًا ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِسَمَاعِهِ ، فَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ الْوَاسِطَةِ . وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَتَبَّعَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْهُ هَكَذَا ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَجْلَانَ عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، بَدَلُ سَلْمَانَ ، وَأَرْسَلَهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْهُ فَلَمْ يَذْكُرْ سَلْمَانَ وَلَا أَبَا ذَرٍّ ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ عَنْهُ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ اهـ . وَرِوَايَةُ ابْنِ عَجْلَانَ الْمَذْكُورِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَرِوَايَةُ أَبِي مَعْشَرٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَرِوَايَةُ الْعُمَرِيِّ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى ، فَأَمَّا ابْنُ عَجْلَانَ فَهُوَ دُونَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي الْحِفْظِ فَرِوَايَتُهُ مَرْجُوحَةٌ ، مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ وَدِيعَةَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي ذَرٍّ ، وَسَلْمَانَ جَمِيعًا ، وَيُرَجِّحُ كَوْنَهُ عَنْ سَلْمَانَ وُرُودُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ ، وَهُوَ بِقَافٍ مَفْتُوحَةِ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ ، قَالَ : وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ الْأَوَّلِينَ ، وَعَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَأَمَّا أَبُو مَعْشَرٍ فَضَعِيفٌ ، وَقَدْ قَصَّرَ فِيهِ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ ، وَأَمَّا الْعُمَرِيُّ فَحَافِظٌ وَقَدْ تَابَعَهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ السَّكَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَزَادَ فِيهِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عُمَارَةَ بْنَ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّ اهـ . وَقَوْلُهُ ابْنُ عَامِرٍ خَطَأٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ : عُمَارَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَبَيَّنَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَارَةَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ سَلْمَانَ ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . وَأَفَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سَعِيدًا حَضَرَ أَبَاهُ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ وَدِيعَةَ ، وَسَاقَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ ، وَقَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ الْجَرْمِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ لَيْسَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ ، فَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مَعَ أَبِيهِ مِنِ ابْنِ وَدِيعَةَ ، ثُمَّ اسْتَثْبَتَ أَبَاهُ فِيهِ فَكَانَ يَرْوِيهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي اخْتَارَهَا الْبُخَارِيُّ أَتْقَنُ الرِّوَايَاتِ ، وَبَقِيَّتُهَا إِمَّا مُوَافِقَةٌ لَهَا أَوْ قَاصِرَةٌ عَنْهَا أَوْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَمَا . وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ لِابْنِ وَدِيعَةَ صُحْبَةً فَفِيهِ تَابِعِيَّانِ وَصَحَابِيَّانِ كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنَ الطُّهْرِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طُهْرٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّنْظِيفِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ عَطْفِهِ عَلَى الْغُسْلِ أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ تَكْفِي فِي حُصُولِ الْغُسْلِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ التَّنْظِيفُ بِأَخْذِ الشَّارِبِ وَالظُّفْرِ وَالْعَانَةِ ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْغُسْلِ غَسْلُ الْجَسَدِ ، وَبِالتَّطْهِيرِ غَسْلُ الرَّأْسِ . قَوْلُهُ : ( وَيَدَّهِنُ ) الْمُرَادُ بِهِ إِزَالَةُ شَعَثَ الشَّعْرِ بِهِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّزَيُّنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ) أَيْ : إِنْ لَمْ يَجِدْ دُهْنًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى الْبَيْتِ تُؤْذِنُ بِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَتَّخِذَ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ طِيبًا وَيَجْعَلُ اسْتِعْمَالَهُ لَهُ عَادَةً فَيَدَّخِرُهُ فِي الْبَيْتِ . كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَيْتِ حَقِيقَتُهُ ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ ، فَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى : إِنْ لَمْ يَتَّخِذْ لِنَفْسِهِ طِيبًا فَلْيَسْتَعْمِلْ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : وَلَوْ مِنْ طِيبِ الْمَرْأَةِ . وَفِيهِ أَنَّ بَيْتَ الرَّجُلِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ امْرَأَتُهُ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ مِنَ الزِّيَادَةِ : وَيَلْبَسُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَخْرُجُ ) زَادَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : ثُمَّ يَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ ) فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ : ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ) فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : ثُمَّ يَرْكَعُ مَا قُضِيَ لَهُ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فَيَرْكَعُ إِنْ بَدَا لَهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ : حَتَّى يَقْضِيَ صَلَاتُهُ ، وَنَحْوَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ . قَوْلُهُ : ( غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ) فِي رِوَايَةِ قَاسِمِ بْنِ يَزِيدَ : حُطَّ عَنْهُ ذُنُوبُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، وَالْمُرَادُ بِالْأُخْرَى : الَّتِي مَضَتْ ، بَيَّنَهُ اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَلَفْظُهُ : غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَارَةَ ، عَنْ سَلْمَانَ ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ : مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَأَصْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِاخْتِصَارٍ وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا لَمْ يَغْشَ الْكَبَائِرَ ، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا : كَرَاهَةُ التَّخَطِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ : أَكْرَهُ التَّخَطِّيَ إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إِلَى الْمُصَلَّى إِلَّا بِذَلِكَ اهـ . وَهَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِمَامُ وَمَنْ يُرِيدُ وَصْلَ الصَّفِّ الْمُنْقَطِعِ إِنْ أَبَى السَّابِقُ مِنْ ذَلِكَ ، وَمَنْ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إِلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي قَامَ مِنْهُ لِضَرُورَةٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ يَكُونُ مُعَظَّمًا لِدِينِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ أَلِفَ مَكَانًا يَجْلِسُ فِيهِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ : لَا يُكْرَهُ التَّخَطِّي إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ النَّافِلَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِقَوْلِهِ : صَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ ، فَدَلَّ عَلَى تَقَدُّمِ ذَلِكَ عَلَى الْخُطْبَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ بِلَفْظِ : فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْإِمَامَ خَرَجَ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ وَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّبْكِيرَ لَيْسَ مِنِ ابْتِدَاءِ الزَّوَالِ لِأَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ يَعْقُبُ الزَّوَالَ فَلَا يَسَعُ وَقْتًا يَتَنَفَّلُ فِيهِ . وَتَبَيَّنَ بِمَجْمُوعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ تَكْفِيرَ الذُّنُوبِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ غُسْلٍ ، وَتَنْظِيفٍ ، وَتَطَيُّبٍ أَوْ دَهْنٍ ، وَلُبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ ، وَالْمَشْيِ بِالسَّكِينَةِ ، وَتَرْكِ التَّخَطِّي وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ ، وَتَرْكِ الْأَذَى ، وَالتَّنَفُّلِ ، وَالْإِنْصَاتِ ، وَتَرْكِ اللَّغْوِ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : فَمَنْ تَخَطَّى أَوْ لَغَا كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا وَدَلَّ التَّقْيِيدُ بِعَدَمِ غِشْيَانِ الْكَبَائِرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ هُوَ الصَّغَائِرُ فَتُحْمَلُ الْمُطْلَقَاتُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ ، أَيْ : فَإِنَّهَا إِذَا غُشِيَتْ لَا تُكَفَّرُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ تَكْفِيرَ الصَّغَائِرِ شَرْطُهُ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ إِذِ اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ بِمُجَرَّدِهِ يُكَفِّرُهَا كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَفِّرَهَا إِلَّا اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ صَغَائِرُ تُكَفَّرُ رُجِيَ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ مِنَ الْكَبَائِرِ ، وَإِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ ، وَهُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا وَرَدَ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّهْنِ لِلْجُمُعَةِ · ص 430 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الدهن للجمعة · ص 363 6 - باب الدهن للجمعة فيه عن سلمان ، وأبي هريرة : أما حديث سلمان : فقال : 883 - ثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : أخبرني أبي ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه - أو يمس من طيب بيته - ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . هذا الحديث تفرد بتخريجه البخاري دون مسلم ؛ لاختلاف وقع في إسناده . وقد خرجه البخاري هاهنا ، عن آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب . ثم خرجه بعد ذلك من طريق ابن المبارك ، عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد - أيضا ، وكذا رواه جماعة عن ابن أبي ذئب . ورواه بعضهم ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن ابن وديعة ، عن سلمان - لم يذكر في إسناده : أبا سعيد المقبري . ورواه الضحاك بن عثمان ، عن المقبري بهذا الإسناد - أيضا - مع الاختلاف عليه في ذكر أبي سعيد وإسقاطه . وزاد الضحاك في حديثه : قال سعيد المقبري : فحدثت بذلك عمارة بن عمرو بن حزم ، فقال : أوهم ابن وديعة ؛ سمعته من سلمان يقول : وزيادة ثلاثة أيام . ورواه ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . قال ابن عجلان : فذكرته لعبادة بن عامر بن عمرو بن حزم ، فقال : صدق ، وزيادة ثلاثة أيام . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، ولم يذكر آخره . وقد روى ابن أبي حاتم - مرة - عن أبي زرعة ، أنه قال : حديث ابن عجلان أشبه . يعني : قوله : عن أبي ذر . ونقل - مرة أخرى - عن أبيه وأبي زرعة ، أنهما قالا : حديث سلمان الأصح . وكذا قال علي بن المديني والدارقطني ، وهو الذي يقتضيه تصرف البخاري . وكذا قال ابن معين : ابن أبي ذئب أثبت في المقبري من ابن عجلان . وعبيد الله بن وديعة - ويقال : عبد الله - قال أبو حاتم الرازي : الصحيح عبيد الله . وقال أبو زرعة : الصحيح عبد الله . وقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، فسماه : عبيد الله بن عدي ابن الخيار ، وهو وهم منه - : قاله أبو حاتم . وقد رواه جماعة ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : ابن جريج وعبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله وغيرهم . وزاد ابن جريج : وعن عمارة بن عامر الأنصاري . قال الدارقطني : ووهم في ذلك ؛ إنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم ، كما ذكر الضحاك . ورواه صالح بن كيسان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال أبو زرعة وأبو حاتم : هو خطأ ؛ إنما هو ما قاله ابن أبي ذئب وابن عجلان . ولا ريب أن الذين قالوا فيه : عن أبي هريرة جماعة حفاظ ، لكن الوهم يسبق كثيرا إلى هذا الإسناد ؛ فإن رواية سعيد المقبري ، عن أبي هريرة - أو عن أبيه ، عن أبي هريرة سلسلة معروفة ، تسبق إليها الألسن ، بخلاف رواية سعيد ، عن أبيه ، عن ابن وديعة ، عن سلمان ؛ فإنها سلسلة غريبة ، لا يقولها إلا حافظ لها متقن . ورجح ابن المديني قول من رواه ، عن سلمان ، [بأن حديثه . . .] ، فإنه قد رواه النخعي ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقوله : لا يغتسل رجل يوم الجمعة يؤخذ منه اختصاص الغسل بالرجال ، كما هو قول أحمد ، ويأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وقوله : ويتطهر ما استطاع من طهر ، الظاهر : أنه أراد به المبالغة في التنظف ، وإزالة الوسخ ، وربما دخل فيه تقليم الأظفار ، وإزالة الشعر من قص الشعر وحلق العانة ونتف الإبط ؛ فإن ذلك كله طهارة . ويدل عليه : ما خرجه البزار من حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الطهارات أربع : قص الشارب ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والسواك . وفي إسناده : معاوية بن يحيى ، قال البزار : ليس بالقوي ، وقد حدث عنه أهل العلم ، واحتملوا حديثه . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة . فقال رجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى ، أفأضحي بها ؟ قال : لا ، ولكن تأخذ من شعرك ، وتقلم أظفارك ، وتقص شاربك ، وتحلق عانتك ، فذلك من تمام أضحيتك عند الله عز وجل . وهذا يشعر باستحباب هذه الطهارات في الأعياد كلها ، وأنها من تمام النسك المشروع فيها ، والجمعة من جملة الأعياد ، وهي عيد الأسبوع ، كما أن عيد الفطر والأضحى عيد العام . وقوله : ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ظاهره : التخيير بين الأمرين ، إما الادهان ، أو التطيب ، وأن أحدهما كاف . وقوله : من طيب بيته يشير إلى أنه ليس عليه أن يطلب ما لا يجده ، بل يجتزئ بما وجده في بيته . والادهان : هو دهن شعر الرأس واللحية مع تسريحه ، وهو الترجل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله . وفي صحيح مسلم ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شمط مقدم رأسه ولحيته فكان إذا ادهن لم يتبين ، وإذا شعث رأسه تبين ، وكان كثير شعر الرأس واللحية صلى الله عليه وسلم . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل الطيب في شعره . وقد خرج البخاري في كتابه هذا من حديث ربيعة ، قال : رأيت شعرا من شعره - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - أحمر ، فسألت عنه ، فقيل لي : احمرَّ من الطيب . وخرج البزار في مسنده من حديث ابن عقيل ، عن أنس ، أن عمر بن عبد العزيز سأله عن خضاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له : إني رأيت شعرا من شعره قد لون ؟ فقال : إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : ثم يخرج يشير إلى أنه يفعل ذلك كله في بيته قبل خروجه ، ثم بعد ذلك يخرج إلى المسجد . وقوله : فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام يأتي الكلام على هذه الثلاثة فيما بعد - إن شاء الله تعالى . وقوله : إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . المراد بذلك : الصغائر ؛ بدليل ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر . وفي حديث عمارة بن عمرو بن حزم ، عن سلمان : وزيادة ثلاثة أيام . وخرج مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل ، ثم أتى الجمعة ، فصلى ما قدر له ، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ، فصلى معه ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام . وخرجه أبو داود من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، وجعل ذكر الثلاثة من قول أبي هريرة ، قال : وكان أبو هريرة يقول : وثلاثة أيام زيادة ؛ إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدهن للجمعة · ص 174 ( باب الدهن للجمعة ) أي هذا باب في بيان حكم الدهن لأجل الجمعة ، والدهن بفتح الدال مصدر من دهنت دهنا ، وبالضم اسم ، وهاهنا بالفتح ، وإنما لم يجزم بحكمه للاختلاف فيه على ما نذكره . 8 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : أخبرني أبي ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام ، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . مطابقته للترجمة في قوله : " ويدهن من دهنه " . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ الأول : آدم ابن أبي إياس . الثاني : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب ، واسمه هشام القرشي العامري أبو الحارث المدني . الثالث : سعيد ابن أبي سعيد ، واسمه كيسان المقبري ، أبو سعيد المدني ، والمقبري نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورا بها . الرابع : أبو سعيد المقبري . الخامس : عبد الله بن وديعة بن حرام ، أبو وديعة الأنصاري المدني قتل بالحرة . السادس : سلمان الفارسي ، رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه الإخبار بصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه القول في أربعة مواضع . وفيه أن رواته كلهم مدنيون . وفيه ثلاثة من التابعين متوالية وهم سعيد وأبوه وابن وديعة ، وقد ذكر ابن سعد ابن وديعة من الصحابة ، وكذا ذكره ابن منده ، وعزاه لأبي حاتم ، وقال الذهبي في تجريد الصحابة : عبد الله بن وديعة بن حرام الأنصاري له صحبة ، وروى عنه أبو سعيد المقبري . فعلى هذا يكون فيه رواية تابعيين عن صحابيين . وفيه رواية الابن عن الأب . وفيه أن ابن وديعة ليس له في البخاري إلا هذا الحديث . وفيه غمز الدارقطني على البخاري حيث قال : إنه اختلف فيه على سعيد المقبري ، فرواه ابن أبي ذئب عنه هكذا ، ورواه ابن عجلان عنه فقال : عن أبي ذر بدل سلمان ، وأرسله أبو معشر عنه فلم يذكر سلمان ولا أبا ذر ، ورواه عبيد الله العمري عنه فقال عن أبي هريرة ، انتهى . قلت : رواية ابن عجلان من حديث أبي ذر أخرجها ابن ماجه فقال : أخبرنا سهل بن أبي سهل وحوثرة بن محمد ، قالا : أخبرنا يحيى بن سعيد القطان ، عن ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله وتطهر فأحسن طهوره ، ولبس من أحسن ثيابه ، ومس ما كتب الله له من طيب أهله ، ثم أتى الجمعة ولم يلغ ولم يفرق بين اثنين ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " ، ورواية أبي معشر عن سعيد بن منصور ، ورواية عبيد الله العمري عن أبي يعلى ، ولا يرد كلام الدارقطني لأن رواية البخاري والطريقة التي فيها من أتقن الروايات وأحكمها ، وغيرها لا يلحقها . ذكر معناه قوله : " لا يغتسل رجل " إلى آخره ، مشتمل على شروط سبعة لحصول المغفرة وجاء في غيره من الأحاديث شروط أخرى ، على ما نذكرها إن شاء الله تعالى ؛ الأول : الاغتسال يوم الجمعة ، وفيه دليل على أنه يدخل وقت غسل الجمعة بطلوع الفجر من يومه ، وهو قول جمهور العلماء . الثاني : التطهر ، وهو معنى " ويتطهر ما استطاع من الطهر " ، وفي رواية الكشميهني " من طهر " بالتنكير ، ويراد به المبالغة في التنظيف ، فلذلك ذكره في باب التفعل ، وهو للتكلف ، والمراد به التنظيف بأخذ الشارب وقص الظفر وحلق العانة ، أو المراد بالاغتسال غسل الجسد وبالتطهر غسل الرأس ، أو المراد به تنظيف الثياب ، وورد ذلك في حديث أبي سعيد وأبي أيوب ، فحديث أبي سعيد عند أبي داود ولفظه : " من اغتسل يوم الجمعة ولبس من أحسن ثيابه " وحديث أبي أيوب عند أحمد والطبراني ولفظه " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه " . الثالث : الادهان وهو معنى قوله " ويدهن من دهنه " والمراد به إزالة شعث الرأس واللحية به ، ويدهن بتشديد الدال من باب الافتعال ، لأن أصله يتدهن ، فقلبت التاء دالا وأدغمت الدال في الدال . الرابع : مس الطيب ، وهو معنى قوله " أو يمس من طيب بيته " قيل : معناه إن لم يجد دهنا يمس من طيب بيته ، وقيل : أو بمعنى الواو ، وقال الكرماني : وأو في " أو يمس " لا ينافي الجمع بينهما ، وقيل : " بطيب بيته " ليؤذن بأن السنة أن يتخذ الطيب لنفسه ويجعل استعماله عادة له فيدخر في البيت بناء على أن المراد بالبيت حقيقته ، ولكن في حديث عبد الله بن عمرو عند داود " أو يمس من طيب امرأته " والمعنى على هذا : إن لم يتخذ لنفسه طيبا فليستعمل من طيب امرأته ، وفي حديث سلمان عند البخاري ولفظه " أو يمس من طيب بيته " . وقال شيخنا زين الدين في شرح الترمذي : الظاهر أن تقييد ذلك بطيب المرأة والأهل غير مقصود ، وإنما خرج مخرج الغالب ، وإنما المراد بما سهل عليه مما هو موجود في بيته ، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد وأبي هريرة " ويمس من طيب إن كان عنده " أي : في البيت سواء كان فيه طيب أهله أو طيب امرأته . قوله : " ثم يخرج " زاد في حديث أبي أيوب عند ابن خزيمة " إلى المسجد " . الخامس : أن لا يفرق بين اثنين وهو معنى قوله " فلا يفرق بين اثنين " وهو كناية عن التبكير أي عليه أن يبكر فلا يتخطى رقاب الناس كذا قاله الكرماني ، ويقال : معناه لا يزاحم رجلين فيدخل بينهما لأنه ربما ضيق عليهما خصوصا في شدة الحر واجتماع الأنفاس . السادس يصلي ما شاء وهو معنى قوله " ثم يصلي ما كتب له " وفي حديث أبي الدرداء عند أحمد والطبراني " وركع ما قضي له " وفي حديث أبي أيوب عند أحمد والطبراني أيضا " فيركع إن بدا له " . السابع : الإنصات ، وهو معنى قوله " ثم ينصت " بضم الياء من الإنصات ، يقال : أنصت إذا سكت وأنصته إذا أسكته ، فهو لازم ومتعد ، والأول المراد هنا ، ويروى ثم أنصت ، وفي أصول مسلم " انتصت " ، بزيادة التاء المثناة من فوق ، قال عياض : وهو وهم . وذكر صاحب الموعب والأزهري وغيرهما : أنصت ونصت وانتصت ، ثلاث لغات بمعنى واحد ، فلا وهم حينئذ . قوله : " إذا تكلم الإمام " أي : إذا شرع في الخطبة ، وفي حديث قرثع الضبي " حتى يقضي صلاته " ، ونحوه في حديث أبي أيوب . وأما الزيادة على الشروط السبعة المذكورة ، فمنها : المشي وترك الركوب ، وفي حديث أبي الدرداء عند أحمد ، والطبراني في الكبير " من اغتسل يوم الجمعة " الحديث ، وفيه " ثم مشى إلى الجمعة " ، ولا شك أن المشي في السعي إليها أفضل إلا أن يكون بعيدا عن مكان إقامتها وخشي فوتها فالركوب أفضل ، وهل المراد بالمشي في الذهاب إليها فقط أو الذهاب والرجوع ؟ أما في الذهاب إليها فهو آكد ، وأما في الرجوع فهو مندوب إليه أيضا . ومنها ترك الأذى ، ففي حديث أبي أيوب : " ولم يؤذ أحدا " ( فإن قلت ) : قوله " فلا يفرق بين اثنين " ، يغني عن هذا . ( قلت ) : الأذى أعم من التفريق بين الاثنين ، فيحتمل أن يكون الأذى في المسجد وفي طريق المسجد ، ويدل عليه ما في حديث أبي الدرداء " ولم يتخط أحدا ولم يؤذ " ، والعطف يقتضي المغايرة ، فهو من ذكر العام بعد الخاص . ومنها المشي إلى المسجد وعليه السكينة ، وفي حديث أبي أيوب " ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد " ، والمراد به التؤدة في مشيه إلى الجمعة وتقصير الخطا . ومنها الدنو من الإمام ، كما جاء في رواية أبي داود والنسائي وابن ماجه ، ثم المراد بالدنو من الإمام هل هو حالة الخطبة أو حالة الصلاة إذا تباعد ما بين المنبر والمصلى مثلا ؟ الظاهر أن المراد حينئذ الدنو منه في حالة الخطبة لسماعها ، وفي حديث ابن عباس عند البزار والطبراني في الأوسط " ثم دنا حيث يسمع خطبة الإمام " والحديث ضعيف . ومنها ترك اللغو ، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود " ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة ، كانت كفارة لما بينهما ، ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا " ، وفي حديث أبي طلحة عند الطبراني في الكبير " وأنصت ولم يلغ في يوم الجمعة " ، الحديث ، واللغو قد يكون بغير الكلام كمس الحصى وتقليبه بحيث يشغل سمعه وفكره ، وفي بعض الأحاديث " ومن مس الحصى فقد لغا " . ومنها الاستماع ، وهو إلقاء السمع لما يقوله الخطيب ، ( فإن قلت ) : الإنصات يغني عنه . ( قلت ) : لا ، لأن الإنصات ترك الكلام والاستماع ما ذكرناه ، وقد يستمع ولا ينصت بأن يلقي سمعه لما يقوله وهو يتكلم بكلام يسير ، أو يكون قوي الحواس بحيث لا يشتغل بالاستماع عن الكلام ولا بالكلام عن الاستماع ، فالكمال الجمع بين الإنصات والاستماع . قوله : " ما بينه وبين الجمعة الأخرى " أي : ما بين يوم الجمعة هذا وبين يوم الجمعة الأخرى ، قوله : " الأخرى " يحتمل الماضية قبلها والمستقبلة بعدها ، لأن الأخرى تأنيث الآخر بفتح الخاء لا بكسرها . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب الغسل يوم الجمعة . وقوله : " لا يغتسل " إلى آخره ، هو محمول على الغسل الشرعي عند جمهور العلماء ، وحكي عن المالكية تجويزه بماء الورد ، ويرده قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " . وفيه استحباب تنظيف ثيابه يوم الجمعة . وفيه استحباب الادهان والتطيب . وفيه كراهة التخطي يوم الجمعة ، وقال الشافعي : أكره التخطي إلا لمن لا يجد السبيل إلى المصلى إلا بذلك . وكان مالك لا يكره التخطي إلا إذا كان الإمام على المنبر . وفيه مشروعية التنفل قبل صلاة الجمعة بما شاء لقوله صلى الله عليه وسلم : " صلى ما كتب له " . وفيه وجوب الإنصات لورود الأمر بذلك . واختلف العلماء في الكلام : هل هو حرام أم مكروه كراهة تنزيه ؟ وهما قولان للشافعي قديم وجديد ، قال القاضي : قال مالك وأبو حنيفة وعامة الفقهاء : يجب الإنصات للخطبة . وحكي عن الشعبي والنخعي أنه لا يجب إلا إذا تلي فيها القرآن . واختلفوا إذا لم يسمع الإمام ، هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه ؟ فقال الجمهور : يلزمه . وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه : لا يلزمه . ولو لغا الإمام هل يلزمه الإنصات أم لا ؟ فيه قولان . وفيه أن المغفرة ما بينه وبين الجمعة الأخرى مشروطة بوجود ما تقدم من الأمور السبعة المذكورة في الحديث ، ( فإن قلت ) : في حديث نبيشة " يكون كفارة للجمعة التي تليها " فما وجه الجمع بين الحديثين ؟ ( قلت ) : يحتمل أن يحمل الحديثان على حالين ، فإن كانت له ذنوب في الجمعة التي قبلها كفرت ما قبلها ، فإن لم تكن له ذنوب فيها بأن حفظ فيها أو كفرت بأمر آخر إما بالأيام الثلاثة الزائدة على الأسبوع التي عينها في الحديث " وزيادة ثلاثة أيام " فتكفر عنه ذنوب الجمعة المستقبلة . ( فإن قلت ) : تكفير الذنوب الماضية بالحسنات وبالتوبة وبتجاوز الله تعالى ، فكيف يعقل تكفير الذنب قبل وقوعه ؟ ( قلت ) : المراد عدم المؤاخذة به إذا وقع ، ومنه ما ورد في مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر ، ومنه حديث أبي قتادة في صحيح مسلم " صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " .