16 - بَاب وَقْتُ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ 903 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَمْرَةَ عَنْ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنْفُسِهِمْ ، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَوْ اغْتَسَلْتُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَقْتِ الْجُمُعَةِ ) أَيْ أَوَّلِهِ ( إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ ) جَزَمَ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ وُقُوعِ الْخِلَافِ فِيهَا لِضَعْفِ دَلِيلِ الْمُخَالِفِ عِنْدَهُ . قَوْلُهُ : ( وَكَذَا يُذْكَرُ عَنْ عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ، وَعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ) قِيلَ : إِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ عَلِيٍّ وَمَنْ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ ، إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَجْزَأَ اهـ . وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَمَا سَيَأْتِي ، فَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ عُمَرَ فَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ قَالَ شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ، وَشَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ - رضيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِيدَانَ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ ، قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ شِبْهُ الْمَجْهُولِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ ، بَلْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ سُوَيْدِ بْنِ غَفْلَةَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ كُنْتُ أَرَى طُنْفُسَةً لِعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ تُطْرَحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ الْغَرْبِيِّ ، فَإِذَا غَشِيَهَا ظِلُّ الْجِدَارِ خَرَجَ عُمَرُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَخْرُجُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ ، وَفَهِمَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ عَكْسَ ذَلِكَ ، وَلَا يُتَّجَهُ إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الطُّنْفُسَةَ كَانَتْ تُفْرَشُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُفْرَشُ لَهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ ، وَعَلَى هَذَا فَكَانَ عُمَرُ يَتَأَخَّرُ بَعْدَ الزَّوَالِ قَلِيلًا ، وَفِي حَدِيثِ السَّقِيفَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ عُمَرُ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ; وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقَ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ فَأَحْيَانًا نَجِدُ فَيْئًا وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْمُبَادَرَةِ عِنْدَ الزَّوَالِ أَوِ التَّأْخِيرِ قَلِيلًا ، وَأَمَّا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ يُصَلِّي بِنَا الْجُمُعَةَ بَعْدَمَا تَزُولُ الشَّمْسُ . قُلْتُ : وَكَانَ النُّعْمَانُ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ الْعَيْزَارِ قَالَ مَا رَأَيْتُ إِمَامًا كَانَ أَحْسَنَ صَلَاةً لِلْجُمُعَةِ مِنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، فَكَانَ يُصَلِّيهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ أَيْضًا ، وَكَانَ عَمْرٌو يَنُوبُ عَنْ زِيَادٍ وَعَنْ وَلَدِهِ فِي الْكُوفَةِ أَيْضًا . وَأَمَّا مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ قَالَ صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - الْجُمُعَةَ ضُحًى وَقَالَ : خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ وَعَبْدُ اللَّهِ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ قَالَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَسَعِيدٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الضُّعَفَاءِ وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ : فَلَمَّا سَمَّاهُ عِيدًا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَقْتَ الْعِيدِ كَالْفِطْرِ وَالْأَضْحَى ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِيدًا أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى جَمِيعِ أَحْكَامِ الْعِيدِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ يَحْرُمُ صَوْمُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ صَامَ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِاتِّفَاقِهِمْ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( كَانَ النَّاسُ مَهَنَةً ) بِنُونٍ وَفَتَحَاتٍ جَمْعُ مَاهِنٍ كَكَتَبَةٍ وَكَاتِبٍ أَيْ خَدَمَ أَنْفُسِهِمْ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ بِإِسْقَاطِ مَحْذُوفٍ أَيْ ذَوِي مِهْنَةٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْ يَكْفِيهِمُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَدَمِ . قَوْلُهُ : ( وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ رَاحُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّوَاحِ فِي قَوْلِهِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَرِينَةُ مُخَصِّصَةٌ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى قَائِمَةٌ فِي إِرَادَةِ مُطْلَقِ الذَّهَابِ ، وَفِي هَذَا قَائِمَةٌ فِي الذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا حَيْثُ قَالَتْ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا يَشْتَدُّ الْحَرُّ ، وَهَذَا فِي حَالِ مَجِيئِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا حِينَ الزَّوَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَعُرِفَ بِهَذَا تَوْجِيهُ إِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ . ( تنبيهٌ ) : أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ طَرِيقَ عَمْرَةَ هَذِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَقْتُ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ · ص 449 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وقت الجمعة إذا زالت الشمس · ص 412 16 - باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس وكذلك يروى عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشير ، وعمرو بن حريث . أما المروي عن عمر : فروى مالك في الموطأ ، عن عمه أبي سهيل ، عن أبيه ، قال : كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب يوم الجمعة تطرح إلى جدار المسجد الغربي ، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب فصلى الجمعة . قال : ثم نرجع بعد الجمعة فنقيل قائلة الضحى . وأما المروي عن علي : فمن طريق إسماعيل بن سميع ، عن أبي رزين ، قال : صليت خلف علي بن أبي طالب الجمعة حين زالت الشمس . وأما المروي عن النعمان بن بشير وعمرو بن حريث : فخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك ، قال : كان النعمان بن بشير يصلي بنا الجمعة بعدما تزول الشمس . ومن طريق الوليد بن العيزار ، قال : ما رأيت إماما كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث ، وكان يصليها إذا زالت الشمس . وقد روي هذا - أيضا - عن معاذ بن جبل ، لكن من وجه منقطع . وهو قول أكثر الفقهاء ، منهم : الحسن ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي . وذهب كثير من العلماء إلى أنه يجوز إقامتها قبل الزوال ، وسنذكر ذلك فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب وقت الجمعة إذا زالت الشمس · ص 413 خرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 903 - ثنا عبدان ، أنا عبد الله - هو : ابن المبارك - ، أنا يحيى بن سعيد ، أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة ، فقالت : قالت عائشة : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم . هذا مما يستدل به على أن الغسل للجمعة غير واجب ، كما سبق . والمراد بالمهنة : الخدمة ، وقضاء الحوائج والأشغال ، وذلك يوجب الوسخ والشعث . ووجه احتجاج البخاري به في هذا الباب : أن فيه ذكر رواح الناس إلى الجمعة ، والرواح إنما يكون بعد الزوال ، فدل على أن الجمعة إنما كانت تقام في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الزوال . وقد يقال : ذكر الرواح في هذا الحديث كذكر الرواح في قوله : من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة - الحديث ، ولم يحمله أكثر العلماء على ما بعد الزوال ، كما سبق ، فالقول في هذا كالقول في ذاك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وقت الجمعة إذا زالت الشمس · ص 199 باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس أي هذا باب في بيان أن وقت صلاة الجمعة إذا زالت الشمس من كبد السماء . وقال بعضهم : جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده . قلت : لا حاجة إلى القيد بلفظ عنده ؛ لأن عند غيره أيضا من جماهير العلماء : أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس . ( وكذلك يروى عن عمر ، وعلي ، والنعمان بن بشير ، وعمرو بن حريث رضي الله عنهم ) . أي كما ذكرنا : إن وقت الجمعة إذا زالت الشمس كذلك روي عن هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهذه أربع تعاليق . الأول : عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حين تزول الشمس ، وفي حديث السقيفة عن ابن عباس قال : فلما كان يوم الجمعة ، وزالت الشمس خرج عمر فجلس على المنبر . الثاني : عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فرواه ابن أبي شيبة عن وكيع عن أبي العنبس عمرو بن مروان ، عن أبيه ، قال : كنا نجمع مع علي إذا زالت الشمس . وقال ابن حزم : روينا عن أبي إسحاق قال : شهدت علي بن أبي طالب يصلي الجمعة إذا زالت الشمس . الثالث : عن النعمان بن بشير فرواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عبيد الله بن موسى عن سماك قال : كان النعمان يصلي بنا الجمعة بعد ما تزول الشمس ، انتهى . وكان النعمان أميرا على الكوفة في أول خلافة يزيد بن معاوية . الرابع : عن عمرو بن حريث فرواه ابن أبي شيبة أيضا من طريق الوليد بن العيزار قال : ما رأيت إماما كان أحسن صلاة للجمعة من عمرو بن حريث ، فكان يصليها إذا زالت الشمس . إسناده صحيح ، وكان عمرو ينوب عن زياد ، وعن ولده في الكوفة أيضا ، فإن قلت : لم اقتصر البخاري على هؤلاء الصحابة دون غيرهم ؟ قلت : قيل : لأنه نقل عنهم خلاف ذلك ، وفي التوضيح : لأنه روى عن أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي رضي الله تعالى عنهم أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا يثبت ، قاله ابن بطال ، وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال : كنا نصلي مع علي الجمعة فأحيانا نجد فيئا ، وأحيانا لا نجد ، وروي أيضا عن طريق عبد الله بن سلمة بكسر اللام ، وقال : صلى بنا عبد الله يعني ابن مسعود الجمعة ضحى ، وقال : خشيت عليكم الحر ، وروي أيضا من طريق سعيد بن سويد قال : صلى بنا معاوية الجمعة ضحى ، وروي أيضا عن غندر ، عن شعبة ، عن سلمة بن كهيل ، عن مصعب بن سعد قال : كان سعد يقيل بعد الجمعة . قلت : الجواب عما روي عن علي رضي الله تعالى عنه إنه محمول على المبادرة عند الزوال أو التأخير قليلا . وأما الذي روي عن ابن مسعود ففيه عبد الله ، وهو صدوق ، ولكنه تغير لما كبر قاله شعبة وغيره . وأما الذي روي عن معاوية ففي سنده سعيد ، ذكره ابن عدي في الضعفاء ، وقال البخاري : لا يتابع على حديثه . وأما الذي روي عن سعد فلا يدل على فعلها قبل الزوال ؛ بل إنه كان يؤخر النوم للقائلة إلى بعد الزوال لاشتغاله بالتهيئة إلى الجمعة من الغسل والتنظيف أو لتبكيره إليها . 26 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة فقالت : قالت عائشة رضي الله عنها : كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم : لو اغتسلتم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا لأن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال ، فإن قلت : روي عن الزهري أنه قال : المراد بالرواح في قوله : من اغتسل يوم الجمعة ثم راح الذهاب مطلقا ، فإذا كان كذلك لا توجد المطابقة بين الحديث والترجمة ، قلت : إما يكون مجازا أو مشتركا ، فعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصة في قوله : من راح في الساعة الأولى قائمة في إرادة مطلق الذهاب ، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : عبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة وتخفيف الدال المهملة ، وبعد الألف نون ، واسمه عبد الله بن عثمان بن جبلة الأزدي أبو عبد الرحمن المروزي مات سنة إحدى وعشرين ومائتين ، الثاني : عبد الله بن المبارك ، الثالث : يحيى بن سعيد الأنصاري ، الرابع : عمرة بفتح العين المهملة وسكون الميم بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية المدنية ، الخامس : عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وبصيغة الإخبار كذلك في موضعين ، وفيه السؤال ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه شيخ البخاري مذكور باللقب ، وفيه رواية التابعية عن الصحابية ، وفيه رواية التابعي عن التابعية ، وفيه من الرواة مروزيان ، وهما شيخه ، وشيخ شيخه ، ومدني ، ومدنية ، وهما يحيى ، وعمرة . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن محمد بن رمح عن الليث ، وأخرجه أبو داود في الطهارة عن مسدد عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد به . ( ذكر معناه ) قوله : مهنة أنفسهم بفتح الميم والهاء والنون ، جمع ماهن ككتبة جمع كاتب ، والماهن الخادم ، وحكى ابن التين أنه روي بكسر الميم وسكون الهاء ، وهو مصدر ، ومعناه : أصحاب خدمة أنفسهم . قلت : هي رواية أبي ذر ، وفي رواية مسلم من طريق الليث عن يحيى بن سعيد : كان الناس أهل عمل ، ولم يكن لهم كفاءة ، أي : لم يكن لهم من يكفيهم العمل من الخدم ، قوله : إذا راحوا أي : إذا ذهبوا بعد الزوال ؛ لأن حقيقة الرواح بعد الزوال عند أكثر أهل اللغة ، وفيه سؤال ذكرناه عن قريب مع جوابه ، قوله : لو اغتسلتم كلمة لو ، إما للتمني ، فلا تحتاج إلى جواب ، وإما على أصلها فجوابها محذوف ، نحو : لكان حسنا ، ونحو ذلك . ( ومما يستفاد منه ) أن وقت الجمعة بعد الزوال ، وهو وقت الظهر ، وأن الاغتسال مستحب لإزالة الرائحة الكريهة حتى لا يتأذى الناس ؛ بل الملائكة أيضا - .