بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 13 ) كِتَاب الْعِيدَيْنِ 1- بَاب فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ 948- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ : أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ابْتَعْ هَذِهِ ، تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ . فَلَبِثَ عُمَرُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ ، فَأَقْبَلَ بِهَا عُمَرُ ، فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ قُلْتَ : إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ وَأَرْسَلْتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ الْجُبَّةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَبِيعُهَا أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَسَاكِرَ ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَبْوَابٌ بَدَلَ كِتَابٍ . وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَالْبَاقِينَ عَلَى قَوْلِهِ بَابُ إِلَخْ وَالضَّمِيرُ فِي فِيهِ رَاجِعٌ إِلَى جِنْسِ الْعِيدِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِيهِمَا . قَوْلُهُ : ( أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنِ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ ، فَأَخَذَهَا فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ أَخَذَ بِهَمْزَةٍ وَخَاءٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَجَدَ بِوَاوٍ وَجِيمٍ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ طُرُقٍ إِلَى أَبِي الْيَمَانِ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . وَوَجَّهَ الْكِرْمَانِيُّ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ أَرَادَ مَلْزُومَ الْأَخْذِ وَهُوَ الشِّرَاءُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ السَّوْمَ . قَوْلُهُ : ( ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مَجْزُومًا وَكَذَا جَوَابُهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ ابْتَاعَ هَذِهِ تَجَمَّلَ وَضُبِطَ فِي نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهَامٍ مَمْدُودَةٍ وَمَقْصُورَةٍ وَضَمِّ لَامِ تَجَمَّلَ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ تَتَجَمَّلُ فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَأَنَّ عُمَرَ اسْتَأْذَنَ أَنْ يَبْتَاعَهَا لِيَتَجَمَّلَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَشْبَعَ فَتْحَةَ التَّاءِ فَظُنَّتْ أَلِفًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ قَوْلُهُ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَوْعِ الْجُبَّةِ ، كَذَا قَالَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ إِشَارَةٌ إِلَى عَيْنِهَا وَيَلْتَحِقُ بِهَا جِنْسُهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ تَوْجِيهُ التَّرْجَمَةِ وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَقْرِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَصْلِ التَّجَمُّلِ ، وَإِنَّمَا زَجْرُهُ عَنِ الْجُبَّةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَرِيرًا . قَوْلُهُ : ( لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ بِلَفْظِ لِلْجُمُعَةِ بَدَلَ لِلْعِيدِ وَهِيَ رِوَايَةُ نَافِعٍ ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ سَالِمٍ ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . وَكَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَهُمَا مَعًا فَاقْتَصَرَ كُلُّ رَاوٍ عَلَى أَحَدِهِمَا . قَوْلُهُ : ( تَبِيعُهَا وَتُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوْ تُصِيبُ وَمَعْنَى الْأَوَّلِ وَتُصِيبُ بِثَمَنِهَا ، وَالثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَهُوَ كَالْأَوَّلِ أَوِ التَّقْسِيمِ ، وَالْمُرَادُ الْمُقَايَضَةُ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( فَائِدَةٌ ) : رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ فِي الْعِيدَيْنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فِي الْعِيدَيْنِ وَالتَّجَمُّلِ فِيهِ · ص 508 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب في العيدين والتجمل فيهما · ص 65 13 كتاب العيدين بسم الله الرحمن الرحيم 13 أبواب العيدين 1 - باب في العيدين والتجمل فيهما 948 - حدثنا أبو اليمان : أنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر قالَ : أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق فأخذها فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود . فقال لهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما يلبس هذه من لا خلاق لهُ . ثم ذكر بقية الحديث في إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - بجبة ديباج إلى عمر . وقد سبق في كتاب الجمعة من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وفيه : لو اشتريت هذه للجمعة والوفود ؟ . وهي قضية واحدة والله أعلم . وقد يكون أريد بالعيد جنس الأعياد ، فيدخل فيهِ العيدان والجمعة . وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد ، وأنه كان معتادا بينهم . وقد تقدم حديث لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - في العيدين برده الأحمر . وإلى هذا ذهب الأكثرون ، وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا وغيرهم . وقال ابن المنذر : كان ابن عمر يصلي الفجر وعليه ثياب العيد . وقال مالك : سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد . واستحبه الشافعي . وخرج البيهقي بإسناد صحيح ، عن نافع ، أن ابن عمر كان يلبس في العيدين أحسن ثيابه . والمنصوص عن أحمد في المعتكف : أنه يخرج إلى العيد في ثياب اعتكافه ، وحكاه عن أبي قلابة . وأما غير المعتكف ، فالمنصوص عن أحمد : أنه يخير بين التزين وتركه . قال المروذي : قلت لأحمد : أيما أحب إليك : أن تخرج يوم العيد في ثياب جياد أو ثياب رثة ؟ قالَ : أما طاوس فكان يأمر بزينة الصبيان حتَّى يخضبوا ، وأما عطاء فقالَ : لا ، هوَ يوم تخشع . فقلت لأحمد : فإلى ما تذهب ؟ قالَ : قد روي هذا وهذا ، واستحسنهما جميعا . ذكره أبو بكر بن جعفر في كتابه الشافي ، عن الخلال ، عنه . وحكاه القاضي في شرح المذهب مختصرا ، وفيه : وقال عطاء : لا ، هو يوم تخشع ، وهذا أحسن . ومما يتصل بذلك : الغسل للعيدين ، وقد نص أحمد على استحبابه . وحكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ . وكان ابن عمر يفعله ، كذا رواه نافع ، عنه ، ورواه عن نافع : مالك وعبيد الله بن عمر وموسى بن عقبة وابن عجلان وابن إسحاق وغيرهم . وروى أيوب ، عن نافع ، قالَ : ما رأيت ابن عمر اغتسل للعيد ، كان يبيت في المسجد ليلة الفطر ، ثم يغدو منه إذا صلى الصبح إلى المصلى . ذكره عبد الرزاق ، عن معمر ، عنه . وعجب ابن عبد البر من رواية أيوب ، لمخالفتها رواية مالك وغيره ، عن نافع . ولا عجب من ذلك ، فقد يجمع بينهما : بأن ابن عمر كان إذا اعتكف بات ليلة الفطر في المسجد ، ثم يخرج إلى العيد على هيئة اعتكافه ، كما قاله أحمد ومن قبله من السلف ، وهو قول مالك - أيضا - وإن لم يكن معتكفا ، اغتسل وخرج إلى المصلى . وممن روي عنه الغسل للعيد - أيضا - من الصحابة : علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وسلمة بن الأكوع ، والسائب بن يزيد . وقال ابن المسيب : هو سنة الفطر . وروى مالك ، عن الزهري ، عن عبيد بن السباق ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في جمعة من الجمع : يا معشر المسلمين ، إن هذا اليوم جعله الله عيدا ، فاغتسلوا ، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ، وعليكم بالسواك . وهذا تنبيه على أن ذلك مأمور به في كل عيد للمسلمين . رواه صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عبيد ، عن ابن عباس . خرجه ابن ماجه . ورواية مالك أصح . ورواه بعضهم ، عن مالك ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه كذلك الطبراني وغيره . وهو وهم على مالك : قاله أبو حاتم الرازي والبيهقي وغيرهما . وروى صبيح أبو الوسيم : ثنا عقبة بن صهبان ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : الغسل واجب في هذه الأيام : يوم الجمعة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، ويوم عرفة . غريب جدا . وصبيح هذا ، لا يعرف . وخرج ابن ماجه من رواية الفاكه بن سعد - وله صحبة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الجمعة ، ويوم عرفة ، ويوم الفطر ، ويوم النحر ، وكان الفاكه يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام . وفي إسناده : يوسف بن خالد السمتي ، وهو ضعيف جدا . وخرج ابن ماجه عن جبارة بن مغلس ، عن حجاج بن تميم ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى . وحجاج بن تميم وجبارة بن مغلس ، ضعيفان . وروى مندل ، عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل للعيدين . خرجه البزار . ومحمد هذا ، ضعيف جدا . والغسل للعيد غير واجب . وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليهِ ، ولأصحابنا وجه ضعيف بوجوبه . وروى الزهري ، عن ابن المسيب ، قال : الاغتسال للفطر والأضحى قبل أن يخرج إلى الصلاة حق . وخرج أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد ضعيف ، عن الحارث ، عن علي ، قال : كان بعضنا يغتسل وبعضنا يتوضأ ، فلا يصلي أحد منا قبلها ولا بعدها حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويستحب - أيضًا - التطيب والسواك في العيدين . وكان ابن عمر يتطيب للعيد . وروى أبو صالح ، عن الليث بن سعد ، حدثني إسحاق بن بزرجٍ ، عن الحسن بن علي ، قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نلبس أجود ما نجد ، ونتطيب بأجود ما نجد ، وأن نضحي بأسمن ما نجد ، وأن نظهر التكبير ، وعلمنا السكينة والوقار . خرجه الطبراني والحاكم . وقال : لولا جهالة إسحاق بن بزرج لحكمنا للحديث بالصحة . قلت : ورويناه من وجه آخر ، من طريق ابن لهيعة : حدثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عتبة بن حميد ، عن عبادة بن نسي ، عن عبد الرحمن بن غنم ، عن معاذ ، قالَ : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غدا إلى المصلى أمرنا أن نلبس أجود ما نقدر عليه من الثياب ، وأن نخرج وعلينا السكينة ، وأن نجهر بالتكبير . وهذا منكر جدًا . ولعله مما وضعه المصلوب ، وأسقط اسمه من الإسناد ؛ فإنه يروى بهذا الإسناد أحاديث عديدة منكرة ترجع إلى المصلوب ، ويسقط اسمه من إسنادها كحديث التنشف بعد الوضوء . والله سبحانه وتعالى أعلم . وهذا التزين في العيد يستوي فيه الخارج إلى الصلاة والجالس في بيته ، حتى النساء والأطفال . وقد تقدم ذلك عن طاوس . وقال الشافعي : تزين الصبيان بالمصبغ والحلي ، ذكورًا كانوا أو إناثًا ؛ لأنه يوم زينة ، وليس على الصبيان تعبد ، فلا يمنعون لبس الذهب . قال بعض أصحابه : اتفق الأصحاب على إباحة زينة الصبيان يوم العيد بالمصبغ وحلي الذهب والفضة ، واختلفوا في غير يوم العيد على وجهين . وأما أصحابنا ، فلم يفرقوا بين عيد وغيره ، وحكوا في جواز إلباس الولي الصبي الحرير والذهب روايتين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب في العيدين والتجمل فيه · ص 266 ( كتاب العيدين ) أي هذا كتاب في بيان أمور العيدين عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وأصل العيد عود لأنه مشتق من عاد يعود عودا ، وهو الرجوع ، قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ، كالميزان ، والميقات من الوزن ، والوقت ، ويجمع على أعياد ، وكان من حقه أن يجمع على أعواد لأنه من العود ، كما ذكرنا ، ولكن جمع بالياء للزومها في الواحد أو للفرق بينه وبين أعواد الخشبة ، وسميا عيدين لكثرة عوائد الله تعالى فيهما ، وقيل : لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى ، وفي بعض النسخ أبواب العيدين ، أي هذه أبواب العيدين أي في بيانهما ، وهي رواية المستملي ، وفي رواية الأصيلي وغيره : باب العيدين . بسم الله الرحمن الرحيم ( باب في العيدين والتجمل فيه ) ليست في رواية أبي ذر البسملة ، ولما ذكر الكتاب شرع يذكر الأبواب التي يتضمنها الكتاب واحدا بعد واحد . أي هذا باب في بيان العيدين ، وبيان التجمل فيه ، أي التزين ، قوله : "فيه" أي في كل واحد من العيدين ، وفي رواية الكشميهني "فيهما" أي في العيدين ، وهي على الأصل ، وفي بعض النسخ : "باب العيدين" بدون كلمة "في" ، وفي بعضها : باب ما جاء في العيدين . 1 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، قال : أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال : أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق ، فأخذها ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما هذه لباس من لا خلاق له ، فلبث عمر ما شاء الله أن يلبث ، ثم أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبة ديباج ، فأقبل بها عمر ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إنك قلت : إنما هذه لباس من لا خلاق له ، وأرسلت إلي بهذه الجبة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تبيعها وتصيب بها حاجتك . مطابقته للجزء الأخير من الترجمة ظاهرة . ورجاله بهذا النسق قد ذكروا غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب . وأخرجه النسائي أيضا في «الزينة» عن عبيد الله بن فضالة ، عن أبي اليمان به ، وقد مر أكثر الكلام فيه في «كتاب الجمعة» في «باب ما يلبس أحسن ما يجد» قوله : "أخذ عمر" بهمزة وخاء وذال معجمتين كذا هو في معظم الروايات ، وفي بعض النسخ "وجد عمر" بواو وجيم وكذا أخرجه الإسماعيلي ، والطبراني في « مسند الشاميين » وغير واحد من طرق إلى أبي اليمان شيخ البخاري فيه ، قيل : هو الصواب ، وقال الكرماني : أراد من أخذ ملزومه وهو الشراء ، قلت : الشراء لم يقع ، ولكن إن أراد به السوم فله وجه ، قوله : "جبة" الجبة بضم الجيم وتشديد الباء معروفة ، وجمعها جباب ، قال الجوهري : الجباب ما يلبس من الثياب ، قوله : "من إستبرق" الإستبرق بكسر الهمزة الغليظ من الديباج ، والديباج الثياب المتخذة من الإبريسم فارسي معرب ، وقد تفتح داله ويجمع على دياييج ، ودبابيج بالياء والباء لأن أصله دباج بالتشديد ، قوله : "تباع في السوق" جملة في محل الجر لأنها صفة لإستبرق قوله : "فأخذها" أي عمر رضي الله تعالى عنه ، وهذا من الأخذ بلا خلاف ، وفائدة التكرار التأكيد إذا كان الأخذ في الموضعين سواء ، وأما على نسخة "وجد" فلا يجيء معنى التأكيد ، قوله : "ابتاع هذه" إشارة إلى الجبة المذكورة ، وقال الكرماني : هذه إشارة إلى نوع تلك الجبة لا إلى شخصها ، قلت : ظاهر التركيب يشهد لصحة ما ذكرته ، وقوله : "ابتاع" أمر وقياسه حذف الألف ولكن بعض الرواة أشبع فتحة التاء فصار ابتاع ، وهذه رواية أبي ذر عن المستملي ، والسرخسي ، ورواية الأكثرين : "ابتع" بحذف الألف على الأصل ، وعلى الوجهين ، قوله : "تجمل" مجزوم لأنه جواب الأمر ، وأصل تجمل تتجمل بتاءين ، فحذفت إحدى التاءين كما في قوله تعالى نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى ، وقيل : آبتاع بهمزة استفهام ممدودة على صيغة لفظ المتكلم ، ومعناه : أأشتري ، فعلى هذا يكون تجمل مرفوعا ، قوله : "للعيد والوفود" وتقدم في «كتاب الجمعة للجمعة بدل العيد» وهي رواية نافع ، والتي هنا رواية سالم ، وكان ابن عمر ذكرهما معا ، فأخذ كل راو واحدا منهما ، والوفود جمع وفد ، وقال الكرماني : القصة واحدة ، والجمعة أيضا عيد ، قوله : "تبيعها وتصيب بها حاجتك" وفي رواية الكشميهني "أو تصيب" ومعنى الأول تنتفع بثمنها ، ومعنى الثاني : تجعلها لبعض نسائك مثلا . ( ومن فوائده ) استحباب التجمل بالثياب في أيام الأعياد ، والجمع ، وملاقاة الناس ، ولهذا لم ينكر الشارع إلا كونها حريرا ، وهذا على خلاف بعض المتقشفين ، وقد روي عن الحسن البصري أنه خرج يوما وعليه حلة يمان ، وعلى فرقد جبة صوف ، فجعل فرقد ينظر ، ويمس حلة الحسن ، ويسبح ، فقال له : يا فرقد ، ثيابي ثياب أهل الجنة ، وثيابك ثياب أهل النار يعني القسيسين ، والرهبان ، ثم قال له : يا فرقد ، التقوى ليست في هذا الكساء ، وإنما التقوى ما وقر في الصدر وصدقه العمل ، وفيه استفهام الصحابة عند اختلاف القول ، والفعل ليعلموا الوجه الذي ينصرف إليه الأمر ، وفيه ائتلاف الصحابة بالعطاء ، وقبول العطية إذا لم يجر عن مسألة ، وفضل الكفاف ، وفيه جواز بيع الحرير للرجال والنساء ، وهبته ، وهذا الحديث أغلظ حديث جاء في لبس الحرير .