24 - بَاب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ 986 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ جَابِرِ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ . تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ فُلَيْحٍ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ ) أَيِ الَّتِي تَوَجَّهَ مِنْهَا إِلَى الْمُصَلَّى . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، وَكَذَا لِلْحَفْصِيِّ وَجَزَمَ بِهِ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أَطْرَافِ خَلَفٍ أَنَّهُ وَجَدَ فِي حَاشِيَةٍ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ . انْتَهَى . وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبُّوَيْهِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ أَيْضًا - مِمَّنِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ - مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ لَكِنَّهُ خَالَفَ فِي اسْمِ صَحِابَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ خَرَّجَ عَنْهُمْ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَبُو تُمَيْلَةَ بِالْمُثَنَّاةِ مُصَغَّرًا مَرْوَزِيٌّ ، قِيلَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ فِي الضُّعَفَاءِ ، لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي التَّصْنِيفِ الْمَذْكُورِ ، قَالَهُ الذَّهَبِيُّ ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي . نَعَمْ تَفَرَّدَ بِهِ شَيْخُهُ فُلَيْحٌ وَهُوَ مُضَعَّفٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَوَثَّقَهُ آخَرُونَ فَحَدِيثُهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ ، لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَسَعْدٍ الْقَرَظِ ، وَأَبِي رَافِعٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ وَغَيْرِهِمْ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنَ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ قِسْمَيِ الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ ) هُوَ ابْنُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى الْأَنْصَارِيُّ . قَوْلُهُ : ( إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ ) كَانَ تَامَّةٌ ، أَيْ إِذَا وَقَعَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْعِيدِ رَجَعَ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : أَخَذَ بِهَذَا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَاسْتَحَبَّهُ لِلْإِمَامِ ، وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ . انْتَهَى . وَالَّذِي فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْوَجِيزِ إِلَّا لِلْإِمَامِ اهـ . وَبِالتَّعْمِيمِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنْ عُلِمَ الْمَعْنَى وَبَقِيَتِ الْعِلَّةُ بَقِيَ الْحُكْمُ وَإِلَّا انْتَفَى بِانْتِفَائِهَا ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمِ الْمَعْنَى بَقِيَ الِاقْتِدَاءُ . وَقَالَ الْأَكْثَرُ : يَبْقَى الْحُكْمُ وَلَوِ انْتَفَتِ الْعِلَّةُ لِلِاقْتِدَاءِ كَمَا فِي الرَّمْلِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ اجْتَمَعَ لِي مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ ، وَقَدْ لَخَّصْتُهَا وَبَيَّنْتُ الْوَاهِيَ مِنْهَا ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ : ذُكِرَ فِي ذَلِكَ فَوَائِدُ بَعْضُهَا قَرِيبٌ وَأَكْثَرُهَا دَعَاوَى فَارِغَةٌ . انْتَهَى . فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ ، وَقِيلَ : سُكَّانُهُمَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، وَقِيلَ : لِيُسَوَّى بَيْنِهِمَا فِي مَزِيَّةِ الْفَضْلِ بِمُرُورِهِ أَوْ فِي التَّبَرُّكِ بِهِ أَوْ لِيَشُمَّ رَائِحَةَ الْمِسْكِ مِنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ طَرِيقَهُ لِلْمُصَلَّى كَانَتْ عَلَى الْيَمِينِ فَلَوْ رَجَعَ مِنْهَا لَرَجَعَ عَلَى جِهَةِ الشِّمَالِ ، فَرَجَعَ مِنْ غَيْرِهَا وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، وَقِيلَ : لِإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ فِيهِمَا ، وَقِيلَ : لِإِظْهَارِ ذِكْرِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : لِيَغِيظَ الْمُنَافِقِينَ أَوِ الْيَهُودَ ، وَقِيلَ : لِيُرْهِبَهُمْ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَقِيلَ : حَذَرًا مِنْ كَيْدِ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُكَرِّرْهُ قَالَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ الطَّرِيقِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى طَرِيقٍ مِنْهَا مُعَيَّنٍ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبِ مُرْسَلًا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْدُو يَوْمَ الْعِيدِ إِلَى الْمُصَلَّى مِنَ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ ، وَيَرْجِعُ مِنَ الطَّرِيقِ الْأُخْرَى . وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ لَقَوَّى بَحْثَ ابْنِ التِّينِ ، وَقِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ لِيَعُمَّهُمْ فِي السُّرُورِ بِهِ أَوِ التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ وَبِرُؤْيَتِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ فِي الِاسْتِفْتَاءِ أَوِ التَّعَلُّمِ وَالِاقْتِدَاءِ وَالِاسْتِرْشَادِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَقِيلَ : لِيَزُورَ أَقَارِبَهُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ ، وَقِيلَ : لِيَصِلْ رَحِمَهُ ، وَقِيلَ : لِيَتَفَاءَلَ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ إِلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا ، وَقِيلَ : كَانَ فِي ذَهَابِهِ يَتَصَدَّقُ فَإِذَا رَجَعَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ شَيْءٌ فَيَرْجِعُ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى لِئَلَّا يَرُدَّ مَنْ يَسْأَلهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَى الدَّلِيلِ ، وَقِيلَ : فَعَلَ ذَلِكَ لِتَخْفِيفِ الزِّحَامِ وَهَذَا رَجَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَيَّدَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ فِيهِ : لِيَسَعَ النَّاسَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَبِأَنَّ قَوْلَهُ : لِيَسَعَ النَّاسَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُفَسَّرَ بِبَرَكَتِهِ وَفَضْلِهِ ، وَهَذَا الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ التِّينِ . وَقِيلَ : كَانَ طَرِيقُهُ الَّتِي يَتَوَجَّهُ مِنْهَا أَبْعَدَ مِنَ الَّتِي فِيهَا ، فَأَرَادَ تَكْثِيرَ الْأَجْرِ بِتَكْثِيرِ الخطا فِي الذَّهَابِ ، وَأَمَّا فِي الرُّجُوعِ فَلْيُسْرِعْ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الرَّافِعِيِّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ وَبِأَنَّ أَجْرَ الْخُطَا يُكْتَبُ فِي الرُّجُوعِ أَيْضًا كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ ، فَلَوْ عُكِسَ مَا قَالَ لَكَانَ لَهُ اتِّجَاهٌ وَيَكُونُ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْقَرِيبِ لِلْمُبَادَرَةِ إِلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقِفُ فِي الطُّرُقَاتِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ : هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ : لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ حَذَرَ إِصَابَةِ الْعَيْنِ ، وَأَشَارَ صَاحِبُ الْهُدَى إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُحْتَمَلَةِ الْقَرِيبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ ) . كَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ من طَرِيقِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَصَحُّ يُبَايِنُ قَوْلَهُ : تَابَعَهُ إِذْ لَوْ تَابَعَهُ لَسَاوَاهُ فَكَيْفَ تَتَّجِهُ الْأَصَحِّيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى عَدَمِ الْمُسَاوَاةِ . وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ سَقَطَ قَوْلُهُ : وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ النَّسَفِيِّ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ، فَلَا إِشْكَالَ فِيهَا قَالَ : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ : تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي هَذَا تَوْجِيهُ قَوْلِهِ أَصَحُّ ، وَيَبْقَى الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِهِ تَابَعَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَابِعْهُ بَلْ خَالَفَهُ ، وَقَدْ أَزَالَ هَذَا الْإِشْكَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَقَالَ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِي تُمَيْلَةَ وَقَالَ : تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ : عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ . وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ ، وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَرْقَانِيُّ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : إِنَّهُ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَأَنَّهَا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ . ثُمَّ رَاجَعْتْ رِوَايَةُ النَّسَفِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ : وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ فَسَلِمَ مِنَ الْإِشْكَالِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ : رَوَاهُ أَبُو تُمَيْلَةَ ، وَيُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ جَابِرٍ . فَعَلَى هَذَا يَكُونُ سَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْفَرَبْرِيِّ قَوْلُهُ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ ، عَنْ فُلَيْحٍ فَقَطْ وَبَقِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ ، هَذَا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ ، وَقَدْ وَقَعَ كَذَلِكَ فِي نُسْخَتِي مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ ، وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْبَاقِينَ فَيَكُونُ سَقَطَ إِسْنَادُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ كُلُّهُ . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ الَّتِي بِخَطِّهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ : لَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ مِنْ ظَاهِرِ الكِتَابٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَبَا تُمَيْلَةَ وَيُونُسَ الْمُتَابِعَ لَهُ خُولِفَا فِي سَنَدِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتُهُمَا أَصَحُّ ، وَمُخَالِفُهُمَا - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ - رَوَاهُ عَنْ فُلَيْحٍ شَيْخِهِمَا فَخَالَفَهُمَا فِي صَاحِبَيْهِ فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . قُلْتُ : فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ أَيْ مِنْ حَدِيثِ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدِ اعْتَرَضَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى قَوْلِهِ : تَابَعَهُ يُونُسُ اعْتِرَاضًا آخَرَ فَقَالَ : إِنَّمَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا جَابِرٍ ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْحَصْرِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ يُونُسَ ، وَكَذَا هُوَ فِي مُسْنَدِهِ وَمُصَنَّفِهِ ، نَعَمْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ - كَمَا قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ - وَكَأَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَكَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَبِي تُمَيْلَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، فَقَالَ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فَوَصَلَهَا الدَّارِمِيُّ وَسِمَوَيْهِ كِلَاهُمَا عَنْهُ وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ السَّكَنِ ، وَالْعُقَيْلِيُّ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ ، وَذَكَرَ أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ الْهَيْثَمَ بْنَ جَمِيلٍ رَوَاهُ عَنْ فُلَيْحٍ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلْتِ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنْ فُلَيْحٍ فَلَعَلَّ شَيْخَهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ وَمِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُقَوِّي ذَلِكَ اخْتِلَافُ اللَّفْظَيْنِ ، وَقَدْ رَجَّحَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ عَنْ جَابِرٍ وَخَالَفَهُ أَبُو مَسْعُودٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فَرَجَّحَا أَنَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فِي ذَلِكَ تَرْجِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ · ص 547 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد · ص 163 24 – باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد 986 - حدثنا محمد : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق . تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وحديث جابر أصح . كذا في بعض النسخ : تابعه : يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة وهي رواية ابن السكن . ويقال : إن ذلك من إصلاحه . وفي أكثر النسخ : تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، وحديث جابر أصح . وذكر أبو مسعود الدمشقي : أن البخاري قالَ : تابعه يونس بن محمد ، عن فليح . قال : وقال : محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح . ثم ذكر أن ذلك وهم منه - يعني : متابعة يونس لأبي تميلة - وإنما رواه يونس ومحمد بن الصلت ، كلاهما عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وكذا رواه الهيثم بن جميل ، عن فليح ، وأن البخاري أراد أن يونس قال فيهِ : عن جابر . وفيه : إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر ، وأن ذكره أصح ، وما ذكره أبو مسعود تصريح بذلك . وقوله : وحديث جابر يدل عليه ، والله أعلم . وحاصل الأمر : أنه اختلف في إسناده على فليح : فرواه عنه الأكثرون ، منهم : محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج ، فقالوا : عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة . وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارث ، عن جابر . وعند البخاري ، أن هذا أصح . وأما يونس بن محمد ، فرواه عن فليح ، واختلف عنه : فذكر البخاري والترمذي في جامعه : أنه رواه عن فليح عن سعيد ، عن جابر ، متابعة لأبي تميلة . وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي ، عن يونس . وقد قال مهنا : قلت لأحمد : هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة ؟ فلم يقل شيئًا . وقد ذكر البيهقي : أن أبا تميلة روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - أيضًا . ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك . فتبين بهذا : أن أبا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر : أبي هريرة وجابر ، وأن أكثر الرواة قال فيه : عن أبي هريرة ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر أبي هريرة وجابر . وقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديث أبي هريرة ، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ : عن أبي هريرة ، كما قاله أبو مسعود ، خلاف ما قاله البخاري . وفي الباب : أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري . ومن أجودها : حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم العيد في طريق ، ثم رجع من طريق آخر . خرجه أبو داود . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق ، ويرجع في أخرى ، ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله . وقد استغربه الإمام أحمد ، وقال : لم أسمع هذا قط . وقال - أيضًا - : العمري يرفعه ، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه . يعني : يقفانه على ابن عمر من فعله . قيل له : قد رواه عبيد الله - يعني : أخا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ؟ فأنكره ، وقال : من رواه ؟ قيل لهُ : عبد العزيز بن محمد - يعني : الدراوردي - قالَ : عبد العزيز يروي مناكير . وقال البرقاني : سألت الدارقطني : هل رواه عن نافع غير العمري ؟ قَالَ : من وجه يثبت ، لا . ثُمَّ قالَ : روي عن مالك ، عن نافع ، ولكن لا يثبت . انتهى . والصحيح عن مالك وغيره : وقفه دون رفعه . وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفا . وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد . وألحق الجمعة بالعيد في ذلك . ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره . وفي سنن أبي داود حديث ، فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك في زمانه . وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يستحب مخالفة الطريق ، وكثر قولهم في ذلك ، وأكثره ليس بقوي . وقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو من طريق ويرجع من آخر ؛ ليتسع الناس في الطرق . وعبد الرحمن هذا ضعيف جدًا . ومعنى الاتساع في الطرق : أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول . وهذا أحد ما قيل في معناه . وقيل : ليشهد به الطريقان . وقيل : ليتصدق على من كان فيهما من السؤال . وقيل : ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد . وقيل : للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة ؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفورًا لهُ . وقيل : كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما ؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة . وهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية . وقد روي في حديث عكس هذا : فرواه سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه . وسليمان بن أرقم ، متروك . ولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد . وعلى تقدير أن يكون له أصل ، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق ؛ لأنه إن كانَ أمامًا فلئلا يطول انتظاره ، وإن كانَ مأمومًا فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها ، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام ؛ ولهذا شرع له التبكير ؛ ليقرب من الإمام . والراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله ، فيمشي حيث شاء ، ويسلك أبعد الطرق ، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم ، وغير ذَلِكَ من المصالح . وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول . ورخص فيه الإمام أحمد ، وقال : لا أبتدئ به أحدًا ، فإن قاله لي ، رددت عليه . وقال - مرة - : ما أحسنه ، إلا أن يخاف الشهرة . كأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك ، فيقصد لدعائه ، فيكره لما فيه من الشهرة . وقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا في السوق يوم العيد ، ينظر والناس يمرون . ورواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد : حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد ، فسلك على التمارين أسفل السوق ، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم ، فدعا ثم انصرف . قال الشافعي : فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع يدعو الله عز وجل ، مستقبل القبلة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد · ص 306 ( باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد ) أي هذا باب في بيان حكم من خالف الطريق التي توجه فيها إذا رجع يوم العيد . 33 - حدثنا محمد ، قال : أخبرنا أبو تميلة يحيى بن واضح عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة الأول : محمد كذا وقع للأكثرين غير منسوب ، وفي رواية أبي علي بن السكن : حدثنا محمد بن سلام ، وكذا للحفصي ، وجزم به الكلاباذي ، وكذا ذكره أبو الفضل ابن طاهر ، وكذا الكرماني في شرحه ، وذكر في أطراف خلف أنه وجد حاشية هو محمد بن مقاتل ، الثاني : أبو تميلة بضم التاء المثناة من فوق وفتح الميم وسكون الياء آخر الحروف ، واسمه يحيى بن واضح الأنصاري المروزي ، الثالث : فليح بضم الفاء ابن سليمان تقدم في أول كتاب العلم ، الرابع : سعيد بن الحارث بن المعلى الأنصاري المدني قاضيها ، الخامس : جابر بن عبد الله الأنصاري . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإخبار كذلك ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه غير منسوب على الاختلاف ، وفيه الثاني من الرواة مروزي ، والثالث والرابع مدنيان . ( ذكر معناه ) قوله : "إذا كان" كان هذه تامة ، وقوله : "يوم عيد" اسمه فلا يحتاج إلى خبر ، وقوله : "خالف الطريق" جواب الشرط معناه كان الرجوع في غير طريق الذهاب إلى المصلى ، وفي رواية الإسماعيلي : "كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطريق الذي ذهب فيه" . والحكمة فيه على ما ذكره أكثر الشراح أنه ينتهي إلى عشرة أوجه ، ولكن أكثر من ذلك بل ربما ذكروا فيه ما ينتهي إلى عشرين وجها ، الأول : أنه فعل ذلك لتشهد له الطريقان ، الثاني : ليشهد له الإنس والجن من سكان الطريق ، الثالث : ليسوي بينهما في مرتبة الفضل بمروره ، الرابع : لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها ، الخامس : لإظهار شعائر الإسلام فيهما ، السادس : لإظهار ذكر الله تعالى ، السابع : ليغيظ المنافقين أو اليهود ، الثامن : ليرهبهم بكثرة من معه ، التاسع : للحذر من كيد الطائفتين أو من إحداهما ، العاشر : ليعم أهل الطريقين بالسرور به ، الحادي عشر : ليتبركوا بمروره وبرؤيته ، الثاني عشر : ليقضي حاجة من يحتاج إليها من نحو صدقة أو استرشاد إلى شيء أو استشفاع ونحو ذلك ، الثالث عشر : ليجيب من يستفتي في أمر دينه ، الرابع عشر : ليسلم عليهم فيحصل لهم أجر الرد ، الخامس عشر : ليزور أقاربه الأحياء والأموات ، السادس عشر : ليصل رحمه ، السابع عشر : ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضى ، الثامن عشر : لأنه كان يتصدق في ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق أخرى لئلا يرد من سأله ، التاسع عشر : فعل ذلك لتخفيف الزحام ، العشرون : لأنه كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من التي يرجع فيها ، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب ، وقال بعضهم : ثبت من هذه الأوجه ما كان الواهي منها ، ونقل عن القاضي عبد الوهاب أن أكثرها دعاوى فارغة ، ( قلت ) : هذه كلها اختراعات جيدة فلا تحتاج إلى دليل ، ولا إلى تصحيح وتضعيف . ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو استحباب مخالفة الطريق يوم العيد في الذهاب إلى المصلى والرجوع منه ، فجمهور العلماء على استحباب ذلك قال مالك : وأدركنا الأئمة يفعلونه ، وقال أبو حنيفة : يستحب له ذلك ، فإن لم يفعل فلا حرج عليه ، وقال الترمذي : أخذ بهذا بعض أهل العلم فاستحبه للإمام ، وبه يقول الشافعي وذكر في الأم أنه يستحب للإمام والمأموم وبه قال أكثر الشافعية ، وقال الرافعي : لم يتعرض في الوجيز إلا للإمام ، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم ، ومنهم من قال : إن علم المعنى وثبتت العلة بقي الحكم ، وإلا انتفى بانتفائها ، فإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء ، وقال الأكثرون : يبقى الحكم ولو انتفت العلة للاقتداء كما في الرمل وغيره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد · ص 307 ( تابعه يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح ) . أي تابع أبا تميلة يونس بن محمد البغدادي أبو محمد المؤدب ، وقد مر في «باب الوضوء مرتين» ومتابعته إياه في روايته عن فليح ، عن سعيد المذكور ، عن أبي هريرة هكذا وقع عند جمهور رواة البخاري من طريق الفربري ، ولكن فيه إشكال ، واعتراض على البخاري لأن قوله : "وحديث جابر أصح" ينافي قوله : "تابعه" لأن المتابعة تقتضي المساواة فكيف تقتضي الأصحية لأن قوله : "أصح" أفعل التفضيل فيقتضي زيادة على المفضل عليه ويزول الإشكال بأحد الوجهين أحدهما : بما ذكره أبو علي الجبائي أنه سقط قوله : "وحديث جابر أصح" من رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري ، والآخر بما ذكره أبو مسعود في كتابه قال : قال البخاري في «كتاب العيدين» : قال محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة بنحو حديث جابر ، فقال الغساني : لم يقع لنا في الجامع حديث محمد بن الصلت إلا من طريق أبي مسعود ، ولا غنى بالباب عنه لقول البخاري : "وحديث جابر أصح" ، ( قلت ) : حينئذ تظهر الأصحية لأنه يكون حديث أبي هريرة صحيحا ويكون حديث جابر أصح منه ألا ترى أن الترمذي روى في جامعه : حدثنا عبد الأعلى وأبو زرعة قالا : حدثنا محمد بن الصلت ، عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع من غيره " ، ثم قال : حديث أبي هريرة حديث غريب ، ورواه أبو نعيم أيضا في مستخرجه بما يزيل الإشكال بالكلية فقال : أخرجه البخاري ، عن محمد ، عن أبي تميلة وقال : تابعه يونس بن محمد ، عن فليح ، وقال محمد بن الصلت عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة : "وحديث جابر أصح" ، وبهذا أشار البرقاني أيضا ، وكذا قال البيهقي أنه وقع كذلك في بعض النسخ وقد اعترض على البخاري أيضا بوجهين آخرين أحدهما هو الذي اعترضه أبو مسعود في الأطراف على قوله : "تابعه يونس" ، فقال : إنما رواه يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة إلا جابر ، والآخر أن البخاري روى حديث جابر المذكور ، وحكم بأنه أصح من حديث أبي هريرة مع كون البخاري قد أدخل أبا تميلة في كتابه في الضعفاء ، وأجيب عن الأول بمنع الحصر ، فإن الإسماعيلي وأبا نعيم أخرجا في مستخرجيهما من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وعن الثاني بأن أبا حاتم الرازي قال : تحول أبو تميلة في كتابه في الضعفاء فإنه ثقة ، وكذا وثقه يحيى بن معين ، والنسائي ، ومحمد بن سعد ، واحتج به مسلم ، وبقية الستة ، وقال شيخنا الحافظ زين الدين : مدار هذا الحديث مع هذا الاختلاف على فليح بن سليمان ، وهو وإن احتج به الشيخان فقد قال فيه ابن معين : لا يحتج بحديثه ، وقال فيه مرة : ليس بثقة ، وقال مرة : ضعيف ، وكذا قال النسائي ، وقال أبو داود : لا يحتج بحديثه ، وقال الدارقطني : يختلفون فيه ولا بأس به ، وقال ابن عدي : هو عندي لا بأس به ، وقال الساجي : ثقة ، وذكره ابن حبان في الثقات .