حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد

باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد 986 - حدثنا محمد : ثنا أبو تميلة يحيى بن واضح ، عن فليح بن سليمان ، عن سعيد بن الحارث ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم عيد خالف الطريق . تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة . وحديث جابر أصح .

كذا في بعض النسخ : تابعه : يونس ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة وهي رواية ابن السكن . ويقال : إن ذلك من إصلاحه . وفي أكثر النسخ : تابعه : يونس بن محمد ، عن فليح ، وحديث جابر أصح .

وذكر أبو مسعود الدمشقي : أن البخاري قالَ : تابعه يونس بن محمد ، عن فليح . قال : وقال : محمد بن الصلت : عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وحديث جابر أصح . ثم ذكر أن ذلك وهم منه - يعني : متابعة يونس لأبي تميلة - وإنما رواه يونس ومحمد بن الصلت ، كلاهما عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة .

وكذا رواه الهيثم بن جميل ، عن فليح ، وأن البخاري أراد أن يونس قال فيهِ : عن جابر . وفيه : إشارة إلى أن غيرهما خالف في ذكر جابر ، وأن ذكره أصح ، وما ذكره أبو مسعود تصريح بذلك . وقوله : وحديث جابر يدل عليه ، والله أعلم .

وحاصل الأمر : أنه اختلف في إسناده على فليح : فرواه عنه الأكثرون ، منهم : محمد بن الصلت والهيثم بن جميل وسريج ، فقالوا : عن سعيد بن الحارث ، عن أبي هريرة . وخالفهم أبو تميلة يحيى بن واضح ، فرواه عن سعيد بن الحارث ، عن جابر . وعند البخاري ، أن هذا أصح .

وأما يونس بن محمد ، فرواه عن فليح ، واختلف عنه : فذكر البخاري والترمذي في جامعه : أنه رواه عن فليح عن سعيد ، عن جابر ، متابعة لأبي تميلة . وكذا رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وكذلك خرجه البيهقي من رواية محمد بن عبيد الله المنادي ، عن يونس .

وقد قال مهنا : قلت لأحمد : هل سمع سعيد بن الحارث من أبي هريرة ؟ فلم يقل شيئًا . وقد ذكر البيهقي : أن أبا تميلة روي عنه ، عن فليح ، عن سعيد ، عن أبي هريرة - أيضًا . ثم خرجه من طريق أحمد بن عمرو الحرشي ، عن أبي تميلة كذلك .

فتبين بهذا : أن أبا تميلة ويونس اختلف عليهما في ذكر : أبي هريرة وجابر ، وأن أكثر الرواة قال فيه : عن أبي هريرة ، ومنهم من اختلف عليه في ذكر أبي هريرة وجابر . وقد ذكر الإمام أحمد ، أنه حديث أبي هريرة ، وهذا يدل على أن المحفوظ قول من قالَ : عن أبي هريرة ، كما قاله أبو مسعود ، خلاف ما قاله البخاري . وفي الباب : أحاديث أخر ، ليست على شرط البخاري .

ومن أجودها : حديث عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ يوم العيد في طريق ، ثم رجع من طريق آخر . خرجه أبو داود . وخرجه ابن ماجه ، وعنده : أن ابن عمر كان يخرج إلى العيد في طريق ، ويرجع في أخرى ، ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله .

وقد استغربه الإمام أحمد ، وقال : لم أسمع هذا قط . وقال - أيضًا - : العمري يرفعه ، ومالك وابن عيينة لا يرفعانه . يعني : يقفانه على ابن عمر من فعله .

قيل له : قد رواه عبيد الله - يعني : أخا العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ؟ فأنكره ، وقال : من رواه ؟ قيل لهُ : عبد العزيز بن محمد - يعني : الدراوردي - قالَ : عبد العزيز يروي مناكير . وقال البرقاني : سألت الدارقطني : هل رواه عن نافع غير العمري ؟ قَالَ : من وجه يثبت ، لا . ثُمَّ قالَ : روي عن مالك ، عن نافع ، ولكن لا يثبت .

انتهى . والصحيح عن مالك وغيره : وقفه دون رفعه . وكذا رواه وكيع عن العمري - موقوفا .

وقد استحب كثير من أهل العلم للإمام وغيره إذا ذهبوا في طريق إلى العيد أن يرجعوا في غيره ، وهو قول مالك والثوري والشافعي وأحمد . وألحق الجمعة بالعيد في ذلك . ولو رجع من الطريق الذي خرج منه لم يكره .

وفي سنن أبي داود حديث ، فيه : أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يفعلون ذلك في زمانه . وتكلم الناس في المعنى الذي لأجله يستحب مخالفة الطريق ، وكثر قولهم في ذلك ، وأكثره ليس بقوي . وقد روي في حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو من طريق ويرجع من آخر ؛ ليتسع الناس في الطرق .

وعبد الرحمن هذا ضعيف جدًا . ومعنى الاتساع في الطرق : أنه يخشى كثرة الزحام في الطريق الأول . وهذا أحد ما قيل في معناه .

وقيل : ليشهد به الطريقان . وقيل : ليتصدق على من كان فيهما من السؤال . وقيل : ليكثر التقاء المسلمين بعضهم ببعض للسلام والتودد .

وقيل : للتفاؤل بتغير الحال إلى الرضى والمغفرة ؛ فإنه يرجى لمن شهد العيد أن يرجع مغفورًا لهُ . وقيل : كان يغدو في أطول الطريقين ويرجع في أقصرهما ؛ لتكثر خطاه في المشي إلى الصَّلاة . وهذا هو الذي رجحه كثير من الشافعية .

وقد روي في حديث عكس هذا : فرواه سليمان بن أرقم ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان إذا خرجوا إلى العيد من طريق رجعوا في طريق آخر أبعد منه . وسليمان بن أرقم ، متروك . ولا أصل لحديثه هذا بهذا الإسناد .

وعلى تقدير أن يكون له أصل ، فيمكن توجيهه بأن القاصد لصلاة العيد ينبغي له قصدها من أقرب الطرق ؛ لأنه إن كانَ أمامًا فلئلا يطول انتظاره ، وإن كانَ مأمومًا فخشية أن يسبق بالصلاة أو بعضها ، أو أن يتمكن من صلاتها في مكان يمكنه الاقتداء فيهِ بالإمام ؛ ولهذا شرع له التبكير ؛ ليقرب من الإمام . والراجع من الصَّلاة قد أمن ذَلِكَ كله ، فيمشي حيث شاء ، ويسلك أبعد الطرق ، ويقف فيها لحاجته وللقاء الناس والسلام عليهم والدعاء لهم ، وغير ذَلِكَ من المصالح . وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ، أنهم كانوا يتلاقون يوم العيد ، ويدعو بعضهم لبعض بالقبول .

ورخص فيه الإمام أحمد ، وقال : لا أبتدئ به أحدًا ، فإن قاله لي ، رددت عليه . وقال - مرة - : ما أحسنه ، إلا أن يخاف الشهرة . كأنه يشير إلى أنه يخشى أن يشتهر المعروف بالدين والعلم بذلك ، فيقصد لدعائه ، فيكره لما فيه من الشهرة .

وقد خرج الإمام أحمد من حديث المنكدر بن محمد ، عن أبيه ، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا في السوق يوم العيد ، ينظر والناس يمرون . ورواه الشافعي ، عن إبراهيم بن محمد : حدثني معاذ بن عبد الرحمن التيمي ، عن أبيه ، عن جده ، أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع من المصلى في يوم عيد ، فسلك على التمارين أسفل السوق ، حتى إذا كان عند موضع البركة التي بالسوق قام فاستقبل فج أسلم ، فدعا ثم انصرف . قال الشافعي : فأحب أن يصنع الإمام مثل هذا ، وأن يقف في موضع يدعو الله عز وجل ، مستقبل القبلة .

ورد في أحاديث6 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث