باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد
ثنا مسلم : ثنا شعبة ، عن الأسود ، عن جندب ، قالَ : صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، ثم خطب ، ثم ذبح ، فقال : من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله . في الاستدلال بهذا الحديث على الكلام في خطبة العيد نظر ؛ لوجهين : أحدهما : أنه ليس فيهِ التصريح بأن ذَلِكَ كانَ في الخطبة فيحتمل أنه قاله قبلها ، أو بعدها . وقد وقع في رواية لمسلم في صحيحه من هذا الحديث ما يدل على أنه قاله قبل الخطبة ؛ فإنه قالَ : فلم يعد أن صلى وفرغ من صلاته سلم ، فإذا هوَ يرى لحم أضاحي قد ذبحت قبل أن يفرغ من صلاته ، فقالَ : من كانَ ذبح - إلى آخره .
ولكن رواه غير واحد ، عن شعبة ، فذكروا فيهِ : أنه قاله في خطبته . والثاني : أن هذا لم يكن خطابا لأحد معين ، ولا في الحديث أن أحدا قام إليه فخاطبه ، كما في حديث البراء وحديث أنس المتقدمين . وحينئذ ؛ فيكون ذكره لهذا في الخطبة من جملة تعليم أحكام الأضاحي ، ولا شك في أن الإمام لهُ أن يعلم الناس في خطبة عيد النحر أحكام الأضاحي ، وما يحتاجون إلى معرفته منها .
وحديث البراء وأنس يدلان على ذلك - أيضًا . وهذا كله مستحب ، وقد نص عليه الشافعي وأصحابنا . وقالوا - أيضًا - يسن للإمام أن يعلم الناس في خطبة عيد الفطر حكم إخراج الفطرة .
وقد روي عن ابن عباس ، أنه خطب بالبصرة يوم الفطر ، فعلم الناس صدقة الفطر . خرجه ابن شاهين في كتاب العيدين . وفي إسناده : ضعف .
والصحيح : ما روى الحسن ، قالَ : خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة ، فقالَ : أخرجوا صدقة صومكم . فكأن الناس لم يعلموا ، فقال : من هاهنا من أهل المدينة ؟ قوموا إلى إخوانكم فعلموهم - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي .
والحسن ، لم يسمع من ابن عباس ، ولم يكن بالبصرة يوم خطب ابن عباس . وخرج الإمام أحمد وأبو داود ، من رواية الزهري ، قال : قال عبد الله بن ثعلبة بن صعير : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس قبل الفطر بيومين ، فقال : أدوا صاعًا من بر - الحديث . وفي إسناده : اختلاف كثير على الزهري .
واختلف في عبد الله بن ثعلبة : هل له صحبة ، أم لا ؟ وقد روى عبد الله ابن الإمام أحمد في مسائله بإسناده ، عن الزهري عن ابن المسيب : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قبل الفطر بيومين ، ويأمرهم بأداء زكاة الفطر ، فيخرجونها قبل الصَّلاة . وروى الواقدي بأسانيد له متعددة ، عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد حديثًا طويلًا ، فيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قبل الفطر بيومين ، فيأمر بإخراج صدقة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى . ذكره عنه محمد بن سعد .
وذكر ابن سعد ، عنه - أيضًا - : ثنا عمرو بن عثمان بن هانئ ، قال : سمعت عمر بن عبد العزيز بخناصرة ، وهو خليفة ، خطب الناس قبل يوم الفطر بيوم ، وذلك يوم الجمعة ، فذكر الزكاة فحض عليها ، وقال : على كل إنسان صاع تمرًا ومدان من حنطة . وقال : إنه لا صلاة لمن لا زكاة له ، ثم قسمها يوم الفطر . ويدل على أن الإمام إنما يعلم الناس حكم صدقة الفطر قبل يوم الفطر : حديث ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة .
وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وفيه : دليل واضح على أنه كان يأمر بذلك قبل يوم الفطر ، وإلا فكيف كان يأمر بعد الصلاة بأن تؤدى قبل الصلاة ؟ وبقية ما دل عليهِ هذه الأحاديث ، من الذبح قبل الصَّلاة ، ومن الأمر لمن ذبح قبلها بالإعادة ، ومن أحكام الجذع من الضأن والمعز موضعه غير هذا ، ويأتي فيهِ - إن شاء الله سبحانه وتعالى .