25 - بَاب إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمْ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ 987 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنَى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ - وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ - فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ عَنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ : دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى . 988 - وَقَالَتْ عَائِشَةُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهُمْ أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ ، يَعْنِي مِنْ الْأَمْنِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ ( يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ) . فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حُكْمَانِ : مَشْرُوعِيَّةُ اسْتِدْرَاكِ صَلَاةِ الْعِيدِ إِذَا فَاتَتْ مَعَ الْجَمَاعَةِ سَوَاءٌ كَانَ بِالِاضْطِرَارِ أَوْ بِالِاخْتِيَارِ ، وَكَوْنِهَا تُقْضَى رَكْعَتَيْنِ كَأَصْلِهَا ، وَخَالَفَ فِي الْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ : لَا تُقْضَى ، وَفِي الثَّانِي الثَّوْرِيُّ ، وَأَحْمَدُ قَالَا : إِنْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى أَرْبَعًا ، وَلَهُمَا فِي ذَلِكَ سَلَفٌ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا . أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنْ صَلَّاهَا فِي الْجَمَاعَةِ فَرَكْعَتَيْنِ وَإِلَّا فَأَرْبَعًا . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : كَأَنَّهُمْ قَاسُوهَا عَلَى الْجُمُعَةِ ، لَكِنَّ الْفَرْقَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ يَعُودُ لِفَرْضِهِ مِنَ الظُّهْرِ ، بِخِلَافِ الْعِيدِ . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالتَّرْكِ ، وَبَيْنَ الثِّنْتَيْنِ وَالْأَرْبَعِ . وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْجَارِيَتَيْنِ الْمُغَنِّيَتَيْنِ ، وَأَشْكَلَتْ مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ عَلَى جَمَاعَةٍ . وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهَا أَيَّامُ الْعِيدِ ، فَأَضَافَ نِسْبَةَ الْعِيدِ إِلَى الْيَوْمِ ، فَيَسْتَوِي فِي إِقَامَتِهَا الْفَذُّ وَالْجَمَاعَةُ وَالنِّسَاءُ وَالرِّجَالُ ، قَالَ ابْنُ رُشْيدٍ : وَتَتِمَّتُهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ أَيْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَدْرِ الْبَابِ ، وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ شَامِلٌ لِجَمِيعِهِمْ أَفْرَادًا وَجَمْعًا ، وَهَذَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ الْحُكْمُ الثَّانِي لَا مَشْرُوعِيَّةُ الْقَضَاءِ ، قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَخَذَ مَشْرُوعِيَّةَ الْقَضَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ ، أَيْ : أَيَّامُ مِنًى ، فَلَمَّا سَمَّاهَا أَيَّامَ عِيدٍ كَانَتْ مَحَلًّا لِأَدَاءِ هَذِهِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِيَوْمِ الْعِيدِ فَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا تَقَعُ أَدَاءً ، وَأَنَّ لِوَقْتِ الْأَدَاءِ آخِرًا وَهُوَ آخِرُ أَيَّامِ مِنًى . قَالَ : وَوَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ : لَمَّا سَوَّغَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ رَاحَةَ الْعِيدِ الْمُبَاحَةَ كَانَ آكَدَ أَنْ يَنْدُبَهُنَّ إِلَى صَلَاتِهِ فِي بُيُوتِهِنَّ قَوْلُهُ فِي التَّرْجَمَةِ : وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى ) يُشِيرُ إِلَى مُخَالَفَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ : لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ عَلَى الْمُسَافِرِ صَلَاةُ عِيدٍ وَوَجْهُ مُخَالَفَتِهِ كَوْنُ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ يُخَالِفُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ) هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ أَرَهُ هَكَذَا ، وَإِنَّمَا أَوَّلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْمُغَنِّيَتَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ثَالِثِ التَّرْجَمَةِ مِنْ كِتَابِ الْعِيدَيْنِ بِلَفْظِ : إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا ، وَأَمَّا بَاقِيهِ فَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا : أَيَّامُ مِنًى عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ فِي السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَقَوْلُهُ : أَهْلَ الْإِسْلَامِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُضَافٌ حُذِفَ مِنْهُ حَرْفُ النِّدَاءِ ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ أَخُصُّ ، وَجَوَّزَ فِيهِ أَبُو الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ الْمُسْنَدِ الْجَرَّ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ : عِيدُنَا . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : مَوْلَاهُمْ . قَوْلُهُ : ( ابْنَ أَبِي غَنِيَّةَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّونُ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مُثَقَّلَةٌ ، وَلِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ . قَوْلُهُ : ( بِالزَّاوِيَةِ ) بِالزَّايِ مَوْضِعٌ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْبَصْرَةِ كَانَ بِهِ لِأَنَسٍ قَصْرٌ وَأَرْضٌ وَكَانَ يُقِيمُ هُنَاكَ كَثِيرًا وَكَانَتْ بِالزَّاوِيَةِ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْحَجَّاجِ ، وَابْنِ الْأَشْعَثِ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ هُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا كَانَ رُبَّمَا جَمَعَ أَهْلَهُ وَحَشَمَهُ يَوْمَ الْعِيدِ ، فَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَاهُ رَكْعَتَيْنِ ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ الْمَذْكُورِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ : كَانَ أَنَسٌ إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ أَهْلَهُ فَصَلَّى بِهِمْ مِثْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْعِيدِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عِكْرِمَةُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْهُ قَالَ فِي الْقَوْمِ يَكُونُونَ فِي السَّوَادِ وَفِي السَّفَرِ فِي يَوْمِ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى قَالَ : يَجْتَمِعُونَ وَيَؤُمُّهُمْ أَحَدُهُمْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عَطَاءٌ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : وَكَانَ عَطَاءٌ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، فَقَدْ رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَزَادَ : وَيُكَبِّرُ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا تُقْضَى كَهَيْئَتِهَا لَا أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مُطْلَقُ نَفْلٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْعِيدَيْنِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَعْطُوفٌ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَقَوْلُهُ : فَزَجَرَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : دَعْهُمْ ، كَذَا فِي الْأُصُولِ بِحَذْفِ فَاعِلِ زَجَرَهُمْ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ كَذَا هُنَا ، وَسَيَأْتِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ بِحَذْفِهِ أَيْضًا لِلْجَمِيعِ ، وَضَبَّبَ النَّسَفِيُّ بَيْنَ زَجَرَهُمْ وَبَيْنَ فَقَالَ إِشَارَةً إِلَى الْحَذْفِ ، وَقَدْ ثَبَتَ بِلَفْظِ عُمَرَ فِي طُرُقٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْعِيدَيْنِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : أَمْنًا بِسُكُونِ الْمِيمِ ( يَعْنِي مِنَ الْأَمْنِ ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى اتْرُكْهُمْ مِنْ جِهَةِ أَنَّا آمِنَّاهُمْ أَمْنًا ، أَوْ أَرَادَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْنِ لَا مِنَ الْأَمَانِ الَّذِي لِلْكُفَّارِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى · ص 549 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى · ص 169 25 – باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين ، وكذلك النساء ، ومن كان في البيوت والقرى ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا عيدنا أهل الإسلام وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية ، فجمع أهله وبنيه ، فصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم . وقال عكرمة : أهل السواد يجتمعون في العيد ، يصلون ركعتين ، كما يصنع الإمام . وكان عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين . ذكر البخاري في هذا الباب مسائل . أحدها : من فاته صلاة العيد مع الإمام من أهل المصر ، فإنه يصلي ركعتين . وحكاه عن عطاء . وحكي - أيضا - عن أبي حنيفة والحسن وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد - في رواية ، عنه . ثم اختلفوا : هل يصلي ركعتين بتكبير كتكبير الإمام ، أم يصلي بغير تكبير ؟ فقالَ الحسن والنخعي ومالك والشافعي وأحمد - في رواية - : يصلي بتكبير ، كما يصلي الإمام . واستدلوا بالمروي عن أنس ، وأنس لم يفته في المصر بل كان ساكنًا خارجًا من المصر بعيدًا منه ، فهو في حكم أهل القرى . وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد - في رواية عنه . والقول بأنه يصلي كما يصلي الإمام قول أبي حنيفة وأبي بكر بن أبي شيبة ، حتى قالَ : لا يكبر إلا كما يكبر الإمام ، لا يزيد عليه ولا ينقص . وكذا قاله الإمام أحمد - في رواية أبي طالب . وعن ابن سيرين ، قال : كانوا يستحبون إذا فات الرجل العيدان أن يمضي إلى الجبان ، فيصنع كما يصنع الإمام . وقال أحمد - في رواية الأثرم - : إن صليت ذهب إلى الجبان فصلى ، وإن شاء صلى مكانه . وقال - في رواية إسماعيل بن سعيد - : إذا صلى وحده لم يجهر بالقراءة ، وإن جهر جاز . وهذا عنده حكم المصلي الصلاة الجهرية مفردًا ، فلو صلاها في جماعة جهر بها بغير إشكال ، كما فعله الليث بن سعد . وقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة العيدين إلا بمقدار ما يسمع من يليه ، روي ذلك عن علي ، وهو قول الحسن والنخعي والثوري . وذكر الحسن ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يسمعون القراءة في العيدين والجمعة من يليهم . خرجه المروزي في كتاب العيدين . وهو قول الثوري في الجمعة والعيدين جميعًا . وقال عطاء والأوزاعي وأحمد - في الرواية الأخرى - : يصلي من فاته العيد ركعتين بغير تكبير . وهذه الرواية ، حكاها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي . وقال أحمد : إنما التكبير مع الجماعة . وجعله أبو بكر عبد العزيز كالتكبير خلف المكتوبة في أيام التشريق . وروى حنبل ، عن أحمد ، أنه مخير ، إن شاء صلى بتكبير ، وإن شاء صلى بغير تكبير . وقالت طائفة : من فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى أربع ركعات . روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه . وسوى ابن مسعود بين من فاتته الجمعة ، ومن فاته العيد ، فقال - في كل منهما - : يصلي أربعًا . واحتج به الإمام أحمد . ولا عبرة بتضعيف ابن المنذر له ؛ فإنه روي بأسانيد صحيحة . وهذا قول الشعبي والثوري وأحمد - في رواية أخرى ، عنه - وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا ، بناءً على اختيارهم اشتراط الجماعة للعيد والاستيطان ، ويكون الأربع عيدًا . نص عليه أحمد في رواية الميموني . وهذا يشبه قول ابن شاقلا : إن أدرك تشهد الجمعة يصلي أربعًا ، وهي جمعة له ، كما سبق ذلك . وعلى هذا ، فيصلي وحده من غير جماعة ، نص عليه أحمد في رواية محمد بن الحكم ، وكذا ذكره أبو بكر عبد العزيز . وإنما يصلي في جماعة إذا قلنا : يصلي صلاة العيد على صفتها . وهل يصلي الأربع بسلام واحد ، أو يخير بين ذلك وبين صلاتها بسلامين ؟ فيهِ عن أحمد روايتان . واختار أبو بكر صلاتها بسلام واحد ، تشبيهًا لصلاتها بصلاة من تفوته الجمعة . وعن أحمد : يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعًا . وهذا مذهب الثوري الذي حكاه أصحابه ، عنه . واستدل أحمد ، بأنه روي عن أنس ، أنه صلى ركعتين ، وعن ابن مسعود أنه صلى أربعًا . وكذلك روي عن علي ، أنه أمر من يصلي بضعفة الناس في المسجد أربعًا ، ولا يخطب بهم . وروى أحمد بن القاسم ، عن أحمد الجمع بين فعل أنس وقول ابن مسعود على وجه آخر ، وهو : إن صلى من فاته العيد جماعة صلى كصلاة الإمام ركعتين ، كما فعل أنس ، وإن صلى وحده صلى أربعًا ، كما قال ابن مسعود . وقال إسحاق : إن صلاها في بيته صلاها أربعًا كالظهر ، وإن صلاها في المصلى صلاها ركعتين بالتكبير ؛ لأن عليًا أمر الذي يصلي بضعفة الناس في المسجد أن يصلي أربعا ، ركعتين مكان صلاة العيد ، وركعتين مكان خروجهم إلى الجبان ، كذا رواه حنش بن المعتمر عن علي . واعلم أن الاختلاف في هذه المسألة ينبني على أصل ، وهو : أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ؟ فيهِ قولان للعلماء ، هما روايتان عن أحمد . وأكثر العلماء ، على أنه لا يشترط لها ذَلِكَ ، وهو قول مالك والشافعي . ومذهب أبي حنيفة وإسحاق : أنه يشترط لها ذلك . فعلى قول الأولين : يصليها المنفرد لنفسه في السفر والحضر والمرأة والعبد ومن فاتته ، جماعة وفرادى . لكن لا يخطب لها خطبة الإمام ؛ لأن فيهِ افتئاتًا عليهِ ، وتفريقًا للكلمة . وعلى قول الآخرين : لا يصليها إلا الإمام أو من أذن لهُ ، ولا تصلى إلا كما تصلى الجمعة ، ومن فاتته ، فإنه لا يقضيها على صفتها ، كما لا يقضي الجمعة على صفتها . ثم اختلفوا : فقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تقضى بالكلية ، بل تسقط ، ولا يصلي من فاتته مع الإمام عيدا أصلا ، وإنما يصلي تطوعًا مطلقًا ، إن شاء صلى ركعتين ، وإن شاء صلى أربعًا . وقال أحمد وإسحاق : بل تقضى كما قال ابن مسعود وغيره من الصحابة . وليست العيد كالجمعة ؛ ولهذا يصليها الإمام والناس معه إذا لم يعلموا بالعيد إلا من آخر النهار من غد يوم الفطر ، والجمعة لا تقضى بعد خروج وقتها ، ولأن الخطبة ليست شرطًا لها ، فهي كسائر الصلوات ، بخلاف الجمعة . والذين قالوا : تقضى إذا فاتت مع الإمام ، لم يختلفوا أنها تقضى ما دام وقتها باقيًا . فإن خرج وقتها ، فهل تقضى ؟ قالَ مالك : لا تقضى . وعن الشافعي قولان . والمشهور عندنا : إنما تقضى . وخرجوا فيها رواية أخرى : أنها لا تقضى . وأصل ذلك : أن السنن الرواتب : هل تقضى في غير وقتها ، أم لا ؟ وفيه قولان ، وروايتان عن أحمد ؛ فإن فرض العيد يسقط بفعل الإمام ، فيصير في حق من فاتته سنة . ولو أدرك الإمام وقد صلى وهو يخطب للعيد ففيه أقوال : أحدها : أنه يجلس فيسمع الخطبة ، ثم إذا فرغ الإمام صلى قضاءً ، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأبي ثور ، ونص عليه أحمد - أيضا . والثاني : أنه يصلي والإمام يخطب ، كما يصلي الداخل في خطبة الجمعة والإمام يخطب ، وهو قول الليث ؛ لكن الليث صلى العيد بأصحابه والإمام يخطب . وقال الشافعية : إن كانَ الإمام يخطب في المصلى ، جلس واستمع ؛ لأنه ما لم يفرغ من الخطبة فهو في شعار إقامة العيد ، فيتابع فيما بقي منه ، ولا يشغل عنه بالصلاة ، وإن كان يخطب في المسجد ؛ فإنه يصلي قبل أن يجلس . ثم لهم وجهان : أحدهما : يصلي تحية المسجد ، كالداخل يوم الجمعة ، وهو قول بعض أصحابنا - أيضا . والثاني : يصلي العيد ؛ لأنها آكد ، وتدخل التحية ضمنا وتبعًا ، كمن دخل المسجد يوم الجمعة وعليه صلاة الفجر ؛ فإنه يقضيها وتدخل التحية تبعًا . ووجه قول الأوزاعي وأحمد : أن استماع الخطبة من كمال متابعة الإمام في هذا اليوم ، فإذا فاتت الصَّلاة معه لم يفوت استماع الخطبة ، وليس كذلك الداخل في خطبة الجمعة ؛ لأن المقصود الأعظم الصلاة ، وهي لا تفوت بالتحية . المسألة الثانية : صلاة النساء في بيوتهن في المصر ، وكذلك المريض ونحوه . وهذا مبني على أن صلاة العيد : هل يشترط لها العدد والاستيطان وإذن الإمام ، أم لا ؟ فمن قالَ : لا يشترط ذَلِكَ جوز للمرأة أن تصلي صلاة العيد في بيتها على وجهها ، وكذلك المريض ، بل يجيز ذَلِكَ لكل من تخلف في بيته ، أن يصلي كما يصلي الإمام ، ولا سيما إن كانَ يقول مع ذَلِكَ أن صلاة العيدين سنة ، كما يقوله الشافعي وغيره . وقال الحسن - في المسافر يدركه الأضحى - : فإذا طلعت الشمس صلى ركعتين ، ويضحي إن شاء . وأما من يشترط لها العدد وإذن الإمام ، فلا يرى لمن تخلف في بيته أن يصلي صلاة العيد على وجهها ، بل يصلي ركعتين بغير تكبير - أو أربعًا - على ما سبق . قال الثوري وإسحاق - في النساء - : يصلين في بيوتهن أربعًا . وعند أبي حنيفة وأصحابه : لا تقضي بحال ، كما تقدم . المسألة الثالثة : أهل القرى : هل يصلون العيد في قراهم كما يصلي الإمام في المصر ونوابه في الأمصار ؟ وقد حكى عن عكرمة ، أنهم يصلونها كصلاة أهل الأمصار . قال الإمام أحمد : ثنا محمد بن جعفر : ثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة ، في القوم يكونون في السواد في سفرتهم عيد فطر أو أضحى ، قال : فيجتمعون ، فيصلون ، يؤمهم أحدهم . وقد تقدم أن جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى ، فالعيد أولى . لكن من يشترط العدد لصلاة العيد ، كأحمد - في رواية - وإسحاق ، يقول : لا بد أن يكون في القرية أربعون رجلا كالجمعة . قال إسحاق : وإن لم يخطب بهم صلوا أربعا - أيضا - قال : وإذا لم تكن خطبة فليس بعيد . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا عيد إلا في مصر جامع ، كقولهم في الجمعة . ولا خلاف أنه يجب على أهل القرى والمسافرين ، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم ، والأكثرون على صحته وجوازه . ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك ؛ فإنه كانَ يسكن خارجا من البصرة على أميال منها . فروى الإمام أحمد - فيما رواه عنه ابنه عبد الله في مسائله - : ثنا هشيم : أنا عبيد الله بن أبي بكر ، عن جده أنس بن مالك ، أنه كان إذا لم يشهد العيد مع الناس بالبصرة ، وكان منزله بالطف جمع أهله وولده ومواليه ، ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي عتبة أن يصلي بهم . قال : يكبر بهم تسع تكبيرات ، خمس في الأولى ، وأربع في الآخرة ، ويوالي بين القراءتين . وروى محمد بن الحكم ، عن أحمد - فيمن تفوته صلاة العيد - : يجمع أهله وولده ، كما فعل أنس ، ويكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين . وهذا يدل على أنه أخذ بجميع ما روي عن أنس فيمن تفوته صلاة العيد مع الإمام ، سواء كان لبعده عن الإمام أو لغير ذَلِكَ ، وأنه يكبر تسع تكبيرات في الركعتين ، ويوالي بين القراءتين . وهذا خلاف مذهبه في تكبير الإمام ونوابه في الأمصار ، فإنه يرى أنهم يكبرون في الأولى سبع تكبيرات ، وفي الثانية خمس تكبيرات . وفي موالاته بين القراءتين روايتان عنه : أشهرهما : أنه يكبر قبل القراءة في الركعتين . والثانية : أنه يوالي بينهما . واختارها أبو بكر بن جعفر . فأما التكبير في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا ، وهو قول جمهور العلماء ، وقد روي عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة ، عن عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير ومجاهد والزهري ، وقال : مضت السنة به . وحكاه ابن أبي الزناد عن فقهاء المدينة السبعة . وهو قول مكحول وربيعة والليث والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وداود . وأكثر أهل الحديث ، منهم : ابن المديني وابن أبي شيبة وأبو خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي وغيرهم . ولكن اختلفوا : هل يكبر في الأولى سبعًا غير تكبيرة افتتاح الصلاة ، أم بها ؟ فقالَ مالك وأحمد : يحسب منها تكبيرة الافتتاح . وروي ذلك عن ابن عباس صريحًا . وقال الشافعي : لا يحسب منها . وعن الليث والأوزاعي قولان ، كالمذهبين . وقالت طائفة : يكبر في الأولى خمسًا بتكبيرة الافتتاح ، وفي الثانية أربعًا بعد القراءة ، بتكبيرة الركوع . روي ذلك عن ابن مسعود وإسحاق ، وهو قول سفيان وأهل الكوفة . وروي عن ابن عباس - في رواية عنه . وفي عدد التكبير أقوال متعددة للسلف ، وفيه أحاديث مرفوعة متعددة - أيضا - لم يخرج منها البخاري شيئًا ، وليس منها على شرطه شيء . وقد روى هارون بن عبد الله ، عن أحمد ، أنه قالَ : ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ذكره الخلال . وروى حرب ، عن أحمد قريبًا من ذلك . قال حرب : وسألت ابن المديني : هل صح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالَ : حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : ويروى عن أبي هريرة - من قوله - صحيح . انتهى . وحكى الترمذي في علله ، عن البخاري ، أنه صحح هذا الحديث . وقال أحمد - في رواية - : أنا أذهب إليه . وقد خرجه في المسند وأبو داود وابن ماجه بألفاظ مختلفة ، ومعناها واحد : أن التكبير في الأولى سبع ، وفي الثانية خمس . وفي رواية أحمد وأبي داود : أن القراءة بعدهما . وقد استوفينا الأحاديث في ذَلِكَ ، والكلام عليها في شرح الترمذي بحمد الله ومنه . ونقل الميموني ، عن أحمد ، قال : التكبير في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا ، وقد اختلف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التكبير ، وكله جائز . وهذا نص منه على أنه يجوز التكبير على كل صفة رويت عن الصحابة من غير كراهة ، وإن كانَ الأفضل عنده سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية . ورجح هذا ابن عبد البر ، وجعله من الاختلاف المباح ، كأنواع الأذان والتشهدات ونحوها .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى · ص 179 ثم خرج البخاري في هذا الباب : 987 - حديث عائشة في الجاريتين اللتين كانتا عندها تدففان وتغنيان . وقد ذكرنا لفظه في باب : سنة العيدين لأهل الإسلام إلى قوله : دعهما يا أبا بكر ؛ فإنها أيام عيد وتلك الأيام أيام منى . وزاد فيه :
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى · ص 179 988 – وقالت عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني ، وأنا أنظر إلى الحبشة ، وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : دعهم ، أمنا بني أرفدة - يعني : من الأمن . خرجه عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . ولكن ؛ ليس فيهِ اللفظ الذي احتج به في أول الباب ، وهو قوله : هذا عيدنا أهل الإسلام ، إنما خرجه بهذا اللفظ في باب : سنة العيدين كما تقدم . وليس فيه لفظة : أهل الإسلام ، ولم أجده بهذه الزيادة في شيء من الكتب الستة ، وإنما تعرف هذه اللفظة في حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يوم عرفة ، ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام . ووجه الاستدلال به على ما بوب عليه البخاري : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل العيد عاما لأهل الإسلام كلهم ، فدل على أنهم يشتركون فيما يشرع فيه جميعهم ، رجالهم ونساؤهم ، أهل أمصارهم ، وأهل قراهم فتكون صلاة العيد مشروعة لجميعهم من غير تخصيص لأحد منهم . والمنازع في ذلك قد يقول : أنا لا أمنع ذلك ، ولا أن يشهد العيد جميع المسلمين إذا صلاها الإمام أو نائبه في المصلى ، فأما الانفراد بصلاتها لآحاد الناس في بيوتهم ، فهذا لم ينقل عن أحد من السلف فعله ، ولو كان مشروعًا لما تركوه ، ولو فعلوه لنقل . وأيضا ؛ فمما يدل عَلَى أن الاستيطان يعتبر لها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يفعلها قط فِي أسفاره مَعَ كثرة أسفاره ، وقد أدركه عيد النحر بمنى ، وأدركه عيد الفطر فِي غزوة الفتح وَهُوَ مسافر ، ولم ينقل أنهُ صلى العيدين فِي شيء من أسفاره ، ولو فعل ذَلِكَ لما أهمل نقله ؛ لتوفر الدواعي على نقله ، وكثرة الحاجة إليه . والله سبحانه وتعالى أعلم . وأيضا ؛ فالحديث إنما ورد في أيام منى ، وظاهره : أنها أيام التشريق . ولو قيل : إن يوم النحر يدخل فيها ، فلا يلزم من كونها عيدًا للمسلمين جميعًا أن يشترك المسلمون جميعهم في كل ما يشرع فيها ؛ فإنه يشرع فيها للحاج ما لا يشرع لغيرهم من أهل الأمصار ، فلا يمتنع أن يشرع لأهل الأمصار الاجتماع على ما لا يشرع لغيرهم بانفرادهم ، كالنساء والمسافرين . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا فاته العيد يصلي ركعتين · ص 307 ( باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين ) أي هذا باب ترجمته إذا فاتت الرجل صلاة العيد مع الإمام يصلي ركعتين ، وفهم من هذه الترجمة حكمان : أحدهما : أن صلاة العيد إذا فاتت الرجل مع الجماعة فإنه يصليها سواء كان الفوت بعارض أو غيره ، والآخر : أنها تقضى ركعتين كأصلها ، وفي كل واحد من الوجهين اختلاف العلماء . أما الوجه الأول : فقد قال قوم : لا قضاء عليه أصلا ، وبه قال مالك ، وأصحابه ، وهو قول المزني ، وعند أصحابنا الحنفية كذلك لا يقضيها إذا فاتت عن الصلاة مع الإمام ، وأما إذا فاتت عنه مع الإمام فإنه يصليها مع الجماعة في اليوم الثاني ، وفي قاضيخان : إذا تركها بغير عذر لا يقضيها أصلا وبعذر يقضيها في اليوم الثاني في وقتها وبه قال الأوزاعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، قال ابن المنذر : وبه أقول فإن تركها في اليوم الثاني بعذر أو بغير عذر لا يصليها ، وقال الشافعي : من فاتته صلاة العيد يصلي وحده كما يصلي مع الإمام ، وهذا بناء على أن المنفرد هل يصلي صلاة العيد ؟ عندنا لا يصلي ، وعنده يصلي ، وقال السرخسي : وللشافعي قولان الأصح قضاؤها ، فإن أمكن جمعهم في يومهم صلى بهم ، وإلا صلاها من الغد ، وهو فرع قضاء النوافل عنده ، وعلى القول الآخر هي كالجمعة يشترط لها الجماعة والأربعون ، ودار الإقامة ، وفعله في الغد إن قلنا : أداء لا يصليها في بقية اليوم ، وإلا صلاها في بقيته ، وهو الصحيح عندهم ، وتأخرها عنه لا يسقط أبدا ، وقيل : إلى آخر الشهر . وأما الوجه الثاني : فقد قالت طائفة : إذا فاتت صلاة العيد يصلي ركعتين وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي ثور إلا أن مالكا استحب له ذلك من غير إيجاب ، وقال الأوزاعي : يصلي ركعتين ، ولا يجهر بالقراءة ، ولا يكبر تكبير الإمام ، وليس بلازم ، وقالت طائفة : يصليها إن شاء أربعا ، روي ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وبه قال الثوري ، وأحمد ، وقال أبو حنيفة : إن شاء صلى وإن شاء لم يصل ، فإن شاء صلى أربعا ، وإن شاء ركعتين ، وقال إسحاق : إن صلى في الجبانة صلى كصلاة الإمام فإن لم يصل فيها صلى أربعا . ( وكذلك النساء ) . أي وكذلك النساء اللاتي لم يحضرن المصلى مع الإمام يصلين صلاة العيد والآن يأتي دليله . ( ومن كان في البيوت والقرى ) . وكذلك يصلي العيد من كان في البيوت من الذين لا يحضرون المصلى ، قوله : "والقرى" أي وكذلك يصلي العيد من كان في القرى . ( لقول النبي صلى الله عليه وسلم : هذا عيدنا أهل الإسلام ) . هذا دليل لما تقدم من الأشياء الثلاثة ، وجه الاستدلال به أنه أضاف إلى كل أمة الإسلام من غير فرق بين من كان مع الإمام أو لم يكن ، وقوله : "هذا عيدنا" قد مضى في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المغنيتين ، وأما قوله : "أهل الإسلام" فقال بعض الشراح : كأنه من البخاري ، وقيل : لعله مأخوذ من حديث عقبة بن عامر مرفوعا "أيام منى عيدنا أهل الإسلام " ، وهو في السنن ، وصححه ابن خزيمة ، "وأهل الإسلام" بالنصب على أنه منادى مضاف حذف منه حرف النداء أو بتقدير أعني أو أخص . ( وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم ) . هذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة فقال : حدثنا ابن علية ، عن يونس قال : حدثني بعض آل أنس بن مالك أن أنسا كان ربما جمع أهله وحشمه يوم العيد ، فيصلي بهم عبد الله بن أبي غنية ركعتين ، وقال البيهقي في السنن : أخبرنا أبو الحسن الفقيه ، وأبو الحسن بن أبي سعيد الإسفراييني حدثنا ابن سهل بشر بن أحمد ، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا هشيم ، عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك "قال : كان أنس بن مالك إذا فاتته صلاة العيد مع الإمام جمع أهله يصلي بهم مثل صلاة الإمام في العيد" ، قال : ويذكر عن أنس أنه كان إذا كان بمنزله بالزاوية فلم يشهد العيد بالبصرة جمع مواليه ، وولده ، ثم يأمر مولاه عبد الله بن أبي غنية ، فيصلي بهم كصلاة أهل المصر ركعتين ويكبر بهم كتكبيرهم ، وبه قال فيما ذكره ابن أبي شيبة ، ومجاهد ، وابن الحنفية ، وإبراهيم ، وابن سيرين ، وحماد ، وأبو إسحاق السبيعي ، قوله : "وأمر أنس مولاه" وفي رواية المستملي "مولاهم" ، قوله : "ابن أبي غنية" بفتح الغين المعجمة وكسر النون وتشديد الياء آخر الحروف هذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بضم العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وفتح الباء الموحدة ، وهو الأكثر الأشهر ، قوله : "بالزاوية" بالزاي موضع على فرسخين من البصرة كان بها قصر ، وأرض لأنس رضي الله عنه ، وكان يقيم هناك كثيرا ، وكانت بالزاوية وقعة عظيمة بين الحجاج والأشعث ، قوله : "بعض آل أنس بن مالك" المراد عبيد الله بن أبي بكر بن أنس . ( وقال عكرمة : أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام ) . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة فقال : حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن عكرمة أنه قال في القوم يكونون في السواد وفي السفر في يوم عيد فطر أو أضحى قال : يجتمعون فيصلون ويؤمهم أحدهم . ( وقال عطاء : إذا فاته العيد صلى ركعتين ) . عطاء ابن أبي رباح ، وفي رواية الكشميهني : وكان عطاء ، والأول أصح ، ورواه الفريابي في مصنفه عن الثوري ، عن ابن جريج ، "عن عطاء قال : من فاته العيد فليصل ركعتين" ، ورواه ابن أبي شيبة في فصل : من فاتته صلاة العيد لم يصل ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن جريج ، "عن عطاء قال : يصلي ركعتين ويكبر" ، وقوله : "ويكبر" إشارة إلى أنها تقضى كهيئتها لا أن الركعتين مطلق نفل . 34 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر - رضي الله عنه - دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغش بثوبه ، فانتهرهما أبو بكر ، فكشف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن وجهه فقال : دعهما يا أبا بكر ، فإنها أيام عيد ، وتلك الأيام أيام منى ، وقالت عائشة : رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - دعهم ، أمنا بني أرفدة ، يعني من الأمن . مطابقته للترجمة من حيث إن اليوم الذي كانت الجاريتان تدففان فيه كان من أيام منى ، وهي أيام العيد ذكرها بالإضافة فيستوي فيها الرجال والنساء والواحد والجماعة ، فإذا فاتته الصلاة مع الإمام صلى ركعتين حيث كان ، والحديث قد مر في «باب الحراب والدرق يوم العيد» ومر الكلام فيه مستوفى قوله : "عقيل" بضم العين هو ابن خالد الأيلي ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، والواو في "وعندها" للحال وكذلك الواو في "والنبي - صلى الله عليه وسلم - متغش" : أي متغط . قوله : "فانتهرهما" زجرهما من النهر وهو الزجر ، قوله : "دعهما" : أي اتركهما وهو أمر من يدع ، قوله : "فإنها أيام عيد" : أي فإن هذه الأيام أيام عيد ، وإنما أضاف أولا إلى العيد ، ثم إلى منى ؛ لأنه أشار في الأول إلى الزمان ، وفي الثاني إلى المكان ، قوله : "وقالت عائشة" معطوف على الإسناد المذكور ، والواو في : "وإنا" وفي "وهم يلعبون" للحال ، قوله : "أمنا" منصوب على الحال بمعنى آمنين ، وذو الحال محذوف تقديره : تموا آمنين أي حال كونكم آمنين ، وقال الخطابي : إما مصدر أقيم مقام الصفة ، نحو رجل صوم : أي صائم ، وقد يكون معناه : ائتمنوا أمنا ولا تخافوا أحدا ليس لأحد أن يمنعكم ونحوه . قوله : "بني أرفدة" منادى حذف منه حرف النداء ، يعني يا بني أرفدة ، وقد مر تفسيره في الباب المذكور ، ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص ، قوله : "يعني من الأمن" هذا من كلام البخاري يشير به إلى أن المراد منه الأمن الذي هو ضد الخوف ، وليس هو من الأمان الذي للكفار ، وانتصابه على أنه مفعول له ، أو تمييز ومعناه : أتركهم من جهة أنا أمناهم ، ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض : أي للأمن والتنوين فيه للتقليل والتبعيض كما في "ليلا" في قوله تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا وبيان فوائده قد مرت ، وقال الكرماني : هو خاص بأيام العيد . ( قلت ) : العلة إظهار السرور فأينما وجدت كفى يوم الختان والإملاك والقدوم من السفر ونحوها جاز ، ( قلت ) قد بينا المذاهب فيه مستوفى .