5 - بَاب سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ 1071 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ لَيْسَ لَهُ وُضُوءٌ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : رُوِّينَا قَوْلَهُ : نَجَسٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : تُسَكَّنُ الْجِيمُ إِذَا ذُكِرَتِ اتِّبَاعًا فِي قَوْلِهِمْ : رِجْسٌ نَجَسٌ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَسْجُدُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ بِحَذْفِ غَيْرِ . وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ رَجُلٍ زَعَمَ أَنَّهُ كَنَفْسِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَيُهْرِيقُ الْمَاءَ ، ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَسْجُدُ وَمَا يَتَوَضَّأُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : لَا يَسْجُدُ الرَّجُلُ إِلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : طَاهِرٌ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى ، أَوِ الثَّانِي عَلَى حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَالْأَوَّلُ عَلَى الضَّرُورَةِ . وَقَدِ اعْتَرَضَ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ : إِنْ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ الِاحْتِجَاجَ لِابْنِ عُمَرَ بِسُجُودِ الْمُشْرِكِينَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ سُجُودَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ لَمَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ ، قَالَ : وَإِنْ أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ وَالْمُشْرِكُ نَجَسٌ فَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ . وَأَجَابَ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّ مَقْصُودَ الْبُخَارِيِّ تَأْكِيدُ مَشْرُوعِيَّةِ السُّجُودِ ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ قَدْ أَقَرَّ عَلَى السُّجُودِ ، وَسَمَّى الصَّحَابِيُّ فِعْلَهُ سُجُودًا مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ ، فَالْمُتَأَهِّلُ لِذَلِكَ أَحْرَى بِأَنْ يَسْجُدَ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الَّذِي مَا سَجَدَ عُوقِبَ بِأَنْ قتلَ كَافِرًا ، فَلَعَلَّ جَمِيعَ مَنْ وُفِّقَ لِلسُّجُودِ يَوْمَئِذٍ خُتِمَ لَهُ بِالْحُسْنَى فَأَسْلَمَ لِبَرَكَةِ السُّجُودِ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّهُ يَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا عِنْدَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ عَلَى وُضُوءٍ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَأَهَّبُوا لِذَلِكَ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَنْ بَادَرَ مِنْهُمْ إِلَى السُّجُودِ خَوْفَ الْفَوَاتِ بِلَا وُضُوءٍ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ السُّجُودِ بِلَا وُضُوءٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَشَقَّةِ بِالْوُضُوءِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ لَفْظَ الْمَتْنِ : وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . فَسَوَّى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نِسْبَةِ السُّجُودِ بَيْنَ الْجَمِيعِ ، وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْوُضُوءُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَصِحَّ السُّجُودُ مِمَّنْ كَانَ بِوُضُوءٍ وَمِمَّنْ لَمْ يَكُنْ بِوُضُوءٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْقِصَّةُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا سَيَحْصُلُ لَنَا إِلْمَامٌ بِشَيْءٍ مِنْهَا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( فَائِدَةٌ ) : لَمْ يُوَافِقِ ابْنَ عُمَرَ أَحَدٌ عَلَى جَوَازِ السُّجُودِ بِلَا وُضُوءٍ إِلَّا الشَّعْبِيُّ . أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَهُوَ يَمْشِي يُومِئُ إِيمَاءً . قَوْلُهُ : ( سَجَدَ بِالنَّجْمِ ) زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَكَّةَ فَأَفَادَ اتِّحَادَ قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( وَالْجِنُّ ) كَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اسْتَنَدَ فِي ذَلِكَ إِلَى إِخْبَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا مُشَافَهَةً لَهُ وَإِمَّا بِوَاسِطَةٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرِ الْقِصَّةَ لِصِغَرِهِ . وَأَيْضًا فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا إِلَّا بِتَوْقِيفٍ وَتَجْوِيزُ أَنَّهُ كَشَفَ لَهُ عَنْ ذَلِكَ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْهَا قَطْعًا . قَوْلُهُ : ( وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ) يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُجُودِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ · ص 644 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء · ص 99 « باب سجود المسلمين مع المشركين ، والمشرك نجس ليس له وضوء » أي هذا باب في بيان سجود المسلمين مع المشركين . قوله « والمشرك نجس » أي والحال أن المشرك نجس بكسر الجيم ، وفتحها ، وقال ابن التين : ضبطناه بالفتح ، وقال القزاز : إذا قالوه مع الرجس اتبعوه إياه قالوا رجس نجس ، بكسر النون وسكون الجيم ، والنجس في اللغة كل مستقذر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء · ص 99 « وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسجد على غير وضوء » هكذا وقع في رواية الأكثرين . وفي رواية الأصيلي بحذف غير ، وهذا هو اللائق بحاله ؛ لأنه لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بغير وضوء إلا الشعبي ، ولكن الأصح على غير وضوء ، لما روى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن الحسن ، عن رجل زعم أنه كنفسه ، عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد ، وما يتوضأ . وذكر ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن زكريا ، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة ، وهو على غير وضوء ، فكان يسجد . وروى أيضا : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الأعمش ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن قال : كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء ، وهو على غير القبلة ، وهو يمشي فيومئ برأسه إيماء ثم يسلم . فإن قلت : روى البيهقي بإسناد صحيح ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر . قلت : وفق بينهما بأن حمل قوله « طاهر » على الطهارة الكبرى ، أو يكون هذا على حالة الاختيار ، وذلك على حالة الضرورة . وقال ابن بطال معترضا على البخاري في هذه الترجمة : إن أراد الاحتجاج على قول ابن عمر بسجود المشركين ، فلا حجة فيه ؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله تعالى ، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى" بعد قوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم ، فلما علم صلى الله عليه وسلم ما ألقي على لسانه حزن له ، فأنزل الله تسلية عما عرض له وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ، فلا يستنبط من سجودهم جواز السجود على غير الوضوء ؛ لأن المشرك نجس لا يصح له الوضوء ولا السجود إلا بعد عقد الإسلام ، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله « والمشرك نجس ليس له وضوء » فهو أشبه بالصواب ، وأجاب ابن رشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود ، وسمى الصحابي فعله سجودا مع عدم أهليته ، فالمتأهل لذلك أحرى بأن يسجد على كل حالة ، ويؤيده ما في حديث ابن مسعود أن الذي ما سجد عوقب بأن قتل كافرا ، فلعل جميع من وفق للسجود يومئذ ختم له بالحسنى ، فأسلم ببركة السجود . انتهى . قلت : فيه بحث من وجوه : الأول :أن تقريرهم على السجود لم يكن لاعتبار سجودهم ، وإنما كان طمعا لإسلامهم . الثاني : أن تسمية الصحابي فعلهم سجودا بالنظر إلى الصورة مع علمه بأن سجودهم كلا سجود ؛ لأن السجود طاعة ، والطاعة موقوفة على الإيمان . الثالث : أن قوله « ولعل جميع من وفق .. » إلى آخره - ظن وتخمين ، فلا يبتنى عليه حكم . ثم الذي قاله ابن بطال : إنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم .. إلى آخره - موجود في كثير من التفاسير ، ذكروا أنه لما قرأ سورة النجم ، ووقع في السورة ذكر آلهتهم في قوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى وسمعوا ذكر آلهتهم في القرآن ، فربما ظنوه أو بعضهم أن ذلك مدح لها ، وقيل : إنهم سمعوا بعد ذكر آلهتهم تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ، فقيل : إن بعضهم هو القائل لها ، أي بعض المشركين لما ذكر آلهتهم خشوا أن يذمها ، فبدر بعضهم فقال ذلك ، سمعه من سمعه ، وظنوا أو بعضهم أن ذلك من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إن إبليس لعنه الله هو الذي قال ذلك حين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية ، فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك ، وقيل : إن إبليس أجرى ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم ، وهذا باطل قطعا ، وما كان الله ليسلطه على نبيه ، وقد عصمه منه ومن غيره ، وكذلك كون إبليس قالها ، وشبه صوته بصوت النبي صلى الله عليه وسلم باطل أيضا ، وإذا كان لا يستطيع أن يتشبه به في النوم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح ، وهو قوله « من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتشبه بي ولا يتمثل بي » فإذا كان لا يقدر على التشبه به في المنام من الرائي له ، والنائم ليس في محل التكليف والضبط ، فكيف يتشبه به في حالة استيقاظ من يسمع قراءته هذا من المحال الذي لا يقبله قلب مؤمن ، وهذا الحديث الذي ذكر فيه ذكر ذلك أكثر طرقه منقطعة معلولة ، ولم يوجد لها إسناد صحيح ، ولا متصل إلا من ثلاثة طرق : أحدها ما رواه البزار في مسنده قال : حدثنا يوسف بن حماد حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فيما أحسب أشك في الحديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بمكة ، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى فجرى على لسانه : تلك الغرانيق العلى الشفاعة منهم ترتجى ، قال : فسمع ذلك مشركو أهل مكة ، فسروا بذلك ، فاشتد على رسول الله ، فأنزل الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ، ثم قال البزار : ولا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله ، عن سعيد بن جبير قال : وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه ، عن سعيد بن جبير لا أعلمه إلا عن ابن عباس : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ النجم ، فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وشفاعتها ترتجى ، فلما بلغ آخرها سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون ، فأنزل الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إلى قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : يوم بدر . والطريق الثاني : رواية محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . والطريق الثالث : ما رواه ابن مردويه في « تفسيره » قال : حدثنا أحمد بن كامل حدثنا محمد بن سعيد ، حدثني أبي ، حدثنا عمي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : قوله أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أنزلت عليه آلهة العرب ، فسمع المشركون يتلوها ، وقالوا : إنه يذكر آلهتنا بخير ، فدنوا ، فبينما هو يتلوها ألقى الشيطان : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فعلق يتلوها ، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها ، ثم قال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا الآية ، وظاهر هذه الرواية الثالثة أن الآية أنزلت عليه في الصلاة ، وأنه تلا ما أنزل عليه ، وأن الشيطان ألقى عليه هذه الزيادة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علق يتلوها يظن أنها أنزلت ، وأنه اشتبه عليه ما ألقاه الشيطان بوحي الملك إليه ، وهذا أيضا ممتنع في حقه أن يدخل عليه فيما حقه البلاغ ، وكيف يشتبه عليه مزج الذم بالمدح ، فآخر الكلام وهو قوله تعالى : أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى الآيات - رد لما ألقاه الشيطان على زعمهم ، وجميع هذه المسانيد الثلاثة لا يحتج بشيء منها ، أما الإسناد الأول وإن كان رجاله ثقات ، فإن الراوي شك فيه كما أخبر عن نفسه ، فإما شك في رفعه فيكون موقوفا أو في وصله فيكون مرسلا ، وكلاهما ليس بحجة خصوصا فيما فيه قدح في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل لو جزم الثقة برفعه ووصله حملناه على الغلط والوهم . وأما الإسناد الثاني فإن محمد بن السائب الكلبي ضعيف بالاتفاق منسوب إلى الكذب ، وقد فسر الكلبي في روايته الغرانقة العلى بالملائكة لا بآلهة المشركين كما يقولون إن الملائكة بنات الله ، وكذبوا على الله ، فرد الله ذلك عليهم بقوله : أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى فعلى هذا فلعله كان قرآنا ، ثم نسخ لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتهم . وأما الإسناد الثالث فإن محمد بن سعد هو العوفي ، وهو ابن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي تكلم فيه الخطيب فقال : كان لينا في الحديث ، وأبوه سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال فيه أحمد : لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه ، ولا كان موضعا لذلك ، وعم أبيه هو الحسين بن الحسن بن عطية . ضعفه ابن معين ، والنسائي ، وابن حبان ، وغيرهم ، والحسن بن عطية ضعفه البخاري ، وأبو حاتم ، وهذه سلسلة ضعفاء ، ولعل عطية العوفي سمعه من الكلبي ، فإنه كان يروي عنه ، ويكنيه بأبي سعيد لضعفه ، ويوهم أنه أبو سعيد الخدري ، وقال عياض : هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل قريب ، المتلقنون من الصحف كل صحيح وسقيم . قلت : الأمر كذلك ، فإن غالب هؤلاء مثل الطرقية ، والقصاص ، وليس عندهم تمييز يخبطون خبط عشواء ، ويمشون في ظلمة ظلماء ، وكيف يقال مثل هذا ، والإجماع منعقد على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونزاهته ، عن مثل هذه الرذيلة ، ولو وقعت هذه القصة لوجدت قريش على المسلمين بها الصولة ، ولأقامت عليهم اليهود بها الحجة كما علم من عادة المنافقين ، وعناد المشركين كما وقع في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء · ص 101 106 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تقدموا غير مرة ، وعبد الوارث بن سعيد ، وأيوب السختياني . وأخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن أبي معمر . وأخرجه الترمذي في الصلاة ، عن هارون بن عبد الله البزار ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به ، وقال : حسن صحيح . قوله « سجد بالنجم » زاد الطبراني في « الأوسط » من هذا الوجه : بمكة . ويستفاد من ذلك أن قصة ابن عباس وابن مسعود متحدة . قوله « وسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن والإنس » قال النووي : إنه محمول على من كان حاضرا . قلت : يعكر عليه أن الألف واللام في المسلمين والمشركين أبطلت الجمعية صارت لاستغراق الجنس ، وكذلك الألف واللام في الجن والأنس للاستغراق ، فيشمل الحاضر والغائب حتى روى البزار ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنده سورة النجم ، فلما بلغ السجدة سجد ، وسجدنا معه ، وسجدت الدواة والقلم . وإسناده صحيح ، وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة : سجد النبي صلى الله عليه وسلم بآخر النجم ، والجن ، والإنس ، والشجر . فإن قلت : من أين علم الراوي أن الجن سجدوا ؟ قلت : قال الكرماني : إما بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم له ، وإما بإزالة الله تعالى الحجاب . قلت : قال شيخنا زين الدين : الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة ، فإنه لم يشهد تلك القصة خصوصا ، إن كانت قبل فرض الصلاة كما تقدم في حديث مخرمة ، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح ، والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به ، وقال الكرماني : لفظ الإنس مكرر ، بل لفظ الجن أيضا ؛ لأنه إجمال بعد تفصيل نحو : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وقال أيضا : فإن قلت : لم سجد المشركون ، وهم لا يعتقدون القرآن ؟ قلت : قيل : لأنهم سمعوا أسماء أصنامهم حيث قال أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى قال القاضي عياض : كان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود - أنها أول سجدة نزلت . قلت : استشكل هذا بأن اقرأ باسم ربك أول السور نزولا ، وفيها أيضا سجدة ، فهي سابقة على النجم ، وأجيب بأن السابق من اقرأ أولها ، وأما بقيتها فنزلت بعد ذلك بدليل قصة أبي جهل في نهيه للنبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، أو المراد أول سورة استعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنجم ، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره . ذكر ما يستنبط منه : احتج بهذا الحديث أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وعبد الله بن وهب ، وابن حبيب المالكي على أن سورة النجم فيها سجدة ، وقال سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وطاوس ، ومالك : ليس في سورة النجم سجدة ، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب ، وسنذكر الجواب عند ذكره ، وروي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة رواه عنه أحمد ، وقال : سجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة . ورجال إسناده ثقات ، ومنهم أبو الدرداء أخرج حديثه الترمذي من رواية أم الدرداء عنه قال سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم ، ومنهم عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في « الكبير » من رواية مصعب بن ثابت ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم بمكة ، فسجد وسجد الناس معه حتى إن الرجل ليرفع إلى جبينه شيئا من الأرض فيسجد عليه ، وحتى يسجد على الرجل . ومصعب بن ثابت مختلف فيه ، ضعفه أحمد وابن معين ، ووثقه ابن أبي حبان ، وقال أبو حاتم : صدوق كثير الغلط ، ومنهم المطلب بن أبي وداعة ، أخرج النسائي حديثه بإسناد صحيح من رواية ابنه جعفر بن المطلب عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم ، فسجد وسجد من معه ، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد . ولم يكن يومئذ أسلم المطلب . ومنهم عمرو بن العاص أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن نمير عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصل . ومنهم عائشة رضي الله تعالى عنها أخرج حديثها الطبراني في « الأوسط » من رواية عبد الرحمن بن بشير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجم ، فلما بلغ السجدة سجد . وعبد الرحمن بن بشير منكر الحديث . ومنهم عمرو الجني ، أخرج حديثه الطبراني أيضا من رواية عثمان بن صالح قال : حدثني عمرو الجني قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ سورة النجم فسجد فيها. قال شيخنا زين الدين : وعثمان بن أبي صالح شيخ البخاري لم يدرك أحدا من الصحابة ، فإنه توفي سنة تسع عشرة ومائتين إلا أنه ذكر أن عمرا هذا من الجن ، وقد نسبه أبو موسى في « ذيله » من الصحابة : عمرو بن طلق ، وقال الذهبي : عمرو الجني ، قيل : هو ابن طلق ، أورده أبو موسى وقال : والعجب أنهم يذكرون الجن من الصحابة ، ولا يذكرون جبريل وميكائيل . قلت : لأن الجن آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مرسل إليهم ، والملائكة ينزلون بالرسالة إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم . ومما يستنبط منه أن رؤية الإنس للجن لا تنكر ، وأنكرت المعتزلة رؤية الإنس للجن ، واستدل بعضهم بقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ مع قوله : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ وأجاب أهل السنة بأن هذا خرج مخرج الغالب في عدم رؤية الإنس الجن أو الشياطين ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته ، وأنه خنقه حتى وجد برد لسانه ، وأنه قال : لولا دعوة سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد .. الحديث ، وثبت في الصحيح رؤية أبي هريرة له لما دخل ليسرق تمر الصدقة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة : تدري من تخاطب منذ ثلاث ؟ وقال فيه : صدقك وهو كذوب . لكن أبا هريرة رآه في صورة مسكين على هيئة الإنس ، وهو دال على أن الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم كما تتشكل الملائكة في هيئة الآدميين ، وقد نص الله في كتابه على عمل الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام ومخاطبتهم له في قوله تعالى : قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ الآية ، ومثل هذا لا ينكر مع تصريح القرآن بذلك ، وثبوت الأحاديث الصحيحة . « ورواه ابن طهمان ، عن أيوب » أي روى هذا الحديث إبراهيم بن طهمان بفتح الطاء ، وسكون الهاء ، وبالنون ، وقد مر في باب تعليق القنديل في المسجد رواه عن أيوب السختياني ، وأخرج الإسماعيلي متابعته من حديث حفص عنه .