5 - بَاب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ ، وَطَرَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا عَلَيْهِمَا السَّلَام لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ 1126 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَعْنِي : أُمَّتَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، ( عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ : صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَابٍ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَمْرَيْنِ : التَّحْرِيضِ ، وَنَفْيِ الْإِيجَابِ . فَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَلِيٍّ لِلْأَوَّلِ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ لِلثَّانِي . قُلْتُ : بَلْ يُؤْخَذُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ نَفْيُ الْإِيجَابِ ، وَيُؤْخَذُ التَّحْرِيضُ مِنْ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا : كَانَ يَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّهُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَحَبَّهُ اسْتَلْزَمَ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ ، لَوْلَا مَا عَارَضَهُ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : كَأَنَّ الْبُخَارِيَّ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيقَاظِ الْإِيقَاظُ لِلصَّلَاةِ ، لَا لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِمَا أُنْزِلَ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَكَانَ يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ إِلَى النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفُوتُ . قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ لِمُشَاهَدَةِ حَالِ الْمُخْبِرِ حِينَئِذٍ أَثَرًا لَا يَكُونُ عِنْدَ التَّأْخِيرِ ، فَيَكُونُ الْإِيقَاظُ فِي الْحَالِ أَبْلَغَ لِوَعْيِهِنَّ مَا يُخْبِرُهُنَّ بِهِ ، وَلِسَمْعِهِنَّ مَا يَعِظُهُنَّ بِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ : قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَالْقِرَاءَةِ ، وَالذِّكْرِ ، وَسَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ ، وَالتَّفَكُّرِ فِي الْمَلَكُوتِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ : وَالنَّوَافِلِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . قُلْتُ : وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ ، لَا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ . وَمَا نَسَبَهُ إِلَى فَهْمِ الْبُخَارِيِّ أَوَّلًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ وَغَيْرِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجَرِ ؛ يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ ، فَظَهَرَتْ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَأَنَّ فِيهِ التَّحْرِيضَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ . وَعَدَمُ الْإِيجَابِ يُؤْخَذُ مِنْ تَرْكِ إِلْزَامِهِنَّ بِذَلِكَ . وَجَرَى الْبُخَارِيُّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ ، وَسَتَأْتِي بَقِيَّةُ فَوَائِدِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْفِتَنِ . وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ ، وَهَذَا مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ ، وَمِنْ أَشْرَفِ التَّرَاجِمِ الْوَارِدَةِ فِيمَنْ رَوَى عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ . وَحَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ كَاتِبَ اللَّيْثِ رَوَاهُ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، فَقَالَ : عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي مَنِيعٍ عَنْ جَدِّهِ الزُّهْرِيِّ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، وَالصَّوَابُ : عَنِ الْحُسَيْنِ . وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ ، وَالطَّبَرِيُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إِيجَاب · ص 13 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب · ص 173 باب تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب أي هذا باب في بيان تحريض النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته أو المؤمنين على قيام الليل ، أي : على صلاة الليل ، وكذا في رواية الأصيلي وكريمة : على صلاة الليل ، وهذا الباب يشتمل على أربعة أحاديث . الأول : لأم سلمة . والثاني : لعلي بن أبي طالب . والثالث والرابع : لأم المؤمنين عائشة ، قيل : اشتملت الترجمة على أمرين التحريض ونفي الإيجاب ، فحديث أم سلمة وعلي للأول ، وحديثا عائشة للثاني ، وقال بعضهم : بل يؤخذ من الأحاديث الأربعة نفي الإيجاب ، ويؤخذ التحريض من حديث عائشة من قولها : كان يدع العمل وهو يحبه ؛ لأن كل شيء أحبه استلزم التحريض عليه لولا ما عارضه من خشية الافتراض . انتهى . ( قلت ) : لا نسلم أن حديث أم سلمة يدل على نفي الإيجاب ، بل ظاهره يوهم الإيجاب على ما لا يخفى على المتأمل ولكنه ساكت عنه وظاهره التحريض ، ولا نسلم أيضا استلزام التحريض في شيء أحبه ، وكذلك ظاهر حديث علي يوهم الإيجاب بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - حين ولى وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا ، ولكن ظاهره التحريض . قوله : والنوافل جمع نافلة ، عطف على قيام الليل ، أي : والتحريض على النوافل ، فإن كان المراد من قيام الليل الصلاة فقط يكون من عطف العام على الخاص ، وإن كان المراد من قيام الليل أعم من الصلاة والقرآن والذكر والتفكر في الملكوت العلوية والسفلية وغير ذلك يكون من عطف الخاص على العام . ( وطرق النبي - صلى الله عليه وسلم - فاطمة وعليا عليهما السلام ليلة للصلاة ) . هذا التعليق ذكره عقيب هذا بقوله : حدثنا أبو اليمان إلى آخره . قوله : طرق من الطروق وهو الإتيان بالليل ، يعني أتاهما بالليل للتحريض على القيام للصلاة . 155 - حدثنا ابن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن هند بنت الحارث عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ ليلة فقال : سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة ، ماذا أنزل من الخزائن ، من يوقظ صواحب الحجرات ، يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه تحريضا على قيام الليل ، والحديث قد مر في «كتاب العلم» في «باب العلم والعظة بالليل» قال : حدثنا صدقة قال : أخبرنا ابن عيينة عن معمر عن الزهري إلى آخره ، وقد مر الكلام هناك مستقصى ، وعبد الله ههنا هو ابن المبارك . قوله : يا رب المنادى محذوف ، أي : يا قوم رب كاسية قوله : عارية بالجر صفة كاسية ، والحديث وإن صدر في حق أزواجه - صلى الله عليه وسلم - لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، والتقدير : رب نفس كاسية ، وفيه أنه أعلمه الله أنه يفتح على أمته من الخزائن ، وأن الفتن مقرونة بها ، ولذلك آثر كثير من السلف القلة على الغنى خوف فتنة المال ، وقد استعاذ صلى الله عليه وسلم من فتنة الغنى كما استعاذ من فتنة الفقر .