9 - بَاب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ 1135 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ ، قُلْنَا : وَمَا هَمَمْتَ ؟ قَالَ : هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي طُولُ الصَّلَاةِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ، وَحَدِيثُ الْبَابِ مُوَافِقٌ لِهَذَا ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى طُولِ الصَّلَاةِ ، لَا عَلَى الْقِيَامِ بِخُصُوصِهِ ، إِلَّا أَنَّ طُولَ الصَّلَاةِ يَسْتَلْزِمُ طُولَ الْقِيَامِ ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقِيَامِ - كَالرُّكُوعِ مَثَلًا - لَا يَكُونُ أَطْوَلَ مِنَ الْقِيَامِ كَمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ : فَرَكَعَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ . وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ نَحْوَهُ ، وَمَضَى حَدِيثُ عَائِشَةَ قَرِيبًا أَنَّ السَّجْدَةَ تَكُونُ قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ آيَةً ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ . قَوْلُهُ : ( بِأَمْرِ سُوءٍ ) بِإِضَافَةِ أَمْرٍ إِلَى سُوءٍ ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِيَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْوِيلَ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَوِيًّا مُحَافِظًا عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا هَمَّ بِالْقُعُودِ إِلَّا بَعْدَ طُولٍ كَثِيرٍ مَا اعْتَادَهُ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ : أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ . فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقُنُوتِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْخُشُوعُ ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ : أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ كَثْرَةُ السُّجُودِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِهِ مَعْدُودَةٌ فِي الْعَمَلِ السَّيِّءِ . وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ مَعْرِفَةِ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا عَرَفُوا مُرَادَهُ مِنْ قَوْلِهِ : هَمَمْتُ بِأَمْرِ سُوءٍ ، حَتَّى اسْتَفْهَمُوهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمُ اسْتِفْهَامَهُمْ عَنْ ذَلِكَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ : أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً ، فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ فِي رَكْعَةٍ ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ ، أَوْ سُؤَالٌ سَأَلَ ، أَوْ تَعَوُّذٌ تَعَوَّذَ ، ثُمَّ رَكَعَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ ، ثُمَّ قَامَ نَحْوًا مِمَّا رَكَعَ ، ثُمَّ سَجَدَ نَحْوًا مِمَّا قَامَ . وَهَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي نَحْوٍ مِنْ سَاعَتَيْنِ ، فَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا . وَأَمَّا مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ، فَإِنَّ فِي أَخْبَارِ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ قَدْرَ ثُلُثِ اللَّيْلِ ، وَفِيهَا أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ تَفَرَّدَ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ شُعْبَةَ ، حَكَاهُ عَنْهُ الْبُرْقَانِيُّ ، وَهُوَ مِنَ الْأَفْرَادِ الْمُقَيَّدَةِ ، فَإِنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب طُولِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ اللَّيْل · ص 24 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب طول الصلاة في قيام الليل · ص 184 باب طول الصلاة في قيام الليل أي هذا باب في بيان طول الصلاة في قيام الليل هذه الترجمة على هذا الوجه للحموي والمستملي ، وفي رواية الأكثرين باب طول القيام في صلاة الليل ، قال بعضهم : وحديث الباب موافق لرواية الحموي لأنه دال على طول الصلاة لا على طول القيام بخصوصه ، إلا أن طول الصلاة يستلزم طول القيام ؛ لأن غير القيام كالركوع مثلا لا يكون أطول من القيام ( قلت ) : لا نسلم أن طول الصلاة يستلزم طول القيام ، فمن أين الملازمة ؟ فربما يطول المصلي ركوعه وسجوده أطول من قيامه وهو غير ممنوع لا شرعا ولا عقلا . وقوله : كالركوع مثلا لا يكون أطول من القيام ، غير مسلم ؛ لأن عدم كون الركوع أطول من القيام ممنوع كما ذكرنا . 165 - حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ، فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء ، قلنا : وما هممت ؟ قال : هممت أن أقعد وأذر النبي - صلى الله عليه وسلم - . مطابقته للترجمة ظاهرة الدلالة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة . الأول : سليمان بن حرب أبو أيوب الواشحي ، حكى البرقاني عن الدارقطني أن سليمان بن حرب تفرد برواية هذا الحديث عن شعبة . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : سليمان الأعمش . الرابع : أبو وائل اسمه شقيق بن سلمة الأسدي . الخامس : عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه بصري وشعبة واسطي ، والأعمش وأبو وائل كوفيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في «الصلاة» عن عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ، كلاهما عن جرير ، وعن إسماعيل بن الخليل وسويد بن سعيد ، كلاهما عن علي بن مسهر ، وأخرجه الترمذي في «الشمائل» عن سفيان بن وكيع ، وعن محمود بن غيلان عن سليمان بن حرب به ، وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة» عن عبد الله بن عامر وسويد بن سعيد . ( ذكر معناه ) قوله : حتى هممت ، أي : قصدت . قوله : بأمر سوء يجوز فيه إضافة أمر إلى سوء ، ويجوز أن يكون سوء صفة لأمر ، وهذا السوء من جهة ترك الأدب وصورة المخالفة ، وإن كان القعود جائزا في النفل مع القدرة على القيام . قوله : وأذر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : أتركه ، أراد أن يقعد لا أنه يخرج عن الصلاة ، وهذه اللفظة أمات العرب ماضيها كما في يدع . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال رحمه الله : فيه دليل على طول القيام في صلاة الليل ؛ لأن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان جلدا قويا محافظا على الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وما هم بالقعود إلا عن طول كثير ، وقد اختلف العلماء هل الأفضل في صلاة التطوع طول القيام أو كثرة الركوع والسجود ؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل ، واحتجوا في ذلك بما رواه مسلم عن ثوبان : أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود ، قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولما سأله ربيعة بن كعب مرافقته في الجنة قال : أعني على نفسك بكثرة السجود ، واحتجوا أيضا بما رواه ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من عبد يسجد لله سجدة إلا كتب الله عز وجل له بها حسنة ومحا عنه بها سيئة ورفع له بها درجة ، فاستكثروا من السجود ، وروى ابن ماجه أيضا من حديث كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه قال : قلت : يا رسول الله ، أخبرني بعمل أستقيم عليه وأعمله . قال : عليك بالسجود ، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة ، وبما روى الطحاوي قال : حدثنا فهد قال : حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال : حدثنا أبو الأحوص وخديج عن أبي إسحاق عن المخارق قال : خرجنا حجاجا فمررنا بالربذة فوجدنا أبا ذر قائما يصلي ، فرأيته لا يطيل القيام ويكثر الركوع والسجود ، فقلت له في ذلك فقال : ما ألوت أن أحسن أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة ، وأخرجه أحمد أيضا في «مسنده» والبيهقي في سننه . ( قلت ) : أبو الأحوص سلام بن سليم ، وخديج بن معاوية ضعفه النسائي ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيرا ، واسم أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ، والمخارق بضم الميم غير منسوب قال الذهبي : مجهول ، وفي التكميل وثقه ابن حبان ، والربذة قرية من قرى المدينة بها قبر أبي ذر رضي الله تعالى عنه ، واسم أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري . قوله : ما ألوت ، أي : ما قصرت ، وروى الطحاوي أيضا من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه رأى فتى وهو يصلي ، وقد أطال صلاته ، فلما انصرف منها قال : من يعرف هذا ؟ قال رجل : أنا ، فقال عبد الله : لو كنت أعرفه لأمرته أن يطيل الركوع والسجود ، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا قام العبد يصلي أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه ، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه ، وأخرجه البيهقي أيضا ، ويقول أهل هذه المقالة : قال الأوزاعي والشافعي في قول وأحمد في رواية ومحمد بن الحسن ويحكى ذلك عن ابن عمر . وذهب قوم إلى أن طول القيام أفضل ، وبه قال الجمهور من التابعين وغيرهم ، ومنهم مسروق وإبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة ، وممن قال به أبو يوسف والشافعي في قول وأحمد في رواية ، وقال أشهب : هو أحب إلي لكثرة القراءة ، واحتجوا في ذلك بحديث الباب ، وبما رواه مسلم من حديث جابر سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي الصلاة أفضل ؟ قال : طول القنوت وأراد به طول القيام ، وبما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حبش الخثعمي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الصلاة أفضل ؟ فقال : طول القيام ، وهذا يفسر قوله - صلى الله عليه وسلم - : طول القنوت ، وإن كان القنوت يأتي بمعنى الخشوع وغيره . ومما يستفاد من الحديث المذكور أنه ينبغي الأدب مع الأئمة الكبار ، وأن مخالفة الإمام أمر سوء ، قال تعالى : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ الآية .