8 - بَاب مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاةِ 1207 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ : إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : تَرْجَمَ بِالْحَصَى وَالْمَتْنِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي التُّرَابِ ، لِيُنَبِّهَ عَلَى إِلْحَاقِ الْحَصَى بِالتُّرَابِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّسْوِيَةِ مَرَّةً ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ الْحَصَى كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِلَفْظِ : الْمَسْحُ فِي الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْحَصَى . قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَمَّا كَانَ فِي الْحَدِيثِ : يَعْنِي ، وَلَا يُدْرَى أَهِيَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ عَدَلَ عَنْهَا الْبُخَارِيُّ إِلَى ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا التُّرَابُ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : تَرْجَمَ بِالْحَصَى ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي التُّرَابِ ، فَيَلْزَمُ مِنْ تَسْوِيَتِهِ مَسْحُ الْحَصَى . قُلْتُ : قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ : فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ، فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةَ الْحَصَى . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بِلَفْظِ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى فِي الصَّلَاةِ . فَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، أَوْ إِلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، حَتَّى عَنْ مَسْحِ الْحَصَى ، فَقَالَ : وَاحِدَةً أَوْ دَعْ . وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ : إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ، فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى . وَقَوْلُهُ : إِذَا قَامَ ؛ الْمُرَادُ بِهِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ ، لِيُوَافِقَ حَدِيثَ الْبَابِ ، فَلَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنِ الْمَسْحِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا ، بَلِ الْأَوْلَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَشْتَغِلَ بَالُهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِهِ . ( تَنْبِيهٌ ) : التَّقْيِيدُ بِالْحَصَى وَبِالتُّرَابِ خَرَجَ لِلْغَالِبِ لِكَوْنِهِ كَانَ الْمَوْجُودَ فِي فَرْشِ الْمَسَاجِدِ إِذْ ذَاكَ ، فَلَا يَدُلُّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ عَلَى نَفْيِهِ عَن غَيْرِهِ مِمَّا يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ الرَّمْلِ وَالْقَذَى وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى : حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ . وَمُعَيْقِيبٌ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ مُصَغَّرًا هُوَ ابْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، كَانَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ الْوَاحِدُ . قَوْلُهُ : ( فِي الرَّجُلِ ) أَيْ حُكْمُ الرَّجُلِ ، وَذُكِرَ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ جَارٍ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ مَسْحِ الْحَصَى وَغَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ ، وَأَفْرَطَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، فَقَالَ : إِنَّهُ حَرَامٌ إِذَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ لِظَاهِرِ النَّهْيِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا إِذَا تَوَالَى أَوْ لَا ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الْخُشُوعِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ عِلَّةَ كَرَاهِيَتِهِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْخُشُوعِ ، أَوْ لِئَلَّا يَكْثُرَ الْعَمَلُ فِي الصَّلَاةِ ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَقَدِّمَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُوَاجِهُهُ حَائِلًا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ : إِذَا سَجَدْتَ فَلَا تَمْسَحِ الْحَصَى ، فَإِنَّ كُلَّ حَصَاةٍ تُحِبُّ أَنْ يُسْجَدَ عَلَيْهَا . فَهَذَا تَعْلِيلٌ آخَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَيْثُ يَسْجُدُ ) أَيْ مَكَانَ السُّجُودِ ، وَهَلْ يَتَنَاوَلُ الْعُضْوَ السَّاجِدَ ؟ لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ ، وَأَنِّي مَسَحْتُ مَكَانَ جَبِينِي مِنَ الْحَصَى . وَقَالَ عِيَاضٌ : كَرِهَ السَّلَفُ مَسْحَ الْجَبْهَةِ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الِانْصِرَافِ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ حِكَايَةُ اسْتِدْلَالِ الْحُمَيْدِيِّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي رُؤْيَتِهِ الْمَاءَ وَالطِّينَ فِي جَبْهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ . قَوْلُهُ : ( فَوَاحِدَةً ) بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ ؛ أَيْ فَامْسَحْ وَاحِدَةً ، أَوْ عَلَى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى إِضْمَارِ الْخَبَرِ ، أَيْ فَوَاحِدَةٌ تَكْفِي ، أَوْ إِضْمَارِ الْمُبْتَدَأِ ؛ أَيْ فَالْمَشْرُوعُ وَاحِدَةٌ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمَرَّةً وَاحِدَةً .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَسْحِ الْحَصَا فِي الصَّلَاة · ص 95 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مسح الحصى في الصلاة · ص 389 8 - باب مسح الحصى في الصلاة 1207 - حدثنا أبو نعيم ، ثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يسوي التراب حين يسجد ، قال : إن كنت فاعلا فواحدة . وخرجه مسلم من طريق شيبان . وخرجه أيضا من طريق هشام الدستوائي ، عن يحيى ، هو : ابن أبي كثير ، ولفظ حديثه : ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح في المسجد - يعني : الحصى - ، قال : إن كنت لا بد فاعلا فواحدة . وفي رواية له ، بهذا الإسناد ، أنهم سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المسح في الصلاة ، فقال : واحدة . وفي الباب عن جماعة من الصحابة ، لم يخرج منه في الصحيح غير حديث معيقيب . قال الترمذي : والعمل على هذا عند أهل العلم . يعني : على كراهة مسح الحصى ، والرخصة في المرة الواحدة منه . وقال ابن المنذر : اختلف أهل العلم في مس الحصى في الصَّلاة . وكان ابن عمر يصلي فيمسح الحصى برجليه . وروي عن ابن مسعود ، أنه يسويه مرة واحدة إذا سجد . وكان أبو هريرة وأبو ذر يرخصان في مسحه مرة واحدة . وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف بأسًا . وكره ذلك الأوزاعي وأصحاب الرأي . وقال أصحاب الرأي : لا بأس به مرة ، وتركه أحب إلينا . وكان عثمان بن عفان وابن عمر يمسحان الحصى لموضع السجود ، قبل إن يدخلا في الصلاة . قال ابن المنذر : هذا أحب إليّ ، ولا يخرج أن مسحه مرة ؛ لحديث معيقيب ، وتركه أفضل . انتهى . ورويت كراهيته عن علي وابن مسعود وابن عباس . وعن ابن عمر ، قال : هو من الشيطان . ورخص فيه مرة واحدة أبو عبد الرحمن السلمي . وهو قول سفيان الثوري . وقال ليث بن أبي سليم : سمعت العلماء يقولون : تحريك الحصى ومسحه في الصلاة أذى للملكين . وقد روي في سبب كراهيته : إن الرحمة تواجه المصلي ، فإذا أزال ما يواجهه من التراب والحصى ، فقد أزال ما فيه الرحمة والبركة . فروى الزهري ، عن أبي الأحوص ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى ؛ فإن الرحمة تواجهه . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حديث حسن . وأبو الأحوص هذا ، ضعفه ابن معين وغيره . وروى ابن المبارك في كتابه عن الأوزاعي ، عن هارون بن رئاب ، قال : قال ابن مسعود : إن الأرض لتزين للمصلي ، فلا يمسحها أحدكم ، فإن كان ماسحها لا محالة فمرة مرة ، ولأن يدعها خير له من مائة ناقة للنقلة . واعلم ؛ أن مسح الحصى في الصَّلاة يكون على وجهين : أحدهما : أن يكون عبثًا محضًا لغير وجه ، فهذا مكروه ؛ لأن العبث في الصلاة مكروه ، كما يكره ذلك في حال استماع الخطبة . وفي الحديث الصحيح : ومن مس الحصى فقد لغا . فإن كانت الرخصة في المرة الواحدة من هذا النوع ، فيشبه أن يكون معناه : أن المرة الواحدة تقع عن سهو وغفلة ، والمعاود إنما يكون عن تعمد وقصد ، كما قالَ في نظر الفجأة : إن لك الأولى ، وليست لك الآخرة . ويشهد لهذا : ما خرجه الإمام أحمد من رواية شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : لأن يمسك أحدكم يده عن الحصى خير له من مائة ناقة ، كلها سود الحدقة ، فإن غلب أحدكم الشيطان فليمسح مسحة واحدة . وشرحبيل مختلف في أمره . ورأى سعيد بن المسيب رجلا يعبث بالحصى ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . الوجه الثاني : أن يكون عن حاجة إليه ، مثل أن يشتد حر الحصى ، فيقلبه ليتمكن من وضع جبهته عليه في السجود ، أو يكون فيه ما يؤذيه السجود عليه ، فيصلحه ويزيله ، فهذا يرخص فيه بقدر ما يزول به الأذى عنه ، ويكون ذلك مرة واحدة . قال أحمد : لا بأس بتسوية الحصى إن اضطر . وروى الأثرم بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه ركع ، ثم سجد فسوى الحصى ، ثم تقبطه بيده . وروى الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية ، عن أبي سلمة ، عن جعفر بن عمرو بن أمية ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي الحصى . وهذا غريب جدًا . وقريب من هذا : ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث جابر ، قال : كنت أصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ، فأخذ قبضة من الحصى ؛ لتبرد في كفي أضعها لجبهتي أسجد عليها لشدة الحر . وزعم أبو بكر الأثرم : أن الرخصة في المرة الواحدة ناسخة للنهي المطلق . وفيه نظر . ومذهب مالك : يكره أن ينقل الحصى من موضع الظل إلى موضع الشمس ، فيسجد عليه ، ولا يكره أن يسجد على ثوبه في الحر . واستدل بعض من قال : إنه لا يرخص في الصلاة في أكثر من عمل واحد ، كخطوة أو ضربة ، بهذا الحديث . وإنما يدل هذا الحديث على كراهة ما زاد على المرة الواحدة ، حيث كان لا يحتاج إلى الزيادة على ذلك ، فإن تسوية الحصى المقصود منه - غالبًا - بمرة واحدة ، وهذا خلاف ما يحتاج منه إلى زيادة على المرة الواحدة ، كالمشي والضرب ونحوهما ، وبذلك يجمع بين النصوص كلها في هذا الباب .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مسح الحصا في الصلاة · ص 284 باب مسح الحصا في الصلاة أي : هذا باب في بيان حكم مسح الحصاة في الصلاة ، وفي بعض النسخ مسح الحصى ، ولم يبين في الترجمة حكمه هل هو مباح ، أو مكروه ، أو غير جائز للاختلاف الواقع فيه . 230 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ؛ لأن المذكور في الحديث التراب ، وفي الترجمة الحصى ؟ ( قلت ) : قال الكرماني :الغالب في التراب الحصى ، فيلزم من تسوية التراب مسح الحصى ؟ ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن الحصى ربما تكون غريقة في التراب عند كونها فيه ، فلا يقع عليها المسح ، وقيل : ترجم بالحصى ، وفي الحديث التراب لينبه على إلحاق الحصى بالتراب في الاقتصار على التسوية مرة ، وقيل : أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الحصى ، كما أخرجه مسلم من طريق ، وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن معيقيب قال : ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسح في المسجد يعني الحصى قال : إن كنت لا بد فاعلا فواحدة . وفي لفظ له في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة . وقيل : لما كان في الحديث ، يعني ولا يدري أهي قول الصحابي أو غيره عدل البخاري إلى ذكر الرواية التي فيها التراب . ( قلت ) : الأوجه أن يقال : جاء في الحديث لفظ الحصى ، ولفظ التراب ، فأشار بالترجمة إلى الحصى ، وبالحديث إلى التراب ليشمل الاثنين . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو نعيم ، بضم النون الفضل بن دكين . الثاني : شيبان ، بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن. الثالث : يحيى بن أبي كثير . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . الخامس : معيقب ، بضم الميم ، وفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وكسر القاف بعدها باء موحدة ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد شمس أسلم قديما ، كان على خاتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واستعمله الشيخان على بيت المال ، وأصابه الجذام فجمع له عمر رضي الله تعالى عنه الأطباء فعالجوه ، فوقف المرض ، وهو الذي سقط من يده خاتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيام عثمان رضي الله تعالى عنه في بئر أريس ، فلم يوجد ، فمذ سقط الخاتم اختلفت الكلمة ، وتوفي في آخر خلافة عثمان ، وقيل : توفي في سنة أربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه كوفي ، وشيبان بصري سكن الكوفة ، ويحيى يمامي ، وأبو سلمة مدني ، وفيه أن معيقيبا ليس له في البخاري إلا هذا الحديث فقط ، وقال ابن التين : وليس في الصحابة أحد أجذم غيره . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الصلاة ، عن أبي موسى ، عن يحيى القطان ، وعن أبي بكر ، عن وكيع ، وعن عبيد الله بن عمر القواريري ، وعن أبي بكر ، عن الحسن بن موسى ، عن شيبان به . وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام ، وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن الحريث ، وأخرجه النسائي فيه ، عن سويد بن نصر ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن دحيم ، ومحمد بن الصباح . ( ذكر معناه ) قوله : ( عن أبي سلمة ) وفي رواية الترمذي من طريق الأوزاعي ، عن يحيى ، حدثني أبو سلمة . قوله : ( في الرجل ) ، أي : في شأن الرجل ، وذكر الرجل ؛ لأنه الغالب ، وإلا فالحكم جار في الذكر والأنثى من المكلفين . قوله : ( يسوي التراب ) ، جملة حالية من الرجل . قوله : ( حيث يسجد ) ، يعني في المكان الذي يسجد فيه . قوله : ( قال ) ، أي الرسول عليه الصلاة والسلام . قوله : ( إن كنت فاعلا ) ، أي : مسويا للتراب ، ولفظ الفعل أعم الأفعال ، ولهذا استعمل لفظ فاعلون في موضع مؤدون في قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . قوله : ( فواحدة ) ، بالنصب على إضمار الناصب ، تقديره : فامسح واحدة ، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف ، والتقدير : إن كنت فاعلا فافعل فعلة واحدة ، يعني مرة واحدة ، وكذا في رواية الترمذي : إن كنت فاعلا فمرة واحدة ، ويجوز رفعها على الابتداء ، وخبره محذوف ، أي : ففعلة واحدة تكفي ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : المشروع فعلة واحدة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الرخصة بمسح الحصى في الصلاة مرة واحدة ، وممن رخص به فيها أبو ذر ، وأبو هريرة ، وحذيفة ، وكان ابن مسعود ، وابن عمر يفعلانه في الصلاة ، وبه قال من التابعين إبراهيم النخعي ، وأبو صالح ، وحكى الخطابي في المعالم كراهته عن كثير من العلماء ، وممن كرهه من الصحابة عمر بن الخطاب ، وجابر ، ومن التابعين : الحسن البصري ، وجمهور العلماء بعدهم ، وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته ؛ لأنه ينافي التواضع ، ولأنه يشغل المصلي ؟ ( قلت ) : في حكايته الاتفاق نظر ؛ فإن مالكا لم ير به بأسا ، وكان يفعله في الصلاة ، وفي التلويح روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة ، وكرهوا ما زاد عليها ، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة الواحدة ، وقال ابن حزم : فرض عليه أن لا يمسح الحصى ، وما يسجد عليه إلا مرة واحدة ، وتركها أفضل ، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة ، وأخرج الترمذي ، عن أبي ذر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه . ورواه أيضا بقية الأربعة ، وقال الترمذي : حديث أبي ذر حديث حسن ، وتعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدل على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له فيفوته حظه ، وفي معنى مسح الحصى مسح الجبهة من التراب ، والطين ، والحصى في الصلاة . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن أبي الدرداء ، قال : ما أحب أن لي حمر النعم ، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى ، إلا أن يغلبني فأمسح مسحة . وفي حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف عن الصلاة ، وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين . قال القاضي عياض : وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة ، وقبل الانصراف ، يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه . وحكى ابن عبد البر ، عن سعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن البصري ، أنهم كانوا يكرهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف ، ويقولون : هو من الجفاء ، وقال ابن مسعود أربع من الجفاء : أن تصلي إلى غير سترة ، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف ، أو تبول قائما ، أو تسمع المنادي ثم لا تجيبه .