1210 - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَام : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئا ، ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ : فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ ، أَيْ خَنَقْتُهُ . وَفَدَعَّتُّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : يَوْمَ يُدَعُّونَ أَيْ يُدْفَعُونَ . وَالصَّوَابُ فَدَعَتُّهُ ، إِلَّا أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَالتَّاءِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ ) هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ ، وَشَبَابَةُ بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ ) تَقَدَّمَ فِي بَابِ رَبْطِ الْغَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ : إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ إِبْلِيسَ كَبِيرِ الشَّيَاطِينِ . قَوْلُهُ : ( فَشَدَّ عَلَيَّ ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيْ حَمَلَ . قَوْلُهُ : ( لِيَقْطَعَ ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي بِحَذْفِ اللَّامِ . قَوْلُهُ : ( فَذَعَتُّهُ ) يَأْتِي ضَبْطُهُ بَعْدُ . قَوْلُهُ : ( فَتَنْظُرُوا ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : أَوْ تَنْظُرُوا إِلَيْهِ بِالشَّكِّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّتِهِ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فَذَعَتُّهُ بِالذَّالِ ) يَعْنِي الْمُعْجَمَةَ ، وَتَخْفِيفِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ؛ أَيْ خَنَقْتُهُ ، وَأَمَّا فَدَعَّتُّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ ، فَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ؛ أَيْ يُدْفَعُونَ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، إِلَّا أَنَّهُ - يَعْنِي شُعْبَةَ - كَذَا قَالَهُ بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ . انْتَهَى . وَهَذَا الْكَلَامُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَهِيَ فِي كِتَابِ : غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلنَّضْرِ ، وَهُوَ فِي مَرْوِيَّاتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ الْمَصَاحِفِيِّ ، عَنِ النَّضْرِ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاة · ص 97 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يجوز من العمل في الصلاة · ص 395 الحديث الثاني : 1210 - نا محمود - هو : ابن غيلان - ، نا شبابة ، نا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أنه صلى صلاة ، فقال : إن الشيطان عرض لي ، فشد علي ليقطع الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فذعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان : رَبِّ . . . هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحد مِنْ بَعْدِي ، فرده الله خاسئًا . معنى دعته : دفعته دفعًا عنيفًا ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ويقال : دعته بالدال المهملة وبالذال المعجمة ، ذكره في الجمهرة . وفي بعض نسخ كتاب الصحيح : قال النضر بن شميل : فذعته - بالذال - أي : خنقته ، و فدعته من قول الله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ أي : يدفعون ، والصواب : فدعته ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . وقال الخطابي : الذعت : شدة الخنق ، ويقال : ذعت وسات إذا خنق ، انتهى . ويقال : لا تصح رواية من رواه دعته بالدال المهملة وتشديد الدال ، فإنه لو كان من الدع كان أصله دعته ، وتدغم العين في التاء . وخرجه مسلم من طريق شعبة ، بمعناه أيضا . وخرج الإمام أحمد بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى صلاة الصبح ، فالتبست عليه القراءة ، فلما فرغ من الصلاة قال : لو رأيتموني وإبليس ، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها - ، ولولا دعوة أخي سليمان ، لأصبح مربوطًا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة . وفي هذا الحديث من العلم : أن دفع المؤذي في الصلاة جائز ، وإن لم يندفع إلا بعنف وشدة دفع جاز دفعه بذلك . وقد سبق في دفع المار بين يدي المصلي ، أنه إن أبى فليقاتله ؛ فإنه شيطان . وهذا إذا كانَ أذاه يختص بالصلاة كالمار ، والشيطان الملهي عن الصَّلاة ، وكذلك إن كانَ أذاه لا يختص بالصلاة كالحية والعقرب . وروى يحيى بن أبي كثير ، عن ضمضم بن جوس ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الأسودين في الصلاة : الحية والعقرب . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي . وقال : حسن صحيح . وضمضم هذا يمامي ، قال أحمد : ليس به بأس ، ووثقه ابن معين والعجلي . وأخذ أكثر العلماء بهذا الحديث ، ورخصوا في قتل الحية والعقرب في الصلاة ، منهم : ابن عمر ، والحسن ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وكرهه النخعي خاصة ، ولعل السنة لم تبلغه في ذلك . وقال سفيان : لا بأس أن يقتل الرجل - يعني : في صلاته - الحية والعقرب والزنبور والبعوضة والبق والقمل ، وكل ما يؤذيه . وقد سبق القول في قتل القمل في الصلاة وفي المسجد في باب : دفن النخامة في المسجد وذكرنا هناك الاختلاف في كراهة قتل القمل في المسجد ودفنه فيه ، وإلقائه فيه . ومذهب مالك : أنه يقتلها في صلاته ، بل إن كان في غير المسجد ألقاها ، وإن كان في المسجد لم يلقها فيه ، ولم يقتلها . وكذلك كره قتل القملة في الصلاة : الليث وأبو يوسف . وقال الأوزاعي : تركه أحب إلي . ولم يكرهه الحسن وأبو حنيفة ومحمد وإسحاق وأكثر أصحابنا . وفي الحديث دليل على إمكان ربط الشيطان وحبسه وإيثاقه ، وعلى جواز ربطه في المسجد ، كما يربط الأسير فيه ، وعلى جواز رؤية غير الأنبياء للجن والشياطين ، وتلاعب الصبيان بهم . وأما قوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ فإنه خرج على الأعم الأغلب ، وليس المراد به نفي إمكان رؤيتهم . وقد ظن بعض الناس أنه دال على ذلك ، فقال : من ادعى رؤيتهم فسق . وقد رآهم أبو هريرة وغيره من الصحابة ، وستأتي الأحاديث بذلك متفرقة في أماكنها إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يجوز من العمل في الصلاة · ص 286 233 - حدثنا محمود ، قال : حدثنا شبابة ، قال : حدثنا شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه صلى صلاة قال : إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي ، فأمكنني الله منه فذعته ، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه ، فذكرت قول سليمان عليه السلام : رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرده الله خاسئا . ثم قال النضر بن شميل : فذعته بالذال ، أي : خنقته ، وفدعته من قول الله تعالى : يوم يدعون ، أي : يدفعون ، والصواب فدعته إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . مطابقته للترجمة في قوله : ( فدعته ) ؛ لأن معناه دفعته في قول على ما نذكره ، عن قريب ، وكان ذلك عملا يسيرا ، وقد مر الحديث في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد ، فإنه أخرجه هناك ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن روح ، ومحمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن محمد بن زياد إلى آخره ، وشبابة بفتح الشين المعجمة ، وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف باء أخرى مفتوحة ، وفي آخره هاء ابن سوار الفزاري مر في آخر كتاب الحيض ، ولفظه هناك : أن عفريتا من الجن تفلت علي . ( ذكر معناه ) قوله : ( فشد علي ) ، أي : حمل ، يقال : شد في الحرب يشد بالكسر ، وضبطه بعضهم بالمعجمة أعني الدال ، وأظن أنه غلط . قوله : ( يقطع الصلاة ) ، جملة وقعت حالا ، وهذه رواية الحموي ، والمستملي ، وفي رواية غيرهما : ليقطع ، بلام التعليل . قوله : ( فذعته ) الفاء للعطف ، وذعته فعل ماض للمتكلم وحده ، بالذال المعجمة من ألذعت بالذال المعجمة ، والعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهو الخنق ، ويروى : فدعته من الدع بالدال ، والعين المهملتين ، وهو الدفع ، ومنه . قوله تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ أي : يدفعون ، وعلى هذا أصل دعت دععت ، وأدغم العين في التاء ، ويقال : معنى ذعته بالمعجمة مرغته في التراب . قوله : ( ولقد هممت ) ، أي : قصدت . قوله : ( أن أوثقه ) ، كلمة أن مصدرية ، أي : قصدت أن أربطه . قوله : ( إلى سارية ) ، أي : أسطوانة . قوله : ( فتنظروا ) ، وفي رواية الحموي ، والمستملي : أو تنظروا إليه ، بكلمة الشك . قوله : ( خاسئا ) نصب على الحال ، أي : مطرودا متحيرا ، وههنا أسئلة : الأول : في أي صورة عرض له الشيطان ؟ ( قلت ) : روى عبد الرزاق أنه كان في صورة هر ، وهذا معنى قوله : ( فأمكنني الله منه ) ، أي : صوره لي في صورة هر مشخصا يمكنه أخذه . الثاني قيل : مجرد هذا القدر يعني ربطه إلى سارية لا يوجب عدم اختصاص الملك لسليمان عليه الصلاة والسلام إذ المراد بملك : لا ينبغي لأحد من بعده مجموع ما كان له من تسخير الرياح ، والطير ، والوحش ، ونحوه ، وأجيب بأنه أراد الاحتراز عن الشريك في جنس ذلك الملك . الثالث : ثبت أن الشيطان يفر من ظل عمر رضي الله تعالى عنه ، وأنه يسلك فجا غير فجه ، ففراره عنه صلى الله عليه وسلم بالطريق الأولى ، وأجيب بأن المراد من فراره من ظل عمر ليس حقيقة الفرار بل بيان قوة عمر وصلابته على قهر الشيطان ، وهنا صريح أنه صلى الله عليه وسلم قهره ، وطرده غاية الإمكان ، وفي بعض النسخ عقيب الحديث عن النظر من شميل : فذعته ، بالذال ، أي : خنقته ، وفدعته من قول الله عز وجل : يَوْمَ يُدَعُّونَ ، أي : يدفعون ، والصواب : فدعته ، أي : بالمهملة ، إلا أنه كذا قال بتشديد العين والتاء . ( ومما يستفاد منه ) أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة ، وأخذوا من ذلك جواز أخذ البرغوث ، والقملة ، ودفع المار بين يديه ، والإشارة ، والالتفات الخفيف ، والمشي الخفيف ، وقتل الحية والعقرب ، ونحو ذلك ، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ، ولا التهاون بها ، وممن أجاز أخذ القملة وقتلها في الصلاة الكوفيون ، والأوزاعي . وقال أبو يوسف : قد أساء ، وصلاته تامة ، وكره الليث قتلها في المسجد ، ولو قتلها لم يكن عليه شيء ، وقال مالك : لا يقتلها في المسجد ، ولا يطرحها فيه ، ولا يدفنها في الصلاة ، وقال الطحاوي : لو حك بدنه لم يكره كذلك أخذ القملة ، وطرحها ، ورخص في قتل العقرب في الصلاة ابن عمر ، والحسن ، والأوزاعي ، واختلف قول مالك فيه ، فمرة كرهه ، ومرة أجازه . وقال : لا بأس بقتلها إذا آذته ، وكذا الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته ، وأجاز قتل الحية ، والعقرب في الصلاة الكوفيون ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وكره قتل العقرب في الصلاة إبراهيم النخعي ، وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ، ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض ، قال : أرجو أن يكون خفيفا ، ولا يبعد ذلك . وروى علي بن زياد عن مالك في المصلي يخاف على صبي يقرب من نار ، فذهب إليه ، فقال : إن انحرف عن القبلة ابتدأ ، وإن لم ينحرف بنى ، وسئل أحمد عن رجل أمامه سترة فسقطت فأخذها وركزها . قال : أرجو أن لا يكون به بأس ، فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلا صنع ذلك بالإعادة ، قال : لا آمره بالإعادة ، وأرجو أن يكون خفيفا ، وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة المكتوبة ، وهو قول أبي ثور . ( قلت ) : عندنا يكره حمل الصبي في الصلاة ، وإن كان بعذر لا يكره .