12 - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : نَفَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ 1213 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ - أَوْ قَالَ : لَا يَتَنَخَّمَنَّ - ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ . 1214 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ ) وَجْهُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا حَرْفَانِ ، وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَتَأَلَّفُ مِنْهُ الْكَلَامُ ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ يَجُوزُ وَبَعْضُهُ لَا يَجُوزُ ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَرَى التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا إِذَا حَصَلَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَلَامٌ مَفْهُومٌ أَمْ لَا ، أَوِ الْفَرْقُ مَا إِذَا كَانَ حُصُولُ ذَلِكَ مُحَقَّقًا فَفِعْلُهُ يَضُرُّ وَإِلَّا فَلَا . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ) أَيِ ابْنِ الْعَاصِ ( نَفَخَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ . . الْحَدِيثَ بِطُولِهِ . وَفِيهِ ؛ وَجَعَلَ يَنْفُخُ فِي الْأَرْضِ وَيَبْكِي وَهُوَ سَاجِدٌ . وَذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ، لِأَنَّ عَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَقَدِ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ، لَكِنْ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ ، وَهُوَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ، وَأَبُوهُ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثَ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ عَنِ الْبُزَاقِ فِي الْقِبْلَةِ ، فَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَوْلُهُ فِيهِ : إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ . بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ مُوَاجِهُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ حَكِّ الْبُزَاقِ بِالْيَدِ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَزَادَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ . فَفِيهِ جَوَازُ مُعَاتَبَةِ الْمَجْمُوعِ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي يُنْكَرُ ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ صَدَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ لِأَجْلِ التَّحْذِيرِ مِنْ مُعَاوَدَةِ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَبْزُقَنَّ ، أَوْ قَالَ : لَا يَتَنَخَّمَنَّ ) . فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ . قَوْلُهُ فِيهِ : ( وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ ) . فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : عَنْ يَسَارِهِ . هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، وَلَمْ تَتَقَدَّمْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ : لَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَلَكِنْ لِيَبْزُقْ خَلْفَهُ ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ . فَسَاقَهُ كُلَّهُ مَعْطُوفًا بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَالْبَاقِي مَوْقُوفٌ . وَقَدِ اقْتَصَرَ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ الْحَدِيثِ فِي الْبَابِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ قَبْلُ ، وَفِيمَا بَعْدَهُ ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ ، وَلَا يَقْطَعُهَا كَمَا يَقْطَعُهَا الْكَلَامُ ، وهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ، وَأَشْهَبَ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : النَّفْخُ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ . وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمُحَمَّدٍ : إِنْ كَانَ يُسْمَعُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ ، وَإِلَّا فَلَا ، قَالَ : وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَلَيْسَ فِي النَّفْخِ مِنَ النُّطْقِ بِالْهَمْزَةِ وَالْفَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي الْبُصَاقِ مِنَ النُّطْقِ بِالتَّاءِ وَالْفَاءِ . قَالَ : وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْبُصَاقِ فِي الصَّلَاةِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ النَّفْخِ فِيهَا ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مَعَهُ فِي التَّرْجَمَةِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ ، وَالْمُصَحَّحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ إِنْ ظَهَرَ مِنَ النَّفْخِ ، أَوِ التَّنَخُّمِ ، أَوِ الْبُكَاءِ ، أَوِ الْأَنِينِ ، أَوِ التَّأَوُّهِ ، أَوِ التَّنَفُّسِ ، أَوِ الضَّحِكِ ، أَوِ التَّنَحْنُحِ حَرْفَانِ بَطَلَتِ الصَّلَاةُ ، وَإِلَّا فَلَا ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْحَرْفَيْنِ يَتَأَلَّفُ مِنْهُمَا الْكَلَامُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ حَرْفَيْنِ كَلَامًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالْإِبْطَالُ بِهِ لَا يَكُونُ بِالنَّصِّ ، بَلْ بِالْقِيَاسِ ، فَلْيُرَاعَ شَرْطُهُ فِي مُسَاوَاةِ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ ، قَالَ : وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُنْظُرَ إِلَى مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ ، حَيْثُ لَا يُسَمَّى الْمَلْفُوظُ بِهِ كَلَامًا ، فَمَا أُجْمِعَ عَلَى إِلْحَاقِهِ بِالْكَلَامِ أُلْحِقَ بِهِ ، وَمَا لَا فَلَا . قَالَ : وَمِنْ ضَعِيفِ التَّعْلِيلِ قَوْلُهُمْ : إِبْطَالُ الصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ بِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْكَلَامَ ، فَإِنَّهُ مَرْدُودٌ لِثُبُوتِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَخَ فِي الْكُسُوفِ . انْتَهَى . وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَفْخَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْحُرُوفِ ، وَرُدَّ بِمَا ثَبَتَ فِي أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّ فِيهِ : ثُمَّ نَفَخَ فِي آخِرِ سُجُودِهِ ، فَقَالَ : أُفْ أُفْ . فَصَرَّحَ بِظُهُورِ الْحَرْفَيْنِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ ، فَجَعَلْتُ أَنْفُخُ خَشْيَةَ أَنْ يَغْشَاكُمْ حَرُّهَا . وَالنَّفْخُ لِهَذَا الْغَرَضِ لَا يَقَعُ إِلَّا بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ ، فَانْتَفَى قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْغَلَبَةِ ، وَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَدْ سُمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ فِي قَوْلِ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ ، وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ . وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ بأَنَّ أُفْ لَا تَكُونُ كَلَامًا حَتَّى يُشَدَّدَ الْفَاءُ ، قَالَ : وَالنَّافِخُ فِي نَفْخِةٍ لَا يُخْرِجُ الْفَاءَ صَادِقَةً مِنْ مَخْرَجِهَا ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَرْفَيْنِ كَلَامٌ مُبْطِلٌ ، أَفْهَمَا أَوْ لَمْ يُفْهِمَا ، وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْخَصَائِصَ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ . ( تَنْبِيهَانِ ) : ( الْأَوَّلُ ) : نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الضَّحِكَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِحَرْفٍ وَلَا حَرْفَيْنِ ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ أَنَّ الضَّحِكَ يَهْتِكُ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْبُكَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ : إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مِنْ أَجْلِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا . ( الثَّانِي ) وَرَدَ فِي كَرَاهَةِ النَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُلَامًا لَنَا - يُقَالُ لَهُ : أَفْلَحُ - إِذَا سَجَدَ نَفَخَ ، فَقَالَ : يَا أَفْلَحُ ، تَرِّبْ وَجْهَكَ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ . قُلْتُ : وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى إِبْطَالِ الصَّلَاةِ بِالنَّفْخِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وإِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : تَرِّبْ وَجْهَكَ ؛ اسْتِحْبَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ ، فَهُوَ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ مَسْحِ الْحَصَى . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَعَنْ أَنَسٍ ، وَبُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَأَسَانِيدُ الْجَمِيعِ ضَعِيفَةٌ جِدًّا ، وَثَبَتَ كَرَاهَةُ النَّفْخِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالرُّخْصَةُ فِيهِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الْبُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاة · ص 101 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة · ص 405 الثاني : 1214 - حدثنا محمد ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى . وقد خرجه - فيما تقدم - عن آدم ، عن شعبة . ومقصوده الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لا يبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتًا كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة . وقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك . وقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟ فقالَ طائفة : هوَ كلام . قال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس . وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما . كذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام . وقد خرجه وكيع في كتابه ، والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في مسائله . وفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة . وخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلامًا . وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام . خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه في مسائله . وقيس ، هو ابن الربيع . وروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام . وروي عنه أيضا قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه . وعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام . وممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان : إحداهما : إن أراد به التأفيف فهو كلام . والثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها . وكرهه ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير ، من غير إفساد الصلاة به . وهو قول مالك وأحمد - في رواية - وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة . وقال أحمد - مرة - : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم . فحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين ، قالوا : إن بان منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا . ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ، ولا عن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور . واستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان . ولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص . وقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك - يعني في الصَّلاة - فانفخ . وهذا يدل على إباحته للحاجة إليه . وروي - أيضا - مثله عن بعض الصحابة . وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه : فروى عنبسة بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي ، فنفخ في سجوده ، فقالَ : لا تنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم خرجه النسائي ، وهو مما تفرد به عنبسة هذا . وقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لا بأس به . لكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال : كان يخطئ . وخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : أفلح ، ترّب وجهك . وقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ضعفه بعض أهل العلم . وخرجه الإمام أحمد أيضا . وميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك . ولكنه توبع عليهِ : فخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة ، فذكر الحديث مرفوعا ، وفيه : ترب وجهك لله . وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة ، فذكر الحديث . كذا في هذه الرواية : أبو صالح مولى آل طلحة ، وجاء في رواية ، أنه : مولى أم سلمة . قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان . انتهى . وهو مع هذا غير مشهور . والحديث بهذا اللفظ يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب أفضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب . وفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح . وقد سبق في باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يجوز من البزاق والنفخ في الصلاة · ص 292 237 - حدثنا محمد ، قال : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا كان في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى . مطابقته للترجمة أكثر وضوحا من مطابقة الحديث السابق لها ؛ لأن فيه إباحة البزاق في الصلاة عن شماله تحت قدمه اليسرى ، وفي ذاك عن ابن عمر موقوفا ، وهذا الحديث أيضا قد مر في باب ليبصق عن يساره ، أو تحت قدمه اليسرى . رواه عن آدم ، عن شعبة ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إن المؤمن إذا كان في الصلاة فإنما يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن يساره ، أو تحت قدمه . ورواه أيضا عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رأى نخامة في القبلة ، فشق ذلك عليه . الحديث ، وقد مر الكلام في أحاديث أنس هناك مستوفي بجميع ما يتعلق بها ، ومحمد شيخ البخاري في هذا الحديث هو محمد بن بشار العبدي البصري ، وقد مر غير مرة ، وغندر ، بضم الغين المعجمة هو محمد بن جعفر البصري ، يكنى أبا عبد الله ، وقد مر غير مرة . قوله : ( إذا كان ) ، أي : المؤمن في الصلاة كما ورد في الحديث الآخر لأنس ، هكذا كما ذكرناه الآن ، قوله : ( فإنه ) ، أي : فإن المصلي لدلالة القرينة عليه .