108 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، قَالَ أَنَسٌ : إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ) هُوَ الْبَصْرِيُّ الْمُقْعَدُ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٌ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( حَدِيثًا ) الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْحَدِيثِ ، وَلِهَذَا وَصَفَهُ بِالْكَثْرَةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ ؛ لِأَنَّهُ فَاعِلُ يَمْنَعُنِي ، وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَسٌ مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَارِ ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِيهِ ، فَكَانَ التَّقْلِيلُ مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَسٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ ؛ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْكِتْمَانَ . وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ لَكَانَ أَضْعَافَ مَا حَدَّثَ بِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَتَّابٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - مَوْلَى هُرْمُزَ ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ : لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكَ بِأَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ ، فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ وَيَتْرُكُ مَا يَشُكُّ فِيهِ . وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِاللَّفْظِ ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : لَوْلَا أَنْ أُخْطِئَ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَنَسٍ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ صَرِيحًا ، وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاتِهِ ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ . قَوْلُهُ : ( كَذِبًا ) هُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 243 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم · ص 152 49 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز قال أنس : إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار . هذا هو الحديث الثالث مما فيه المطابقة للترجمة . بيان رجاله : وهم أربعة : الأول : أبو معمر بفتح الميمين عبد الله بن عمرو المشهور بالمقعد المنقري البصري ، وقد تقدم . الثاني : عبد الوارث بن سعيد التميمي البصري ، وقد تقدم . الثالث : عبد العزيز بن صهيب الأعمى البصري ، وقد مر . الرابع : أنس بن مالك رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أنه من الرباعيات . بيان من أخرجه غيره أخرجه مسلم ، عن زهير ، عن أبي علية ، عن عبد العزيز به . وأخرجه النسائي في العلم أيضا ، عن عمران بن موسى ، عن عبد العزيز عنه به . وقول الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين أن حديث أنس هذا مما انفرد به مسلم غير صواب . بيان الإعراب والمعاني قوله إنه أي الشأن ، قوله ليمنعني في محل الرفع على أنه خبر إن واللام فيه للتأكيد ، قوله أني أحدثكم كلمة أن بفتح الهمزة مع التخفيف وهي مع معمولها في محل النصب على أنها مفعول أول لقوله ليمنعني ؛ لأن منع يتعدى إلى مفعولين و أن مصدرية تقديره ليمنعني تحديثكم ، وقوله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذه المشددة مع اسمها وخبرها في محل الرفع على أنها فاعل ليمنعني ، قوله حديثا نصب على أنه مفعول مطلق ، والمراد به جنس الحديث ، ولهذا جاز وقوع الكثير صفة له لا حديث واحد وإلا يلزم اجتماع الوحدة والكثرة فيه ، قوله من تعمد إلخ مقول القول ، قوله كذبا عام في جميع أنواع الكذب ؛ لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي في إفادة العموم ، فإن قلت : ما المراد من قوله أحدثكم حديثا . قلت : حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه هو المراد في عرف الشرع عند الإطلاق ، وقوله قال من تعمد إلخ أيضا قرينة على هذا ، فإن قلت : الحديث لا يمنع كثرة الحديث الصادق بل يجب التبليغ والتكثير إذا كان صادقا ، فكيف جعله مانعا ؟ قلت : كثرة الحديث وإن كان صادقا ينجر إلى الكذب غالبا عادة ، ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه ، فالتعليل للاحتراز عن الانجرار إليه ولو كان وقوعه على سبيل الندرة .