2 - بَاب إِذَا صَلَّى خَمْسًا 1226 - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ، فَقِيلَ لَهُ : أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : صَلَّيْتَ خَمْسًا ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا صَلَّى خَمْسًا ) قِيلَ : أَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ السَّهْوُ بِالنُّقْصَانِ أَوِ الزِّيَادَةِ ، فَفِي الْأَوَّلِ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ ، كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَفِي الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ بَعْدَهُ ، وَبِالتَّفْرِقَةِ هَكَذَا ، قَالَ مَالِكٌ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْخَبْرَيْنِ ، قَالَ : وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ ، لِأَنَّهُ فِي النَّقْصِ جَبْرٌ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْلِ الصَّلَاةِ ، وَفِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ فَيَكُونَ خَارِجَهَا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَا شَكَّ أَنَّ الْجَمْعَ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ وَادِّعَاءِ النَّسْخِ ، وَيَتَرَجَّحُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ بِالْمُنَاسَبَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَإِذَا كَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةً ، وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عِلَّةً ، فَيَعُمُّ الْحُكْمُ جَمِيعَ مَحَالِّهَا ، فَلَا تُخَصَّصُ إِلَّا بِنَصٍّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ كَوْنَ السُّجُودِ فِي الزِّيَادَةِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ ، بَلْ هُوَ جَبْرٌ أَيْضًا لِمَا وَقَعَ مِنَ الْخَلَلِ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُجُودَ السَّهْوِ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ فِي حَالَةِ الشَّكِّ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعيْدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَمْ يَرْجِعْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ إِلَى فَرْقٍ صَحِيحٍ . وَأَيْضًا فَقِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ وَقَعَ السُّجُودُ فِيهَا بَعْدَ السَّلَامِ ، وَهِيَ عَنْ نُقْصَانٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ : أَقْوَى الْمَذَاهِبِ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ ثُمَّ أَحْمَدَ ، فَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ : بَلْ طَرِيقُ أَحْمَدَ أَقْوَى ، لِأَنَّهُ قَالَ : يُسْتَعْمَلُ كُلُّ حَدِيثٍ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ ، قَالَ : وَلَوْلَا مَا رُوِيَ عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لَرَأَيْتُهُ كُلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ ، لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الصَّلَاةِ ، فَيَفْعَلُهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَقَالَ إِسْحَاقُ مِثْلَهُ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ ، فَحَرَّرَ مَذْهَبَهُ مِنْ قَوْلَيْ أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَهُوَ أَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا يَظْهَرُ . وَأَمَّا دَاوُدُ فَجَرَى عَلَى ظَاهِرِيَّتِهِ ، فَقَالَ : لَا يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ إِلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَطْ . وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ سُجُودُ السَّهْوِ كُلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ ، وَاعْتَمَدَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ حِينَ سَأَلُوهُ : هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَعَذُّرِهِ قَبْلَهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالسَّهْوِ ، وَإِنَّمَا تَابَعَهُ الصَّحَابَةُ لِتَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ ، لِأَنَّهُ كَانَ زَمَانَ تَوَقُّعِ النَّسْخِ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَهِيَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُهُ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ . وَبِهِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيَّةُ . وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى حَالَتَيْنِ . وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ طَرِيقَةَ التَّخْيِيرِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ . وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْجَوَازِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ . وَكَذَا أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ فِي النِّهَايَةِ الْخِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ عَنِ الْمَذْهَبِ ، وَاسْتَبْعَدَ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ ، وَكَذَا نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ الْخِلَافَ فِي مَذْهَبِهِمْ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . فَيُجْمَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، وَالْخِلَافَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْقُدُورِيُّ : لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ ، رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ قَبْلَ وَقْتِهِ ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُقْنِعِ مَنْ تَرَكَ سُجُودَ السَّهْوِ الَّذِي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إِنْ تَعَمَّدَ ، وَإِلَّا فَيَتَدَارَكُهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ قَبْلَ هَذِهِ الْآرَاءِ فِي الْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَةِ . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : لَا حُجَّةَ لِلْعِرَاقِيِّينَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوهُ ، فَقَالُوا : إِنْ جَلَسَ الْمُصَلِّي فِي الرَّابِعَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ أَضَافَ إِلَى الْخَامِسَةِ سَادِسَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ، وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ . وَلَمْ يُنْقَلْ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إِضَافَةٌ سَادِسَةٌ وَلَا إِعَادَةٌ ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا عِنْدَهُمْ . قَالَ : وَيَحْرُمُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يُخَالِفَ السُّنَّةَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَكَمِ ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) ؛ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ . قَوْلُهُ : ( صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا ) كَذَا جَزَمَ بِهِ الْحَكَمُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَتَمُّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ ، وَفِيهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا أَدْرِي : زَادَ أَوْ نَقَصَ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لَهُ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ النَّخَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِلَفْظِ : فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ قَالَ : لَا . فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُؤَالَهُمْ لِذَلِكَ كَانَ بَعْدَ اسْتِفْسَارِهِ لَهُمْ عَنْ مُسَارَرَتِهِمْ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَظِيمِ أَدَبِهِمْ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوْلُهُمْ : هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ . يُفَسِّرُ الرِّوَايَةَ الْمَاضِيَةَ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ بِلَفْظِ : هَلْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : رَوَى الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا ، وَلَفْظُهُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْكَلَامِ قَوْلَهُ : وَمَا ذَاكَ فِي جَوَابِ قَوْلِهِمْ : أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ ؟ فَهَذَا نَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ قَوْلَهُ : إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ . فَقَدِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَهَا فِيهِ ، فَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلُ ، وَرِوَايَةُ مَنْصُورٍ أَرْجَحُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ ) يَأْتِي فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَيْضًا بِلَفْظِ : فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ . وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ : وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ . وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا ، وَهِيَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ : فَأَيُّكُمْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ فَلْيَنْظُرْ أَحْرَى ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ . وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ مَنْصُورٍ : فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ . وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ مَنْصُورٍ : فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يَرَى أَنَّهُ الصَّوَابُ . زَادَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ : فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ . وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالتَّحَرِّي ، فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : هُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ لَا عَلَى الْأَغْلَبِ ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الذِّمَّةِ بِيَقِينٍ فَلَا تَسْقُطُ إِلَّا بِيَقِينٍ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : التَّحَرِّي فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يُفَسِّرُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ ، يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ : وَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ . وَرَوَى سُفْيَانُ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَخَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ . انْتَهَى . وَفِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ نَحْوَهُ ، وَلَفْظُهُ : قَوْلُهُ فَلْيَتَحَرَّ ؛ أَيْ فِي الَّذِي يَظُنُّ أَنَّهُ نَقَصَهُ فَلْيُتِمَّهُ ، فَيَكُونُ التَّحَرِّي أَنْ يُعِيدَ مَا شَكَّ فِيهِ ، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ، وَهُوَ كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، إِلَّا أَنَّ الْأَلْفَاظَ تَخْتَلِفُ . وَقِيلَ : التَّحَرِّي الْأَخْذُ بِغَالِبِ الظَّنِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ : الْبِنَاءُ غَيْرُ التَّحَرِّي ، فَالْبِنَاءُ أَنْ يَشُكَّ فِي الثَّلَاثِ أَوِ الْأَرْبَعِ مَثَلًا ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُلْغِيَ الشَّكَّ ، وَالتَّحَرِّي أَنْ يَشُكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَدْرِي مَا صَلَّى ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْأَغْلَبِ عِنْدَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : التَّحَرِّي لِمَنِ اعْتَرَاهُ الشَّكُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى ، فَيَبْنِي عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ : التَّحَرِّي يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فَهُوَ الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ، وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ دَائِمًا . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى كَالشَّافِعِيَّةِ ، وَأُخْرَى كَالْحَنَفِيَّةِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ طَرَأَ الشَّكُّ أَوَّلًا اسْتَأْنَفَ ، وَإِنْ كَثُرَ بَنَى عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ ، وَإِلَّا فَعَلَى الْيَقِينِ . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْجُمْهُورَ مَعَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَنَّ التَّحَرِّي هُوَ الْقَصْدُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ، وَحَكَى الْأَثْرَمُ ، عَنْ أَحْمَدَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا غِرَارَ فِي صَلَاةٍ . قَالَ : أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهَا إِلَّا عَلَى يَقِينٍ ، فَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الشَّافِعِيِّ . وَأُبْعِدُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ التَّحَرِّي فِي الْخَبَرِ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ لِتَفَرُّدِ مَنْصُورٍ بِذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ دُونَ رُفْقَتِهِ ، لِأَنَّ الْإِدْرَاجَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى خَمْسًا سَاهِيًا وَلَمْ يَجْلِسْ فِي الرَّابِعَةِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَفْسُدُ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ ، وَقَوْلُهُمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ ، بَلِ السِّيَاقُ يُرْشِدُ إِلَى خِلَافِهِ ، وَعَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ السَّهْوِ لَا تُبْطِلُهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَثُرَتْ ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الزِّيَادَةَ بِمَا يَزِيدُ عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِسَهْوِهِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَفُوتُ مَحَلَّهُ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِتَعْقِيبِ إِعْلَامِهِمْ لِذَلِكَ بِالْفَاءِ ، وَتَعْقِيبِهِ السُّجُودَ أَيْضًا بِالْفَاءِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى . وَعَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ فِيمَا يُصْلِحُ بِهِ الصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُهَا ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَأَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقِبْلَةِ سَاهِيًا لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ إِقْبَالُ الْإِمَامِ عَلَى الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ . وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَنَّ عُزُوبَ النِّيَّةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ الْقِبْلَةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا صَلَّى خَمْسًا · ص 113 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا صلى خمسا · ص 447 2 – باب إذا صلى خمسا 1226 - حدثنا أبو الوليد ، نا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر خمسة ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعدما سلم . وقد خرجه البخاري في أبواب استقبال القبلة - فيما مضى - من رواية منصور ، عن إبراهيم بهذا الإسناد ، بسياق مطول ، وفي حديثه قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص . وذكر في الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد سجدتين ، ثم سلم . وزاد في آخر الحديث : وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب ، فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين . وخرجه مسلم من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، به ، ولفظه : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فزاد أو نقص - قال إبراهيم : الوهم مني - ، فقيل : يا رسول الله : أزيد في الصلاة شيء ؟ قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ، ثم تحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسجد سجدتين . وقد اتفقت الروايات عن إبراهيم في هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر بسهوه لم يزد على أن سجد سجدتين . وهذا يدل على أنه كان سهوه بزيادة لا بنقص ، فإنه لو كان سهوه بنقص لأتى بما نقص من صلاته ثم سجد ، فلما اقتصر على سجدتي السهو دل على أن صلاته كانت قد تمت ، وأن السهو كان في الزيادة فيها . ولكن رواه أبو بكر الحنفي ، عن مسعر ، عن منصور ، وقال في حديثه : ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتم صلاته ، وسجد سجدتين بعدما سلم . وذكر إتمامه صلاته زيادة غير محفوظة ، لم يقلها غير أبي بكر الحنفي ، وهو ثقة يتفرد بغرائب ، ولم يتابع على هذه الزيادة . وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سويد النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهر خمسا ، فلما انفتل توشوش القوم بينهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، هل زيد في الصلاة ؟ قال : لا ، قالوا ، فإنك قد صليت خمسا ، فانفتل ، ثم سجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أنسى كما تنسون . خرجه مسلم . وفي رواية له - أيضا - بهذا الإسناد ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين . وخرجه مسلم - أيضا - من طريق أبي بكر النهشلي ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه ، عن عبد الله ، قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسا ، فقلنا : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا ، قال : إنما أنا بشر مثلكم ، أذكر كما تذكرون ، وأنسى كما تنسون ، ثم سجد سجدتي السهو . وإلى هذا الحديث ذهب جمهور أهل العلم ، وأنه إذا صلى رباعية خمسا أو أكثر من ذلك ، أو المغرب أربعا أو أكثر ، أو الفجر ثلاثا أو أكثر ، ثم ذكر بعد سلامه أنه يسجد سجدتي السهو ، وتجزئه صلاته . وروي ذلك عن علقمة والحسن وعطاء والزهري والنخعي ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وفقهاء أهل الحديث جملة . وقالت طائفة : إن لم يكن قعد بعد الركعة الأخيرة من صلاته قدر التشهد فسدت صلاته ، وعليه الإعادة ، وإن كان قعد عقيب انقضاء صلاته قدر التشهد أجزأه ، وهو قول جماعة من الكوفيين ، منهم : حماد وأبو حنيفة والثوري . وقالوا : إذا لم يذكر حتى سجد في الخامسة ، ولم يكن قعد عقيب الرابعة تحولت صلاته نفلا ، وشفعها بسادسة . ولو لم يشفعها جاز عند أبي حنيفة وأصحابه إلا عند زفر ؛ فإنه لا بد أن يشفعها ؛ لأنه بتلبسه بالخامسة لزمه إتمام ما شرع فيه من النفل . وإن كان جلس عقيب الرابعة ، ثم ذكر بعد تمام الخامسة ضم إليها ركعة أخرى ، وكانت الركعتان نافلة . واختلف الحنفية : هل تجزئانه من سنة الصلاة بعدها ، أو لا ؟ واستدل الجمهور بحديث ابن مسعود ، وقد روي عنه أنه عمل بمقتضاه ، وكذلك عمل به علقمة راويه عنه ، وهما أعلم بمدلول ما روياه . والظاهر : أنه لم يكن قعد عقيب الرابعة ؛ لأنه قام إلى الخامسة معتقدا أنه قام عن ثالثة ، ولأن هذا زيادة في الصلاة من جنسها سهوا ، فلا تبطل به الصلاة ، كما لو ذكر قبل أن يسجد في الخامسة ، فإن هذا قد وافقوا عليه ، وأن صلاته لا تبطل بذلك ، وأنه يرجع فيتشهد ويسلم ، وتجزئه صلاته ، ولا فرق في هذا بين صلاة وصلاة . وحكي عن قتادة والأوزاعي : أن من صلى المغرب أربعا ، ثم ذكر ، أنه يأتي بخامسة ، يقطعها على وتر . وروى جابر الجعفي ، عن الشعبي وسالم والقاسم وعطاء - في رجل صلى المغرب أربعا - قالوا : يعيد . قال أحمد : إنما يرويه جابر . يعني : أنه تفرد به ، وهو ضعيف مشهور . وذهب بعض المالكية إلى أن من زاد في صلاته مثل نصفها سهوا ، أن صلاته تبطل ، ورد ابن عبد البر ردا بليغا . وروى زياد بن عبيد الله الزيادي ، عن حميد ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر ست ركعات . وروى ابن وهب في مسنده ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر سبع ركعات ، وعليه حلة حرير ، أهداها له أكيدر دومة ، فلما انصرف نزعها ، وقال : إني نظرت إليها ، فألهتني عن صلاتي . وهذا مرسل . وفي الحديث دليل على أنه يسجد للسهو إذا لم يذكره إلا بعد السلام ، وإن كان قد تكلم بينهما ، وبهذا قال علقمة وعطاء والثوري والشافعي وإسحاق وأحمد . لأن السجود مرسل هنا ، منقول بعد السلام ، فلا يمنع الكلام فعله ، كالتكبير في أيام التشريق ، هكذا علله بعض أصحابنا . ويقتضي ذلك : أنه لا يمنع السجود فيه إن تكلم بعد ذكره عمدا . وفي بعض روايات حديث ابن مسعود ما يدل على ذلك ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - تكلم بعد تذكيرهم له بزيادته ، ثم سجد . وقال أبو حنيفة : متى تكلم لم يسجد ؛ لأن الكلام ينافي الصلاة . واختلفوا : هل يعتبر أن لا يطول الفصل بين السلام من الصلاة والسجود ، أم لا ؟ وفيه قولان : أحدهما : يعتبر ذلك ، فإن طال الفصل امتنع السجود ؛ لأن سجود السهو تكملة للصلاة ، فلا يبنى عليها مع طول الفصل ، كسائر أفعال الصلاة ، وهذا قول الشافعي - في أصح قوليه ، وهو الجديد منهما - وأحمد في إحدى الروايتين . واعتبر - أيضا - ألا يكون خرج من المسجد ، وعليه أكثر أصحابه . ومنهم من لم يعتبره ، وهو قول الشافعي وأصحابه ، وهو رواية أخرى عن أحمد ، ومذهب الثوري وغيره من العلماء . والثاني : لا يعتبر قرب الفصل ، بل يسجد وإن طال الفصل ، وهو قول الضحاك ويحيى بن سعيد والثوري ومكحول والأوزاعي والحسن بن حي والشافعي - في قوله الآخر - وأحمد - في الرواية الأخرى - . لأنه جبران ، يفعل بعد التحلل من العبادة ، فيجوز فعله بعد طول الزمان كجبران الحج . وقال مالك : إن كان السجود بعد السلام جاز فعله إذا ذكره وإن طال الزمان ، وإن كان قبل السلام لم يفعله إلا مع قرب الفصل ، فإن تباعد أعاد الصلاة ؛ لأنه جزء من الصلاة . وروى ابن وهب ، عن مالك ، أنه يفعله مطلقا ، وإن طال الزمان ، ما لم ينتقض وضوؤه . وعن ابن شبرمة والحكم : يسجد ما لم يخرج من المسجد ، فإن خرج أعاد الصلاة . وقال أبو حنيفة : يسجد ما لم يخرج من المسجد أو يتكلم . وقال عطاء : يسجدهما ما لم يتم ، ولو اتكأ ، ثم ذكر ، جلس فسجد ، وإن قام فليصل ركعتين ، ولا يسجد للسهو . وقال الليث بن سعد : يسجد ما لم ينتقض وضوؤه . وعن الحسن وابن سيرين : يسجد ما لم يصرف وجهه عن قبلته ، فإن صرفه لم يسجد . وحديث ابن مسعود صريح في رد هذا ، وقد سبق القول فيه في أبواب استقبال القبلة . وللشافعية وجه : أنه لا يسجد مع قرب الفصل - أيضا - ؛ لفوات محله ، وهو قبل السلام عندهم . قال بعضهم : وهذا غلط ؛ لمخالفته للسنة . قالوا : وهل يكون هذا السجود عائدا إلى حكم الصلاة ؟ فيه وجهان . ولهما فوائد : منها : لو تعمد الكلام في هذا السجود والحديث ، فإن قيل : إنه عائد إلى الصلاة بطلت صلاته ، وعلى الآخر لا تبطل . ومنها : إن قيل : عائد إلى الصلاة ، لم يكبر الافتتاح ، ولم يتشهد ، بل يسلم بعد السجود ، وعلى الآخر يكبر للافتتاح ، وفي تشهده وجهان ، أصحهما : لا يتشهد ؛ لأنه لم يصح فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء . قالوا : ويسلم على الصحيح ، سواء تشهد أو لا ؛ للأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه - صلى الله عليه وسلم - سجد ثم سلم . ومذهب الثوري إذا أحدث في سجدتي السهو لم تبطل صلاته ، وليست بمنزلة الصلاة . واستدل طائفة بهذا الحديث على من زاد في صلاته سهوا ، فإنه يسجد لذلك بعد السلام ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بعد السلام ، وهذا قول مالك وأبي ثور ورواية عن أحمد . وحكي عن أحمد : أن زيادة عدد الركعات خاصة يسجد لها بعد السلام مطلقا ، وهو الذي حكاه الترمذي في جامعه عن أحمد ، وحكى القاضي أبو يعلى في ذلك روايتين ، لو ذكر قبل السلام ، أنه يسلم ثم يسجد بعد السلام . وقد ذهب إليه بعض أهل الحديث . والذي عليه جمهور العلماء : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما سجد في حديث ابن مسعود بعد سلامه ؛ لأنه لم يشعر بسهوه إلا بعد السلام من صلاته ، فكان سجوده بعد السلام ؛ فإنه إنما سلم ظانا أن صلاته لا زيادة فيها ، وإنما علم بالزيادة فيها بعد ذلك . وقد صرح الإمام أحمد بهذا المعنى في رواية حرب ، وغيره . وسيأتي القول في محل سجود السهو فيما بعد إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا صلى خمسا · ص 305 باب إذا صلى خمسا أي : هذا باب يذكر فيه إذا صلى المصلي الرباعية خمس ركعات ، وأشار بهذا إلى التفرقة بين ما إذا كان السهو بالنقصان ، وبين ما إذا كان بالزيادة ، ففي الباب الأول كان السجود قبل السلام ، وفي هذا بعد السلام ، وإلى التفرقة ذهب مالك كما ذكرناه . 249 - حدثنا أبو الوليد ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله رضي الله عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا ، فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فقال : وما ذاك ؟ قال : صليت خمسا ، فسجد سجدتين بعد ما سلم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومضى هذا الحديث بعينه في باب ما جاء في القبلة ، فإنه أخرجه هناك ، عن مسدد ، عن يحيى ، عن شعبة ، عن الحكم إلى آخره ، وهنا عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك ، عن شعبة بن الحجاج ، عن الحكم - بفتحتين - ابن عتيبة ، عن إبراهيم بن يزيد النخعي ، عن علقمة بن قيس ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، والتفاوت بينهما يسير سندا ومتنا ، فاعتبر ذلك بالنظر ، وأخرجه أيضا في باب التوجه نحو القبلة بأطول منه ، عن عثمان ، عن جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : قال عبد الله صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إلى آخره . وقد ذكرنا هناك أن حديث عثمان أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وحديث أبي الوليد أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، فلفظ مسلم : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا ، فلما سلم قيل : أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا فسجد سجدتين . وفي لفظ له صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسا ، فقلنا : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت خمسا . قال : إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون ، وأنسى كما تنسون ، ثم سجد سجدتي السهو . وفي لفظ له : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزاد - أو : نقص ، قال إبراهيم : والوهم مني - فقيل : يا رسول الله ، أزيد في الصلاة شيء ؟ فقال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس ، ثم تحول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسجد سجدتين ، وفي لفظ له ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام . وفي لفظ له : قال : صلينا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإما زاد - أو نقص ، قال إبراهيم : وايم الله ما جاء ذاك إلا من قبلي - قال : قلنا : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : لا . قال : قلنا له الذي صنع ، فقال : إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين ، قال : ثم سجد سجدتين ، وفي لفظ أبي داود : قال : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظهر خمسا . والباقي نحو لفظ البخاري ، وفي لفظ له : قال عبد الله : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال إبراهيم : فلا أدري أزاد أم نقص - فلما سلم قيل : يا رسول الله ، أحدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قالوا : صليت كذا وكذا . قال : فثنى رجليه ، واستقبل القبلة ، فسجد بهم سجدتين ، ثم سلم ، فلما انفتل أقبل علينا بوجهه ، فقال : إنه لو أحدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم ليسجد سجدتين . وفي لفظ له : فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين ، ثم تحول فسجد سجدتين . وفي لفظ له : قال عبد الله : صلى بنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمسا ، فلما انفتل توشوش القوم بينهم ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، هل زيد في الصلاة ؟ قال : لا . قالوا : فإنك قد صليت خمسا ، فانفتل فسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم قال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، ولفظ الترمذي : أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى الظهر خمسا فقيل له : أزيد في الصلاة ؟ فسجد سجدتين بعدما سلم . وفي لفظ له : سجد سجدتين بعد الكلام . ولفظ النسائي : قال عبد الله : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فزاد أو نقص ، فقيل : يا رسول الله ، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال : لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكموه ، ولكني إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فأيكم ما شك في صلاته فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ويسجد سجدتين . وفي لفظ له : صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فزاد فيها أو نقص ، فلما سلم قلنا : يا نبي الله ، هل حدث في الصلاة شيء ؟ قال : وما ذاك ؟ قال : فذكرنا له الذي فعل ، فثنى رجله فاستقبل القبلة فسجد سجدتي السهو ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكم به ، ثم قال : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فأيكم أنسي في صلاته شيئا فليتحر الذي يرى أنه هو صواب ، ثم يسلم ، ثم يسجد سجدتي السهو . وفي لفظ له : إذا أوهم أحدكم في صلاته فليتحر أقرب ذلك من الصواب ، ثم ليتم عليه ، ثم يسجد سجدتين . ولفظ ابن ماجه : قال عبد الله صلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلاة لا ندري أزاد أو نقص ، فسأل فحدثاه فثنى رجله ، واستقبل الصلاة ، وسجد سجدتين ، ثم سلم ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : لو حدث في الصلاة شيء لأنبأتكموه ، وإنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ، وأيكم ما شك في الصلاة فليتحر أقرب ذلك من الصواب فيتم عليه ، ويسجد سجدتين . وقد استقصينا الكلام في هذا في باب التوجه نحو القبلة . ( ذكر معناه ) قوله : ( صلى الظهر خمسا ) ، أي : خمس ركعات ، فهنا جزم بأن الذي صلى كان خمسا ، وقد مر في باب التوجه إلى القبلة في رواية منصور ، عن إبراهيم ، وفيه قال إبراهيم : لا أدري زاد أو نقص . قوله : ( قيل له ) ، أي : لرسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( أزيد ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار . قوله : وما ذاك ؟ أي : وما سؤالكم عن الزيادة في الصلاة ؟ قوله : ( فسجد سجدتين ) ، أي : للسهو . قوله : ( بعد ما سلم ) ، كلمة ما مصدرية ، أي : بعد سلام الصلاة . ( ذكر ما يستفاد منه ) هذا الحديث حجة لأبي حنيفة ، وأصحابه أن سجدتي السهو بعد السلام وإن كانت للزيادة . وقال بعضهم : وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام حين سألوه : هل زيد في الصلاة ؟ وقد اتفق العلماء في هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام لتعذره قبله لعدم علمه بالسهو ، ورد بأنه وقع في حديث ابن مسعود هذا في لفظ مسلم في الزيادة أنه أمر بالإتمام والسلام ، ثم بسجدتي السهو ، وهو قوله : ( إذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ، ثم ليسلم ، ثم يسجد سجدتين ) والشك بالسهو غير العلم به ، وعورض بأنه معارض بحديث أبي سعيد عند مسلم ، ولفظه : إذا شك أحدكم في صلاته ، فلم يدر كم صلى فليطرح الشك ، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، وأجيب بأن التعارض إذا كان بين القولين يصار إلى جانب الفعل لسلامته عن المعارض ، وإذا كان بين القول والفعل يصار إلى جانب القول لقوته ، أو يقال : كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز والتوسع في الأمرين . وقال ابن خزيمة : لا حجة للعراقيين في حديث ابن مسعود ؛ لأنهم خالفوه فقالوا : إن جلس المصلي في الرابعة مقدار التشهد يضاف إلى الخامسة سادسة ، ثم سلم ، وسجد للسهو ، وإن لم يجلس في الرابعة لم تصح صلاته ، ولم ينقل في حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة ، ولا بد من أحدهما عندهم ، ويحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها . ( قلت ) : لا نسلم أنهم خالفوه ، فلو وقف هذا المعترض على مدارك هذه الصورة لما قال ذلك . المدرك الأول أن القعدة الأخيرة فرض عندهم ، فلو ترك شخص فرضا من فروض الصلاة تبطل صلاته . المدرك الثاني : أنه حين قام إلى السادسة بعد القعود صار شارعا في صلاة أخرى بناء على التحريمة الأولى ؛ لأنها شرط عندهم وليس بركن . المدرك الثالث أن الصلاة بركعة واحدة منهية عندهم كما ثبت ذلك في موضعه ، فإذا كان كذلك ، فبالضرورة من إضافة ركعة أخرى إليها ليخرج عن البتيراء . المدرك الرابع : أن التسليم في آخر الصلاة غير فرض عندهم فبتركه لا تبطل صلاته ، فإذا وقف أحد على هذه المدارك لا يصدر منه هذا الاعتراض ، ويحرم عليه أن ينسب أحدا إلى مخالفة السنة بعد العلم بها ، وقال النووي : في قوله : أزيد في الصلاة ، دليل لمذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والجمهور من السلف والخلف ، أن من زاد في صلاته ركعة ناسيا لم تبطل صلاته ، بل إن علم بعد السلام فقد مضت صلاته صحيحة ، ويسجد للسهو ويسلم ، وقال أبو حنيفة : إذا زاد ركعة ساهيا بطلت صلاته ، ولزمه إعادتها ، وقال أيضا : إن كان تشهد في الرابعة ، ثم زاد خامسة أضاف إليها سادسة تشفعها ، وإن لم يكن تشهد بطلت صلاته . وهذا الحديث يرد عليه ، وهو حجة للجمهور . ( قلت ) : لا نسلم صحة النقل عن أبي حنيفة ببطلان صلاته إذا زاد ركعة سادسة ساهيا ، والظاهر من حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قعد على الرابعة ؛ لأن حمل فعله على الصواب أحسن من حمله على غيره ، وهو اللائق بحاله على أن المذكور فيه صلى الظهر خمسا ، والظهر اسم للصلاة المعهودة في وقتها بجميع أركانها . ( فإن قلت ) : لم يرجع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الخامسة ، ولم يشفعها ؟ ( قلت ) : لا يضرنا ذلك ؛ لأنا لا نلزمه ، بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب حتى قال صاحب الهداية ، ولو لم يضم لا شيء عليه ؛ لأنه مظنون ، وقال صاحب البدائع : والأولى أن يضيف إليها ركعة أخرى ليصيرا نفلا إلا في العصر .