9 - بَاب الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ . قَالَهُ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1234 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ الصَّلَاةُ ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ ؟ قَالَ : نَعَمْ إِنْ شِئْتَ . فَأَقَامَ بِلَالٌ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ الْتَفَتَ ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ : سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا الْتَفَتَ ، يَا أَبَا بَكْرٍ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قوله : ( باب الإشارة في الصلاة ) قال ابن رشيد : هذه الترجمة أعم من كونها مرتبة على استدعاء ذلك أو غير مرتبة ، بخلاف الترجمة التي قبلها ، فإن الإشارة فيها لزمت من الكلام واستماعه فهي مرتبة . ( قاله كريب عن أم سلمة ) يشير إلى حديث الباب الذي قبله ، ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي البَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ، وَفِيهِ إِرَادَةُ أَبِي بَكْرٍ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ فِيهِ : فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ . فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ لَكِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ ، وَحَرَكَةُ الْيَدِ بِالتَّصْفِيقِ كَحَرَكَتِهَا بِالْإِشَارَةِ ، وَأَخَذَهُ مِنْ جِهَةِ الِالْتِفَاتِ وَالْإِصْغَاءِ إِلَى كَلَامِ الْغَيْرِ ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْإِشَارَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ فَلَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ ، لِأَنَّ إِشَارَتَهُ صَدَرَتْ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ سَهْلٍ مُسْتَوْفًى فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : قَامَ فِي الصَّفِّ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ ، لِعُدُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَدَلُّ مِنَ الْإِشَارَةِ ، وَلِمَا يُفْهِمُهُ السِّيَاقُ مِنْ طُولِ مُقَامِهِ فِي الصَّفِّ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ الْإِشَارَةُ الْمَذْكُورَةُ ، وَلِأَنَّهُ دَخَلَ بِنِيَّةِ الِائْتِمَامِ بِأَبِي بَكْرٍ ، وَلِأَنَّ السُّنَّةَ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ وَجَدَهُ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاة · ص 128 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مَنْ دَخَلَ ليَؤُمَّ النَّاسَ فَجَاءَ الإمَامُ الأَوَّلُ فَتَأَخَّرَ الآخَرُ أَوْ لَمْ يَتَأَخَّرْ جَازَتْ صَلاَتُهُ · ص 127 684 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف : أنا مَالِك ، عَن أَبِي حَازِم بْن دينار ، عَن سَهْل بْن سعد الساعدي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عَمْرِو بْن عوف ليصلح بينهم ، فحانت الصلاة ، فجاء المؤذن إلى أَبِي بَكْر ، فَقَالَ : أتصلي للناس فأقيم ، قَالَ : نَعَمْ ، فصلى أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم والناس فِي الصلاة ، فتخلص حَتَّى وقف فِي الصف ، فصفق النَّاس ، وكان أبو بَكْر لا يلتفت فِي صلاته ، فلما أكثر النَّاس التصفيق التفت ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك ، فرفع أبو بَكْر يديه ، فحمد الله عَلَى مَا أمره بِهِ رسول الله من ذَلِكَ ، ثُمَّ استأخر أبو بَكْر حَتَّى استوى فِي الصف ، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ، فلما انصرف قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، مَا منعك أن تثبت إذ أمرتك ؟ ) فَقَالَ أبو بَكْر : مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مَا لِي أراكم أكثرتم التصفيق ؟ من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ؛ فإنه إذا سبح التفت إليه ، وإنما التصفيق للنساء ) . فِي هَذَا الحَدِيْث فوائد كثيرة : مِنْهَا : أن الإمام يستحب لَهُ الإصلاح بَيْن طائفتين من المُسْلِمِين إذا وقع بينهم تشاجر ، وله أن يذهب إليهم إلى منازلهم لذلك . ومنها : أن الإمام الراتب للمسجد إذا تأخر وعلم أَنَّهُ غائب عَن منزله فِي مكان فِيهِ بعد ، ولم يغلب عَلَى الظن حضوره ، أو غلب ولكنه لا ينكر ذَلِكَ ولا يكرهه ، فلأهل المسجد أن يصلوا قَبْلَ حضوره فِي أول الوقت ، وكذا إذا ضاق الوقت . وأما إن كَانَ حاضراً أو قريباً ، وكان الوقت متسعاً ، فإنه ينتظر ، كما انتظروا النبي صلى الله عليه وسلم لما أخر صلاة العشاء حَتَّى نام النِّسَاء والصبيان ، وقد سبق ذكره . ومنها : أَنَّهُ إنما يؤم النَّاس مَعَ غيبة الإمام أفضل من يوجد من الحاضرين ، ولذلك دعي أبو بَكْر إلى الصلاة دون غيره من الصَّحَابَة . وهذا مِمَّا يستدل بِهِ عَلَى أن الصَّحَابَة كلهم كانوا معترفين بفضل أَبِي بَكْر وتقدمه عليهم ، وعلمهم أَنَّهُ لا يقوم مقام النبي صلى الله عليه وسلم مَعَ غيبته غيره . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فِي هَذَا اليوم أَبَا بَكْر أن يؤم النَّاس إذا لَمْ يحضر . فخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي هَذَا الحَدِيْث من طريق حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل بْن سعد ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا بلال ، إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أَبَا بَكْر يصلي بالناس ) . وخرجه الحَاكِم من طريق عُمَر المقدمي ، عَن أَبِي حَازِم ، وفي حديثه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يَا أَبَا بَكْر ، إن أقيمت الصلاة فتقدم فصل بالناس ) ، قَالَ : نَعَمْ . وعلى هذه الرواية ، فإنما تقدم أبو بَكْر بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لَهُ فِي ذَلِكَ . وفيه : دليل عَلَى أن أَبَا بَكْر كَانَ أحق النَّاس بالإمامة فِي حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم عِنْدَ تخلفه عَن الصلاة بالناس فِي صحته ومرضه . وهذا يشكل عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : إنه إنما أمره فِي مرضه بالصلاة ؛ لأنه أراد استخلافه عَلَى الأمة ، فإن أمره بالصلاة فِي غيبته يدل عَلَى أَنَّهُ أحق النَّاس بالإمامة ، وأنه أقرأ الصَّحَابَة ؛ فإنه يقرأ مَا يقرأون ، ويزيد عليهم باختصاصه بمزيد الفهم والفضل ، وما اختص بِهِ من الخشوع فِي الصلاة وعدم الالتفات فيها ، وكثرة البكاء عِنْدَ قراءة القرآن . ومنها : أن شق الداخل فِي الصلاة الصفوف طولاً حَتَّى يقوم فِي الصف الأول ليس بمكروه ، ولعله كَانَ فِي الصف الأول فرجة ، وقد سبق ذكر هذه المسألة فِي ( أبواب : المرور بَيْن يدي المصلي ) . وقد قيل : إنَّ ذَلِكَ يختص جوازه بمن تليق به الصلاة بالصف الأول لفضله وعلمه ، وَهُوَ الَّذِي ذكره ابن عَبْد البر . والمنصوص عَن أحمد : كراهته . قَالَ الأثرم : قُلتُ لأبي عَبْد الله : يشق الصفوف إذا قاموا إلى الصلاة عَلَى نحو حَدِيْث المسور بْن مخرمة ، كأنه لَمْ يعجبه ، ثُمَّ قَالَ : اللهم إلا أن يضيق الموضع بالناس ، وتؤذيهم الشمس ، فإذا أقيمت شق الصفوف ودخل ، ليس بِهِ التخطي ، إنما بِهِ مَا أذاه الشمس . ومنها : أن الالتفات فِي الصلاة لحاجة عرضت غير مكروه ، وإنما يكره لغير حاجةٍ . ومنها : أن الالتفات وكثرة التصفيق لحاجة غير مبطل للصلاة ، وكذلك التأخر والمشي من صف إلى صف . ومنها : أن رفع اليدين فِي الصلاة ، وحمد الله تعالى عِنْدَ نعمة تجددت غير مبطل للصلاة . وقد اختلف فِي ذَلِكَ : فَقَالَ عُبَيْدِ الله بْن الْحَسَن العنبري : هُوَ حسن . وَقَالَ الأوزاعي : يمضي فِي صلاته . وَقَالَ عَطَاء : مَا جرى عَلَى لسان الرَّجُلُ فِي الصلاة مَا لَهُ أصل فِي القرآن فليس بكلام . وَقَالَ إِسْحَاق : إن تعمده فهو كلام ، يعيد الصلاة ، وإن سبق مِنْهُ من غير تعمد فليس عَلِيهِ إعادة . وَقَالَ - مرة - : إن تعمد فأحب إلي أن يعيد ، فلا يتبين لِي ، نقله عَنْهُ حرب . وعن أحمد ، أَنَّهُ يعيد الصلاة بذلك ، وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى أَنَّهُ لا تعاد الصلاة مِنْهُ ، وقد سبق ذَلِكَ مستوفى فِي ( بَاب : مَا يَقُول إذا سَمِعَ المؤذن ) . ومنها : أن أمر الإكرام لا تكون مخالفته معصية ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، ولم يكن ذَلِكَ عَلِيهِ . وهذا مِمَّا استدل بِهِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر لَمْ يؤم النبي صلى الله عليه وسلم قط ، لا فِي صحته ولا فِي مرضه . ومنها - وَهُوَ الَّذِي قصده البخاري بتبويبه هاهنا - : أن من أحرم بالصلاة إماماً فِي مسجد لَهُ إمام راتب ، ثُمَّ حضر إمامه الراتب ، فهل لَهُ أن يؤخر الَّذِي أحرم بالناس إماماً ويصير مأموماً ويصير الإمام الإمام الراتب ، أم لا بل ذَلِكَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه إمام النَّاس عَلَى كل حال ، وقد نهى الله عَن التقدم بَيْن يديه ، ولهذا قَالَ أبو بَكْر : ( مَا كَانَ لابن أَبِي قحافة أن يصلي بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ؟ فِي ذَلِكَ قولان : أحدهما : أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ ، بل هُوَ من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، وحكاه ابن عَبْد البر إجماعاً من العلماء ، وحكاه بعض أصحابنا عَن أكثر العلماء . والثاني : أَنَّهُ يجوز ذَلِكَ ، وتبويب البخاري يدل عَلِيهِ ، وَهُوَ قَوْلِ الشَّافِعِيّ ، وأحد الوجهين لأصحابنا ، وقول ابن الْقَاسِم من المالكية . واستدل بهذا الحَدِيْث عَلَى أن الإمام إذا سبقه الحدث جاز لَهُ أن يستخلف بعض المأمومين ؛ لأنه إذا جازت الصلاة بإمامين مَعَ إمكان إتمامها بالإمام الأول فمع عدم إمكان ذَلِكَ لبطلان صلاة الأول أولى . وفي الحَدِيْث - أَيْضاً - : أن الرَّجُلُ إذا نابه شيء فِي صلاته ، فإنه يسبح ، ولو صفق لَمْ تبطل صلاته ، ولكنه يكون مكروهاً . وأما قوله : ( إنما التصفيح للنساء ) ، فاختلفوا فِي معناه : فحمله مَالِك وأصحابه عَلَى أن المراد : أن التصفيح من أفعال النِّسَاء ، فيكون إخباراً عَن عيبه وذمه ، وأنه لا ينبغي أن يفعله أحد فِي الصلاة ، رجلاً كَانَ أو امرأةً . وحملوا قوله : ( من نابه شيء فِي صلاته فليسبح ) عَلَى أَنَّهُ عام ، يدخل فِي عمومه الرجال والنساء ، إخبار مِنْهُ بمشروعيته للنساء فِي الصلاة . وقد رَوَى هَذَا الحَدِيْث حماد بْن زيد ، عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل ، وَقَالَ فِي حديثه : ( إذا نابكم شيء فِي الصلاة فليسبح الرجال ، وليصفح النِّسَاء ) . خرجه النسائي وغيره . وهذا صريح فِي ذَلِكَ ، سيأتي الكلام عَلَى ذَلِكَ مستوفى فِي موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى - ؛ فإن البخاري خرج التسبيح للرجال والتصفيق للنساء من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ وسهل بْن سعد ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي معنى حَدِيْث سَهْل من حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بسياق غريب . خرجه الترمذي فِي كِتَاب ( العلل ) : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصباح ، ثنا شبابة ، عَن المغيرة بْن مُسْلِم ، عَن مُحَمَّد بْن عَمْرِو ، عَن أَبِي سَلَمَة ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي حاجة ، فأقام بلال الصلاة ، فتقدم أبو بَكْر ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر فِي الصلاة ، فأرادوا أن يردوا وصفقوا ، فمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه ، فلما انفتل قَالَ : ( التسبيح للرجال ، والتصفيق للنساء ) . وَقَالَ : سألت عَنْهُ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل - يعني : البخاري - فَلَمْ يعرفه ، وجعل يستحسنه ، وَقَالَ : المشهور عَن أَبِي حَازِم ، عَن سَهْل . انتهى . وهذا يخالف مَا فِي حَدِيْث سَهْل ، من أن أَبَا بَكْر تأخر وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فصلى بالناس ، والصحيح : حَدِيْث سَهْل . والله سبحانه وتعالى أعلم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإشارة في الصلاة · ص 526 9 - باب الإشارة في الصلاة قاله كريب ، عن أم سلمة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . حديث كريب ، عن أم سلمة ، هو الذي خرجه في الباب الذي قبله .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الإشارة في الصلاة · ص 526 ثم خرج في هذا الباب ثلاثة أحاديث : الأول : 1234 - حدثنا قتيبة ، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه ، أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء ، فخرج يصلح بينهم ، في أناس معه ... . فذكر الحديث بطوله . وقد تقدم قريبًا بنحو سياقه ، عن قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل . فالحديث رواه قتيبة ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، وعن يعقوب بن عبد الرحمن ، كلاهما عن أبي حازم ، عن سهل . والمقصود من هذا الحديث : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يشق الصفوف ، حتى قام في الصف ، فالتفت أبو بكر فرآه ، فأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، يأمره أن يصلي ، فاستدل البخاري بإشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بكر على جواز الإشارة في الصلاة . وليس في الحديث تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عند إشارته إلى أبي بكر في الصلاة ، بل كان قائما في الصف ، فيحتمل أنه كان كبر للصلاة ، ويحتمل أنه لم يكن كبر . ولا يقال : لو لم يكن كبر لأمره بالقول دون الإشارة ؛ لأن حديث أنس في كشف النبي - صلى الله عليه وسلم - الستارة يوم الاثنين ، والناس خلف أبي بكر في صلاة الفجر ، فيهِ : أنه صلى الله عليه وسلم أشار إليهم أن أتموا ، ثُمَّ أرخى الستر ، ولم يكن حينئذ في صلاة . وكذلك في حديث عائشة ، في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لما صلّى أبو بكر ، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين ، فأشار إلى أبي بكر أن صلّ ، وتأخر أبو بكر ، وقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جنبه . وقد خرج البخاري ذلك كله في أبواب الإمامة . ولعل المعنى في ذلك : أن الإشارة إلى المصلي بما يفعله في صلاته أقل لشغل باله من خطابه بالقول ، لما يحتاج إلى تفهم القول بقلبه ، والإصغاء إليه بسمعه ، والإشارة إليه يراها ببصره ، وما يراه ببصره قد يكون أقل إشغالا له مما يسمعه بأذنه . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الإشارة في الصلاة · ص 317 باب الإشارة في الصلاة أي : هذا باب في بيان حكم الإشارة في الصلاة ، والفرق بين البابين أن في الباب الأول كانت الإشارة بمقتض لهم ، وهذا الباب أعم من ذلك ، وقد مر البحث في الإشارة فيما مضى . قاله كريب عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي قال : ما ذكر من الإشارة كريب عن أم سلمة في حديث الباب السابق . 258 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلح بينهم في أناس معه ، فحبس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وحانت الصلاة ، فجاء بلال إلى أبي بكر رضي الله عنه ، فقال : يا أبا بكر ، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد حبس ، وقد حانت الصلاة ، فهل لك أن تؤم الناس ؟ قال : نعم ، إن شئت فأقام بلال ، وتقدم أبو بكر رضي الله عنه ، فكبر للناس ، وجاء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يمشي في الصفوف حتى قام في الصف ، فأخذ الناس في التصفيق ، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في صلاته ، فلما أكثر الناس التفت ، فإذا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأشار إليه رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يأمره أن يصلي ، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه ، فحمد الله ، ورجع القهقرى وراءه حتى قام في الصف ، فتقدم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فصلى للناس ، فلما فرغ أقبل على الناس ، فقال : يا أيها الناس ، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق ، إنما التصفيق للنساء ، من نابه شيء في صلاته فليقل : سبحان الله ، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت يا أبا بكر ، ما منعك أن تصلي للناس حين أشرت إليك ، فقال أبو بكر رضي الله عنه : ما كان ينبغي لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ( فأخذ الناس في التصفيق ) ؛ لأن التصفيق يكون باليد ، وحركتها به كحركتها بالإشارة ، ويمكن أن تؤخذ من قوله : ( التفت ) ، أي : أبو بكر ؛ لأن الالتفات في معنى الإشارة . ( فإن قلت ) : قد أنكر صلى الله تعالى عليه وسلم عليهم في التصفيق ، فكيف تؤخذ منه إباحة الإشارة ؟ ( قلت ) : لا يضر ذلك لإباحة الإشارة ، ألا ترى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يأمرهم بإعادة الصلاة بسبب ذلك . ( فإن قلت ) : لم لا يؤخذ ، وجه الترجمة من قوله : ( حين أشرت إليك ) قلت : لا يطابق هذا ؛ لأن هذه الإشارة وقعت منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم بالصلاة ، والكلام في الإشارة الواقعة في الصلاة ، ثم إن هذا الحديث قد مضى في باب من دخل ليؤم الناس ، أخرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن أبي حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد ، وفي باب رفع الأيدي في الصلاة لأمر نزل به ، وقد تكلمنا فيه بما فيه الكفاية ، وقال الخطابي : فيه أن الصحابة بادروا إلى إقامة الصلاة في أول وقتها ، ولم ينكر صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عدم انتظارهم . ( قلت ) : لا يفهم من لفظ الحديث مبادرتهم ، وإنما كانت المبادرة من بلال لا لأجل أن الأفضل أداؤها في أول الأوقات ، وإنما بادر ؛ لأن الجماعة قد حضروا ، وربما كانوا يتضررون بالتأخير ، والانتظار إلى مجيء رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما لهم من الأمور الشاغلة .