117 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ، قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا ، فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ نَامَ ، ثُمَّ قَامَ ، ثُمَّ قَالَ : نَامَ الْغُلَيِّمُ - أَوْ : كَلِمَةً تُشْبِهُهَا - ثُمَّ قَامَ ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ : خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا الْحَكَمُ ) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ تَصْغِيرُ عُتْبَةَ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ جَاءَ ) أَيْ : مِنَ الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ : ( نَامَ الْغُلَيِّمُ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ مِنْ تَصْغِيرِ الشَّفَقَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِخْبَارًا مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَوْمِهِ ، أَوِ اسْتِفْهَامًا بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْوَاقِعُ . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ : يَا أُمَّ الْغُلَيِّمِ بِالنِّدَاءِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، لَمْ تَثْبُتْ بِهِ رِوَايَةٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْ كَلِمَةٌ ) بِالشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ الْجُمْلَةُ أَوِ الْمُفْرَدَةُ ، فَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى نَامَ الْغُلَامُ . قَوْلُهُ : ( غَطِيطَهُ ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ صَوْتُ نَفَسِ النَّائِمِ ، وَالنَّخِيرُ أَقْوَى مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( أَوْ خَطِيطَهُ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالشَّكُّ فِيهِ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ ، قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَمْ أَجِدْهُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَتَبِعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ : هُوَ هُنَا وَهْمٌ ، انْتَهَى . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ عَنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ أَنَّهُ دُونَ الْغَطِيطِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) أَيْ : رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ . وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : إِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْخَمْسِ وَلَمْ يَقُلْ : سَبْعَ رَكَعَاتٍ ؛ لِأَنَّ الْخَمْسَ اقْتَدَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ فِيهَا بِخِلَافِ الرَّكْعَتَيْنِ ، أَوْ لِأَنَّ الْخَمْسَ بِسَلَامٍ وَالرَّكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ آخَرَ . انْتَهَى ، وَكَأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ ، لَكِنَّ حَمْلَهُمَا عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ أَوْلَى لِيَحْصُلَ الْخَتْمُ بِالْوَتْرِ ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الْوَتْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ؛ لِقَوْلِهِ فِيهِ : قَامَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : صَلَّى الْعِشَاءَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ وَمَنْ تَبِعَهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ أَصْلَ السَّمَرِ يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ : نَامَ الْغُلَيِّمُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ ارْتِقَابَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَحْوَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّعْلِيمِ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّعْلِيمِ مِنَ الْفِعْلِ ، فَقَدْ سَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَيْلَتَهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، زَادَ الْكِرْمَانِيُّ أَوْ مَا يُفْهَمُ مِنْ جَعْلِهِ إِيَّاهُ عَلَى يَمِينِهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : قِفْ عَنْ يَمِينِي . فَقَالَ : وَقَفْتُ ا هـ . وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُعْتَرَضٌ ; لِأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُسَمَّى سَامِرًا ، وَصَنِيعُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُسَمَّى سَهَرًا لَا سَمَرًا ؛ إِذِ السَّمَرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ تَحَدُّثٍ ، قَالَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . وَأَبْعَدُهَا الْأَخِيرُ لِأَنَّ مَا يَقَعُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ مِنَ النَّوْمِ لَا يُسَمَّى سَمَرًا . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ أَيْضًا : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْأَقَارِبَ إِذَا اجْتَمَعُوا لَا بُدَّ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ حَدِيثٌ لِلْمُؤَانَسَةِ ، وَحَدِيثُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهُ عِلْمٌ وَفَوَائِدُ . قُلْتُ : وَالْأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ مُنَاسَبَةَ التَّرْجَمَةِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ لَفْظٍ آخَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَهَذَا يَصْنَعُهُ الْمُصَنِّفُ كَثِيرًا ؛ يُرِيدُ بِهِ تَنْبِيهَ النَّاظِرِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الِاعْتِنَاءِ بِتَتَبُّعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَالنَّظَرِ فِي مَوَاقِعِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ ; لِأَنَّ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ بِالْحَدِيثِ أَوْلَى مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ بِالظَّنِّ . وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ هُنَا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَدُلُّ صَرِيحًا عَلَى حَقِيقَةِ السَّمَرِ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بِتُّ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ . . الْحَدِيثَ . فَصَحَّتِ التَّرْجَمَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَعَسُّفٍ وَلَا رَجْمٍ بِالظَّنِّ . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ لَا فِي الْعِلْمِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ ، وَالْجَامِعُ تَحْصِيلُ الْفَائِدَةِ ، أَوْ هُوَ بِدَلِيلِ الْفَحْوَى ; لِأَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي الْمُبَاحِ فَفِي الْمُسْتَحَبِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى . وَسَنَذْكُرُ بَاقِيَ مَبَاحِثِ هَذَا الْحَدِيثِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْوِتْرِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَهُمْ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ . وَلِأَنَسٍ حَدِيثٌ آخَرُ فِي قِصَّةِ أُسَيْدِ ابْنِ حَضِيرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَنَاقِبِ ، وَحَدِيثُ عُمَرَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمُرُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْأَمْرِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ ، إِلَّا أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ اخْتِلَافًا عَلَى عَلْقَمَةَ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى شَرْطِهِ . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحَدِّثُنَا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يُصْبِحَ لَا يَقُومُ إِلَّا إِلَى عَظِيمِ صَلَاةٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَسَّانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَلَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ ، وَأَمَّا حَدِيثُ لَا سَمَرَ إِلَّا لِمُصَلٍّ أَوْ مُسَافِرٍ فَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ فِيهِ رَاوٍ مَجْهُولٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَالسَّمَرُ فِي الْعِلْمِ يُلْحَقُ بِالسَّمَرِ فِي الصَّلَاةِ نَافِلَةً ، وَقَدْ سَمَرَ عُمَرُ مَعَ أَبِي مُوسَى فِي مُذَاكَرَةِ الْفِقْهِ فَقَالَ أَبُو مُوسَى : الصَّلَاةُ فَقَالَ عُمَرُ : إِنَّا فِي صَلَاةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ · ص 256 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ بحذائهِ سواءً إذا كَاناَ اثْنَيْنِ · ص 191 57 - باب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ بحذائهِ سواءً إذا كَاناَ اثْنَيْنِ مراده بهذا التبويب : أَنَّهُ إذا اجتمع فِي الصلاة إمام ومأموم فإن المأموم يقوم عَن يمين الإمام بحذائه سواء ، أي : مساوياً لَهُ فِي الموقف ، من غير تقدم ولا تأخر . 697 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بن حرب ، ثنا شعبة ، عَن الحكم ، قَالَ : سَمِعْت سَعِيد بن جبير ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : بت فِي بيت خالتي ميمونة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء ، ثُمَّ جَاءَ فصلى أربع ركعات ، ثُمَّ نام ، ثُمَّ قام ، فجئت فقمت عَن يساره ، فجعلني عَن يمينه ، فصلى خمس ركعات ، ثُمَّ صلى ركعتين ، ثُمَّ نام حَتَّى سَمِعْت غطيطه - أو قَالَ : خطيطه - ثُمَّ خرج إلى الصلاة . ( الغطيط ) : صوت تردد النفس ، ومنه : غطيط البكر ، و ( الخطيط ) : نحوه ، والغين والخاء متقاربا المخرج . والمقصود من هَذَا الحَدِيْث فِي هَذَا الباب : أن الإمام إذا لَمْ يأتم بِهِ غير واحد ، فإنه يقيمه عَن يمينه بحذائه ، ولو كَانَ صبياً لَمْ يبلغ الحلم . وهذا كالإجماع من أهل العلم . وقد حكاه الترمذي فِي ( جامعه ) عَن أهل العلم من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم ، قالوا : إذا كَانَ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلُ يقوم عَن يمين الإمام . وحكاه ابن المنذر عَن أكثر أهل العلم ، وسمى منهم : عُمَر بن الخَطَّاب وابن عُمَر وجابر بن زيد وعروة ومالك وسفيان والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ، قَالَ : وبه نقول . قُلتُ : وَهُوَ - أَيْضاً - قَوْلِ الشَّعْبِيّ وأحمد وإسحاق . قَالَ ابن المنذر : وفيه قولان آخران : أحدهما عَن سَعِيد بن المُسَيِّب ، أَنَّهُ قَالَ : يقيمه عَن يساره . قُلتُ : وروي - أَيْضاً - عَن النخعي ، أَنَّهُ يقوم من خلفه مَا بينه وبين أن يركع ، فإن جَاءَ أحد وإلا قام عَن يمينه . انتهى . وروى أبو نعيم : ثنا سُفْيَان ، عَن الْحَسَن بن عُبَيْدِ الله ، عَن إِبْرَاهِيْم ، قَالَ : كُنْتُ أقوم خلف علقمة حَتَّى ينزل المؤذن قائماً ، كَانَ يقوم خلفه إذا علم أَنَّهُ يلحق غيره قريباً . وروى وكيع فِي ( كتابه ) عَن الْحَسَن ، قَالَ : إذا صلى الرَّجُلُ ومعه رَجُل واحد ونساء ؛ أقام الرَّجُلُ خلفه وأقام النِّسَاء خلف الرَّجُلُ . وقد روي فِي حَدِيْث ابن عَبَّاس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عَن يساره ، وروي أَنَّهُ قام خلفه ، وكلاهما لا يصح . أما الأول : فمن رِوَايَة كثير بن زيد ، عَن يزيد بن أَبِي زياد ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس ، فذكر الحَدِيْث ، وفيه : قَالَ : فقمت عَن يمينه ، فأخذني فجعلني عَن يساره . قَالَ مُسْلِم فِي كِتَاب ( التمييز ) : هَذَا غلط غير محفوظ ؛ لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات عَلَى خلاف ذَلِكَ ، أن ابن عَبَّاس إنما قام عَلَى يسار النبي صلى الله عليه وسلم فحوله حَتَّى أقامه عَن يمينه . ثُمَّ خرجه من طرق متعددة ، عَن كريب ، عَن ابن عَبَّاس كذلك ، ومن طريق سَعِيد بن جبير وعطاء وأبي نضرة والشعبي وطاوس وعكرمة ، كلهم عَن ابن عَبَّاس كذلك . وأما الثاني : فخرجه أبو نعيم فِي ( الحلية ) من رِوَايَة أَبِي يزيد الخراز ، ثنا النضر بن شميل ، ثنا يونس ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، حَدَّثَنِي عَبْد المؤمن الأنصاري ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس ، كُنْتُ عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقام إلى سقاء فتوضأ وشرب قائماً ، فقمت فتوضأت وشربت قائماً ، ثُمَّ صففت خلفه ، فأشار إلي لأوازي بِهِ أقوم عَن يمينه ، فأبيت ، فلما قضى صلاته قَالَ : ( مَا منعك أن لا تكون وازيت بي ؟ ) قُلتُ : يَا رسول الله ، أنت أجل فِي عيني وأعز من أن أوازي بك ، فَقَالَ : ( اللهم ، آته الحكمة ) . إسناد مجهول ؛ فلا تعارض بِهِ الروايات الصحيحة الثابتة . وقد روي من وجه أصح من هَذَا ، أَنَّهُ وقف خلفه فقدمه إلى يمينه . خرجه أبو نعيم فِي ( كِتَاب الصلاة ) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن شريك ، ثنا عَكْرِمَة بن خَالِد ، قَالَ : قَالَ ابن عَبَّاس : بت عِنْدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي بيت ميمونة - وهي خالته - ، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل يصلي قمت خلفه ، فأهوى بيده فأخذ برأسي ، فأقامني عَن يمينه إلى جنبه . مُحَمَّد بن شريك هَذَا مكي ، وثقه الإمام أحمد . وقد دل حَدِيْث ابن عَبَّاس هَذَا عَلَى انعقاد الجماعة بالصبي فِي النفل ، وهذا متفق عَلِيهِ ، فأما فِي الفرض ففيه روايتان عَن أحمد ، والأكثرون عَلَى انعقاده بالصبي - أَيْضاً - ، وَهُوَ قَوْلِ أبي حنيفة والشافعي ؛ لأن الصبي يصح نفله ، والجماعة تنعقد بالمتنفل ، وإن كَانَ الإمام مفترضا ؛ بدليل قَوْلِ النبي صلى الله عليه وسلم : ( من يتصدق عَلَى هَذَا فيصلي مَعَهُ ؟ ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السمر في العلم · ص 177 58 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، قال : حدثنا الحكم ، قال : سمعت سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بت في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - عندها في ليلتها ، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء ، ثم جاء إلى منزله فصلى أربع ركعات ، ثم نام ، ثم قام ، ثم قال : نام الغليم أو كلمة تشبهها ، ثم قام فقمت عن يساره ، فجعلني عن يمينه ، فصلى خمس ركعات ثم صلى ركعتين ، ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه ، ثم خرج إلى الصلاة . مطابقة الحديث للترجمة في قوله نام الغليم قاله ابن المنير ، ويقال : ارتقاب ابن عباس رضي الله عنهما لأحوال النبي عليه الصلاة والسلام إذ لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل ، فقد سمر ابن عباس ليلته في طلب العلم ، وقال الكرماني : الذي فيه من الدلالة على الترجمة هو ما يفهم من جعله على يمينه كأنه عليه السلام قال لابن عباس : قف على يميني ، فقال : وقفت ، ويجعل الفعل بمنزلة القول أو أن الغالب أن الأقارب إذا اجتمعوا لا بد أن يجري بينهما حديث للمؤانسة . وحديث النبي عليه السلام كله فائدة وعلم ، ويبعد من مكارمه أن يدخل بيته بعد صلاة العشاء بأصحابه ويجد ابن عباس مبايتا له ولا يكلمه أصلا ، واعترض بعضهم على هذا كله ، فقال : كل ما ذكروه معترض ؛ لأن من يتكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرا ، وصنيع ابن عباس يسمى سهرا لا سمرا إذ السمر لا يكون إلا بتحدث وأبعدها الأخير ؛ لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمرا ، ثم قال : والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى ، وهذا يصنعه المصنف كثيرا يريد به تنبيه الناظر في كتابه على الاعتناء بتتبع طرق الحديث والنظر في مواقع ألفاظ الرواة ؛ لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن ، وإنما أراد البخاري هنا ما وقع في بعض طرق هذا الحديث مما يدل صريحا على حقيقة السمر بعد العشاء ، وهو ما أخرجه في التفسير وغيره من طريق كريب ، عن ابن عباس قال : بت في بيت ميمونة ، فتحدث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أهله ساعة ، ثم رقد ، فصحت الترجمة بحمد الله تعالى من غير حاجة إلى تعسف ولا رجم بالظن ، انتهى . قلت : اعتراض هذا المعترض كله معترض ، أما قوله لأن من يتكلم بكلمة واحدة لا يسمى سامرا فغير صحيح ؛ لأن حقيقة السمر التحدث بالليل ويطلق ذلك على التحدث بكلمة ، وقد بين ذلك ابن المنير بقوله : إن أصل السمر ثبت بهذه الكلمة ، وهي قوله : نام الغليم ، والذي قاله صحيح ؛ لأن أحدا لم يشترط أن لا يكون السمر إلا بكلمات متعددة ، وأهل اللغة قاطبة لم يقولوا إلا أن السمر هو التحدث بالليل ، وهو يطلق على القليل والكثير ، وأما قوله : وصنيع ابن عباس يسمى سهرا لا سمرا ، فنقول : إن السمر كما يطلق على القول يطلق على الفعل ، يقال : سمر القوم الخمر إذا شربوها ، قال القطامي : ومصرعين من الكلال وإنما سمروا الغبوق من الطلاء المعرق وسامر الإبل ما رعى منها بالليل ، يقال : إن إبلنا تسمر أي ترعى ليلا ، وأما قوله وأبعدها الأخير فهو أبعد اعتراضاته بل هو الأقرب ؛ لأن قوله : لأن ما يقع بعد الانتباه من النوم لا يسمى سمرا ، مخالف لما قاله أهل اللغة ، وبيان قرب الأخير الذي ادعى أنه أبعدها أن النبي عليه الصلاة والسلام كان وقت جعله ابن عباس عن يمينه في مقام التعليم له ، ولا شك أنه لم يكتف وقتئذ بمجرد الفعل بل علمه أيضا بالقول لزيادة البيان ، ولا سيما كان ابن عباس حينئذ صغيرا ، ولم يكن عالما بموقف المقتدي من الإمام ، وأما قوله : والأولى من هذا كله أن مناسبة الترجمة إلى آخره ، فكلام ليس له توجيه أصلا فضلا عن أن يكون أولى من غيره ؛ لأن من يعقد بابا بترجمة ويضع فيه حديثا ، وكان قد وضع هذا الحديث بعينه في باب آخر ، ولكن بطريق أخرى وألفاظ متغايرة ، هل يقال : مناسبة الترجمة في هذا الباب يستفاد من ذلك الحديث الموضوع في الباب الآخر ، فما أبعد هذا الكلام ! وأبعد من هذا البعيد أنه علل ما قال بقوله : لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن ، فسبحان الله ! هؤلاء ما فسروا الحديث هاهنا بل ذكروا مطابقة الحديث للترجمة بالتقارب ، وما ذكره هو الرجم بالظن . بيان رجاله : وهم خمسة ذكروا ما عدا الحكم بين عتيبة ، وهو بالحاء المهملة والكاف المفتوحتين ، وعتيبة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، وفي آخره هاء ابن النهاس واسمه عبد الكندي ، يقال : كنيته أبو عبد الله ، وقيل : أبو عمر الكوفي مولى عدي بن عدي الكندي ، ويقال : مولى امرأة من كندة ، قال يحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي وأبو حاتم : ثقة ، وكان فقيه الكوفة مع حماد ، روى عن ابن أبي أوفى وأبي جحيفة ، وعنه شعبة وغيره ، وكان عابدا قانتا ثقة صاحب سنة ، مات سنة أربع عشرة ، وقيل : خمس عشرة ومائة ، روى له الجماعة . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والسماع والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم أئمة أجلاء ، ومنها أن فيه رواية التابعي عن التابعي ، والحكم المذكور من التابعين الصغار . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هاهنا عن آدم ، وفي الصلاة أيضا عن سليمان بن حرب ، كلاهما عن شعبة عن الحكم ، عن سعيد بن جبير عنه به . وأخرجه أبو داود في الصلاة ، عن ابن المثنى ، عن ابن أبي عدي ، عن شعبة به ، وعن عثمان بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن محمد بن قيس الأسدي عنه به . وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن يزيد ، عن بهز بن أسد ، عن شعبة به . وأخرجه البخاري أيضا في مواضع في كتابه ، عن كريب وعطاء بن أبي رباح وأبي جمرة وطاوس وغيرهم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما . بيان اللغات والإعراب قوله بت بكسر الباء الموحدة وتشديد التاء المثناة من فوق من البيتوتة أصله بيتت بفتح الباء والياء ، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار باتت ، فالتقى ساكنان فحذفت الألف ، فصار بتت فأدغمت التاء في التاء ثم أبدلت كسرة من فتحة الباء ليدل على الياء المحذوفة ، فصار بت على وزن قلت ، وهذه جملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول . قوله ميمونة عطف بيان من قوله خالتي . قوله بنت الحارث مجرور ؛ لأنه صفة ميمونة ، وهو مجرور ، ولكنه غير منصرف للعلمية والتأنيث . قوله زوج النبي عليه الصلاة والسلام مجرور أيضا ؛ لأنه صفة بعد صفة . قوله وكان النبي عليه الصلاة والسلام الواو فيه للحال ، وقوله عندها خبر كان . قوله فصلى النبي عليه الصلاة والسلام الفاء فيه هي الفاء التي تدخل بين المجمل والمفصل ؛ لأن التفصيل إنما هو عقيب الإجمال ؛ لأن صلاة النبي عليه الصلاة والسلام ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند ميمونة ، ولم يكونا بعد الكون عندها . قوله العشاء بالنصب ، وفيه حذف المضاف تقديره صلاة العشاء ، قوله فصلى أربع ركعات الفاء فيه للتعقيب ثم عطف عليه بقوله ثم نام بكلمة ثم ليدل على أن نومه لم يكن عقيب الصلاة على الفور . قوله أو كلمة منصوب بفعل محذوف أي أو قال كلمة ، فإن قلت : مقول القول يجب أن يكون كلاما لا كلمة . قلت : قد تطلق الكلمة على الكلام مجازا نحو كلمة الشهادة ، قوله فقمت عطف على قوله ثم قام ، قوله عن يساره بفتح الياء وكسرها ، وقال ابن عربي : ليس في كلام العرب كلمة أولها ياء مكسورة ، وفي العباب : قال ابن دريد : اليد اليسار ضد اليمين بفتح الياء وكسرها ، قال : وزعموا أن الكسر أفصح ، قال : وقال بعض أهل اللغة : اليسار بكسر الياء شبهوها بالشمال ؛ إذ ليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا يسار . وقال ابن عباد : اليسار بالتشديد لغة في اليسار . قوله حتى سمعت حتى هاهنا للغاية تقديره إلى أن سمعت ، قوله غطيطه بفتح الغين المعجمة وكسر الطاء على وزن فعيل هو صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله . وفي العباب : غطيط النائم والمخنوق نخيرهما . قلت : هذا يرد تفسير بعضهم الغطيط نفس النائم والنخير أقوى منه ، فإنه جعل النخير غير الغطيط ، وصاحب العباب جعله عينه : إذا قالت حذام فصدقوها وأيضا فإن الغطيط لا بد فيه من الصوت ، وما فسره به بعضهم ليس فيه صوت ؛ لأن مجرد النفس لا صوت فيه . قوله أو خطيطه بفتح المعجمة وكسر الطاء ، وقال الداودي : هو بمعنى الغطيط ، وقال ابن بطال : لم أجده بالخاء المعجمة عند أهل اللغة وتبعه القاضي عياض ، فقال : هو هنا وهم . قلت : الصواب مع الداودي ، فإن صاحب العباب قال : وخط في نومه خطيطا أي غط . وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام : أنه أوتر بسبع أو تسع ثم اضطجع حتى سمع خطيطه ويروى غطيطه ، ويروى فخيخه ، ويروى ضفيزه ، ويروى صفيره ، ومعنى الخمسة واحد ، وهو نخير النائم . قلت : الضفيز بالضاد والزاي المعجمتين وبالفاء ، والصفير بالصاد والراء المهملتين ، والفخيخ بالفاء والخاءين المعجمتين . بيان المعاني قوله في ليلتها أي المختصة بها بحسب قسم النبي عليه الصلاة والسلام بين الأزواج ، قوله ثم جاء أي من المسجد إلى منزله في تلك الليلة المراد به بيت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين ، تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سنة ست أو سبع من الهجرة ، وتوفيت سنة إحدى وخمسين ، وقيل : سنة ست وستين بسرف في المكان الذي تزوجها فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو بفتح السين وكسر الراء المهملتين وبالفاء ، وصلى عليها عبد الله بن عباس ، قيل : إنها آخر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ لم يتزوج بعدها ، وهي أخت لبابة بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى بنت الحارث زوجة العباس وأم أولاده عبد الله والفضل وغيرهما ، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله تعالى عنها ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يزورها وهي لبابة الكبرى وأختها لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد رضي الله عنه . قوله نام الغليم يحتمل الإخبار لميمونة ويحتمل الاستفهام عن ميمونة ، وحذف الهمزة بقرينة المقام وهذا أظهر ، و الغليم بضم الغين وفتح اللام وتشديد الياء تصغير غلام من باب تصغير الشفقة ، نحو : يا بني ، وأراد به عبد الله بن عباس ، وروي : يا أم الغليم بالنداء ، والأول هو الصواب ، ولم تثبت بالثاني الرواية . قوله أو كلمة شك من الراوي ، وقال الكرماني : شك من ابن عباس . قلت : لا يلزم التعيين ؛ لأنه يحتمل أن يكون من أحد ممن دونه أي أو قال كلمة تشبه قوله نام الغليم ، والثانية باعتبار الكلمة أو باعتبار كونها جملة . وفي رواية : نام الغلام ، قوله فصلى أربع ركعات الجملة في هذه الطريق أنه صلى إحدى عشرة ركعة أربعا ثم خمسا ثم ركعتين ، وجاء في موضع من البخاري : فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة ، وجاء في باب قراءة القرآن أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر ، فإن فيه : فصلى ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم ركعتين ، ثم أوتر ، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن ، فقام فصلى ركعتين ، ثم خرج فصلى الصبح . وهذا هو الأكثر في الروايات ، ويجمع بينهما بأن من روى إحدى عشرة أسقط الأوليين وركعتي الفجر ، ومن أثبت الأوليين عدها ثلاث عشرة ، وقد وقع هذا الاختلاف في صحيح مسلم من حديث واصل وغيره ، وأجاب القاضي في الجمع بمثله ، وقد استدرك الدارقطني حديث وأصلي على مسلم لكثرة اختلافه ، وقال الداودي : أكثر الروايات أنه لم يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة ركعة ، فيحتمل أن نوم ابن عباس رضي الله عنهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - كان وقوعا ، فذكر ذلك بعض من سمعه . قلت : المشهور أنها كانت واقعة واحدة ، قوله ثم صلى ركعتين قال الكرماني : فإن قلت : ما فائدة الفصل بينه وبين الخمس ؟ ولم ما جمع بينهما بأن يقال : فصلى سبع ركعات ؟ قلت : إما لأنه صلى الله عليه وسلم صلى الخمس بسلام والركعتين بسلام ، وأن الخمس باقتداء ابن عباس به والركعتين بعد اقتدائه . وقال بعضهم : أغرب الكرماني في هذا ، وكأنه ظن أن الركعتين من جملة صلاة الليل وهو محتمل ، لكن حملها على سنة الفجر أولى ليحصل الختم بالوتر . قلت : قط ما ظن هو أن الركعتين من صلاة الليل غاية ما في الباب ، وقع السؤال عن تفصيل ابن عباس في أخباره حيث لم يجمل ، وجوابه عن وجه ذلك ولئن سلمنا أنه ظن أن الركعتين من صلاة الليل ، ففيه أيضا الختم بالوتر حاصل . قوله ثم خرج إلى الصلاة هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نومه مضجعا لا ينقض الوضوء ؛ لأن عينيه تنامان ولا ينام قلبه ، فلو خرج حدث لأحس به بخلاف غيره من الناس . وفي بعض الروايات في الصحيح : ثم اضطجع فنام حتى نفخ فخرج فصلى الصبح ، ولم يتوضأ . قال الكرماني : ويحتمل أن يكون فيه محذوف ، أي ثم توضأ ثم خرج . قلت : قوله في الصحيح : ولم يتوضأ . يرد هذا الاحتمال . بيان استنباط الأحكام وهو على وجوه : الأول : فيه من فضل ابن عباس وحذقه على صغر سنه ؛ حيث أرصد النبي - صلى الله عليه وسلم - طول ليلته ، وقيل : إن العباس أوصاه بمراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلع على عمله بالليل . الثاني : قال محيي السنة : فيه جواز الجماعة في النافلة . الثالث : فيه جواز العمل اليسير في الصلاة . الرابع : فيه جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة . الخامس : فيه جواز بيتوتة الأطفال عند المحارم وإن كانت عند زوجها . السادس : فيه الإشعار بقسمه صلى الله عليه وسلم بين زوجاته . السابع : فيه جواز التصغير على وجه الشفقة والذكر بالصفة ؛ حيث لم يقل : نام عبد الله . الثامن : فيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام ، فإذا وقف عن يساره يحوله إلى يمينه . التاسع : فيه أن صلاة الصبي صحيحة . العاشر : فيه أن صلاة الليل إحدى عشرة ركعة . قال الكرماني : قلت : ينبغي أن يكون تسع ركعات ، فإن الركعتين الأخيرتين سنة الصبح ، والست منها نافلة ، وختمها بالوتر ثلاث ركعات . الحادي عشر : فيه جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزا ، وجاء في بعض الروايات أنها كانت حائضا ، ولم يكن ابن عباس ليطلب المبيت في ليلة فيها حاجة إلى أهله ، ولا يرسله أبوه العباس . الثاني عشر : فيه أن نومه صلى الله عليه وسلم مضطجعا غير ناقض للوضوء ؛ لأن قلبه لا ينام بخلاف عينيه ، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما أخرجه البخاري في حديث الإسراء ، وأما نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعت الشمس فلا ينافي هذا ؛ لأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب ، وأبعد من قال : إنه كان في وقت ينام قلبه فصادف ذلك . الثالث عشر : فيه جواز الرواية عند الشك في كلمة بشرط التنبيه عليه .