119 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ ، قَالَ : ابْسُطْ رِدَاءَكَ ، فَبَسَطْتُهُ ، قَالَ : فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : ضُمَّهُ ، فَضَمَمْتُهُ ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا . أَوْ قَالَ : غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ) هُوَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ صَاحِبُ مَالِكٍ ، وَسَقَطَ قَوْلُهُ أَبُو مُصْعَبٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرُ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ أَيْضًا وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ . قَوْلُهُ : ( كَثِيرًا ) هُوَ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ حَدِيثًا ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ . قَوْلُهُ : ( فَغَرَفَ ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَغْرُوفَ مِنْهُ وَكَأَنَّهَا كَانَتْ إِشَارَةً مَحْضَةً . قَوْلُهُ : ( ضُمَّ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَالْبَاقِينَ ضُمَّهُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا ، وَقِيلَ : يَتَعَيَّنُ لِأَجْلِ ضَمَّةِ الْهَاءِ ، وَيَجُوزُ كَسْرُهَا لَكِنْ مَعَ إِسْكَانِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ ) هُوَ مَقْطُوعُ الْإِضَافَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ ، وَتَنْكِيرُ شَيْئًا بَعْدَ النَّفْيِ ظَاهِرُ الْعُمُومِ فِي عَدَمِ النِّسْيَانِ مِنْهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي : فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَمَا نَسِيتُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ شَيْئًا حَدَّثَنِي بِهِ . وَهَذَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عَدَمِ النِّسْيَانِ بِالْحَدِيثِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتَهُ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ النِّسْيَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ فَقَطْ ; لَكِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ يُونُسَ وَمَنْ وَافَقَهُ لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ نَبَّهَ بِهِ عَلَى كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ مِنَ الْحَدِيثِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَحْدَهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ وَقَعَتْ لَهُ قَضِيَّتَانِ : فَالَّتِي رَوَاهَا الزُّهْرِيُّ مُخْتَصَّةٌ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، وَالْقَضِيَّةُ الَّتِي رَوَاهَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَامَّةٌ . وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ : تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ ، فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي . فَقَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي تَخْصِيصِ عَدَمِ النِّسْيَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ لَكِنَّ سَنَدَ هَذَا ضَعِيفٌ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَهُوَ نَادِرٌ . وَيَلْتَحِقُ بِهِ حَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ لَا عَدْوَى فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْكَرَهُ . قَالَ : فَمَا رَأَيْتُهُ نَسِيَ شَيْئًا غَيْرَهُ . ( فَائِدَةٌ ) : الْمَقَالَةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ أُبْهِمَتْ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ ، وَقَدْ وَجَدْتُهَا مُصَرَّحًا بِهَا فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي الْحِلْيَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْمَعُ كَلِمَةً أَوْ كَلِمَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ فَيَتَعَلَّمُهُنَّ وَيُعَلِّمُهُنَّ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعْجِزَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِنْسَانِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنْهُ ثُمَّ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : كُنْتُ أَنَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَآخَرُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : ادْعُوَا . فَدَعَوْتُ أَنَا وَصَاحِبِي وَأَمَّنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ دَعَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِثْلَ مَا سَأَلَكَ صَاحِبَايَ ، وَأَسْأَلُكَ عِلْمًا لَا يُنْسَى . فَأَمَّنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا : وَنَحْنُ كَذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : سَبَقَكُمَا الْغُلَامُ الدَّوْسِيُّ . وَفِيهِ : الْحَثُّ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ ، وَفِيهِ أَنَّ التَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا أَمْكَنُ لِحِفْظِهِ . وَفِيهِ فَضِيلَةُ التَّكَسُّبِ لِمَنْ لَهُ عِيَالٌ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءِ بِمَا فِيهِ مِنْ فَضِيلَةٍ إِذَا اضْطُرَّ إِلَى ذَلِكَ وَأَمِنَ مِنَ الْإِعْجَابِ . قَوْلُهُ : ( ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا ) أَشْكَلَ قَوْلُهُ بِهَذَا عَلَى بَعْضِ الشَّارِحِينَ ؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ ، وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ ، فَيَكُونُ مُرَادُهُ أَنَّ السِّيَاقَيْنِ مُتَّحِدَانِ إِلَّا فِي اللَّفْظَةِ الْمُبَيَّنَةِ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ; لِأَنَّ ابْنَ أَبِي فُدَيْكٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ لَيْثِيٌّ يُكَنَّى أَبَا إِسْمَاعِيلَ . وَابْنُ دِينَارٍ جُهَنِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، لَكِنِ اشْتَرَكَا فِي الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِغَيْرِهِ ، وَفِي كَوْنِهِمَا مَدَنِيَّيْنِ ، وَجَوَّزَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بِإِسْنَادٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَفْلَةٌ عَمَّا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَقَدْ سَاقَهُ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَالْمَتْنُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : بِيَدَيْهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا بِالْإِفْرَادِ ، وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا : فَغَرَفَ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ فَحَذَفَ بَدَلَ فَغَرَفَ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ لِمَا وَضَحَ فِي سِيَاقِهِ فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، فَقَالَ : فَغَرَفَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حِفْظِ الْعِلْمِ · ص 259 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حفظ العلم · ص 182 60 - حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت شيئا بعده . مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام ، والحديث الماضي بطريق المطابقة ، وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة ، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع محفوظه ، ودلالته على الترجمة بالمطابقة . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : أحمد بن أبي بكر ، واسم أبي بكر القاسم ، وقيل : زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي ، قاضي المدينة وعالمها ، وهو أحد من حمل الموطأ ، عن مالك ، روى عنه الستة لكن النسائي بواسطة . وأخرج له مسلم حديث أبي هريرة السفر قطعة من العذاب فقط . قال أبو حاتم : وأبو زرعة صدوق ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، عن اثنتين وتسعين سنة . الثاني : محمد بن إبراهيم بن دينار المدني ، ويقال : الأنصاري ، كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ، فقيها فاضلا له بالعلم عناية . قال البخاري : هو معروف بالحديث ، وقال أبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة . الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة القرشي العامري المدني ، الثقة كبير الشأن ، وقال أحمد : كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكا كان أشد تنقية للرجال منه ، وأقدمه المهدي بغداد حتى حدث بها ، ثم رجع يريد المدينة ، فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة ، ولد سنة ثمانين . الرابع : سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني . الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن إبراهيم بن المنذر ، عن ابن أبي فديك . وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن المثنى ، عن عثمان بن عمر ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة . بيان الإعراب والمعاني قوله قلت : يا رسول الله ويروى : قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله كثيرا صفة لقوله حديثا ؛ لأنه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل . قوله أنساه جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة أخرى لقوله حديثا والنسيان جهل بعد العلم . والفرق بينه وبين السهو أن النسيان زوال عن الحافظة والمدركة ، والسهو زوال عن الحافظة فقط ، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه ، والخطأ ما لا يتنبه به ، ويقال : المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب ، وإن كان لا على ما ينبغي ينظر ، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط وإن كان من غير قصد منه ، فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه فهو السهو وإلا فهو الخطأ ، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلته عن الحفظ ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض . قوله قال أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : ابسط رداءك . قوله فبسطته عطف على ابسط ، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف ، والذي يمنعه يقدر شيئا ، والتقدير لما قال : ابسط رداءك امتثلت أمره فبسطته ، فغرف ، أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه ؛ لأنه لم يكن إلا إشارة محضة . قوله ضمه بالهاء رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ضم بلا هاء ، والضمير يرجع إلى الحديث ، يدل عليه ما روي في غير الصحيح فغرف بيديه ، ثم قال : ضم .. الحديث . وفي بعض طرقه عند البخاري : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي . هذا ، وفي مسلم : أيكم يبسط ثوبه فيأخذ ؟ فذكره بمعناه ، ثم قال : فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ، ففي قوله بعد ذلك اليوم دليل على العموم وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئا سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أن ذلك خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله من مقالته تلك ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة : إنه شكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ينسى ، ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان . قلت : تنكير شيئا بعد النفي يدل على العموم ؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه ، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره ، فإن قلت : قوله فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا يدل على تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط ، وقوله فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به يدل على تخصيص عدم النسيان بالحديث فقط . قلت : الجواب يفهم مما ذكرناه الآن ، وكيف لا وأبو هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من الحديث ؟ ! فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها أو نقول : ويحتمل أن يكون قد وقعت له قضيتان إحداهما خاصة والأخرى عامة ، فإن قلت : ما هذه المقالة ؟ قلت : هي مبهمة في جميع طرق الحديث من رواية الزهري غير أنه صرح بها في طريق أخرى عن أبي هريرة ، أخرجها أبو نعيم في الحلية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى ، فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة . وقال الشيخ قطب الدين : وقوله وضمه فيه ثلاث لغات في الميم الفتح والكسر والضم ، وقال بعضهم : لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده ، واختاره الفارسي ، وجوزه صاحب الفصيح وغيره . قلت : مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين : الأول : ضم الميم تبعا للضاد . والثاني : فتحها ؛ لأن الفتحة أخف الحركات . والثالث : كسرها ؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر . والرابع : فك الإدغام أعني اضمم . وقال بعضهم : ويجوز ضمها ، وقيل : يتعين لأجل ضمة الهاء . قلت : دعوى التعيين غير صحيحة ، ولا كون الضمة لأجل الهاء وإنما هو لأجل ضمة الضاد كما ذكرنا ، وقال : ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء . قلت : إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم ، وإن أراد مطلقا فممنوع فافهم ؛ فإن مثل هذا لا يحققه إلا من أمعن في النظر في العلوم الآلية . قوله بعد بضم الدال ؛ لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم ، وفي بعض النسخ بعده أي بعد هذا الضم . ومما يستفاد منه : معجزة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث رفع من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان ، حتى قيل : إنه مشتق منه ، وحصول هذا من بسط الرداء وضمه أيضا معجزة ؛ حيث جعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ، فأخذ غرفة منه ورماها في ردائه ، ومثل بذلك في عالم الحس . حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا ابن أبي فديك بهذا ، أو قال : غرف بيده فيه . ساق البخاري الحديث المذكور بهذا السند بعينه في علامات النبوة ، فقال : حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، إني سمعت منك حديثا كثيرا فأنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطت ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت حديثا بعد . والاختلاف بين الحديثين في بعض الألفاظ ، ففي الأول : إني أسمع منك ، وفي هذا سمعت منك وهناك أنساه وهاهنا : فأنساه بالفاء ، وهناك فبسطته وهنا فبسطت بدون ضمير المفعول ، وهناك فغرف بيديه وهاهنا بيده ، وهناك فما نسيت شيئا وهنا فما نسيت حديثا . وفي رواية الأكثرين في حديث الباب : فغرف ، ووقع في رواية المستملي وحده يحذف ، وقال صاحب المطالع في باب حفظ العلم في رواية المستملي : قوله ابسط رداءك قول ابن أبي فديك ، وقال : يحذف فيه ، أي كأنه يرمي بيده في رداء أبي هريرة شيئا لما كان قبل ذلك فغرف بيده ، ثم قال : ضمه ، انتهى كلامه . وادعى بعضهم أن هذا تصحيف ، ولم يقم عليه برهانا غير أنه قال : لما وضح من سياقه في علامات النبوة ، وقد رواه ابن سعد في الطبقات ، عن ابن أبي فديك ، فقال : فغرف ، وهذا ليس يقوم به دليل على ما لا يخفى ، ولو كان تصحيفا لنبه عليه صاحب المطالع . وإبراهيم بن المنذر مر في أول كتاب العلم ، وابن أبي فديك هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني ، وأبو فديك بضم الفاء وفتح الدال المهملة اسمه دينار ، مات سنة مائتين . قوله بهذا أي بهذا الحديث ، قوله قال أي ابن أبي فديك : يحذف بيده إلى فيه ، من الحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة وبالفاء . وفي العباب في فصل الحاء المهملة : حذفته بالعصا أي رميته ، وهو بين كل حاذف وقاذف ، فالحاذف بالعصا والقاذف بالحجر . وقال الليث : الحذف الرمي عن جانب ، والضرب عن جانب ، وقال في فصل الخاء المعجمة : الخذف رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما ، تأخذه بين سبابتيك تخذف به . قلت : ومن هذا قال بعضهم : الحذف بالمهملة بالعصا والخذف بالمعجمة بالحصى . وقال الكرماني : وقد وجد في بعض النسخ هاهنا : حدثنا إبراهيم بن المنذر .. إلخ ، ثم قال : والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضا عن ابن أبي ذئب ، فيتفق معه إلى آخر الإسناد الأول مع احتمال روايته عن غيره . قلت : هذا غفلة منه ، ولو اطلع على ما رواه البخاري في علامات النبوة لما تردد هاهنا ولجزم برواية ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب .