باب حفظ العلم
حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب ، قال : حدثنا محمد بن إبراهيم بن دينار ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطته ، قال : فغرف بيديه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت شيئا بعده . مطابقة هذا الحديث للترجمة بطريق الالتزام ، والحديث الماضي بطريق المطابقة ، وأحاديث الباب ثلاثة كلها عن أبي هريرة ، والحديث الثالث يدل على أنه لم يحدث بجميع محفوظه ، ودلالته على الترجمة بالمطابقة . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : أحمد بن أبي بكر ، واسم أبي بكر القاسم ، وقيل : زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف أبو مصعب الزهري العوفي ، قاضي المدينة وعالمها ، وهو أحد من حمل الموطأ ، عن مالك ، روى عنه الستة لكن النسائي بواسطة .
وأخرج له مسلم حديث أبي هريرة السفر قطعة من العذاب فقط . قال أبو حاتم : وأبو زرعة صدوق ، مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين ، عن اثنتين وتسعين سنة . الثاني : محمد بن إبراهيم بن دينار المدني ، ويقال : الأنصاري ، كان مفتي أهل المدينة مع مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة ، فقيها فاضلا له بالعلم عناية .
قال البخاري : هو معروف بالحديث ، وقال أبو حاتم : ثقة ، روى له الجماعة . الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب بكسر الذال المعجمة القرشي العامري المدني ، الثقة كبير الشأن ، وقال أحمد : كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكا كان أشد تنقية للرجال منه ، وأقدمه المهدي بغداد حتى حدث بها ، ثم رجع يريد المدينة ، فمات بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة ، ولد سنة ثمانين . الرابع : سعيد بن أبي سعيد المقبري المدني .
الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم مدنيون ، ومنها أن كلهم أئمة أجلاء . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن إبراهيم بن المنذر ، عن ابن أبي فديك .
وأخرجه الترمذي في المناقب عن محمد بن المثنى ، عن عثمان بن عمر ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد ، عن أبي هريرة ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، قد روي من غير وجه عن أبي هريرة . بيان الإعراب والمعاني قوله قلت : يا رسول الله ويروى : قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله كثيرا صفة لقوله حديثا ؛ لأنه باعتبار كونه اسم جنس يطلق على الكثير والقليل . قوله أنساه جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة أخرى لقوله حديثا والنسيان جهل بعد العلم .
والفرق بينه وبين السهو أن النسيان زوال عن الحافظة والمدركة ، والسهو زوال عن الحافظة فقط ، والفرق بين السهو والخطأ أن السهو ما يتنبه صاحبه بأدنى تنبيه ، والخطأ ما لا يتنبه به ، ويقال : المأتي به إن كان على جهة ما ينبغي فهو الصواب ، وإن كان لا على ما ينبغي ينظر ، فإن كان مع قصد من الآتي به يسمى الغلط وإن كان من غير قصد منه ، فإن كان يتنبه بأيسر تنبيه فهو السهو وإلا فهو الخطأ ، والنسيان حالة تعتري الإنسان من غير اختياره توجب غفلته عن الحفظ ، والغفلة ترك الالتفات بسبب أمر عارض . قوله قال أي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة : ابسط رداءك . قوله فبسطته عطف على ابسط ، وعطف الخبر على الإنشاء فيه خلاف ، والذي يمنعه يقدر شيئا ، والتقدير لما قال : ابسط رداءك امتثلت أمره فبسطته ، فغرف ، أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، ولم يذكر المغروف ولا المغروف منه ؛ لأنه لم يكن إلا إشارة محضة .
قوله ضمه بالهاء رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني ضم بلا هاء ، والضمير يرجع إلى الحديث ، يدل عليه ما روي في غير الصحيح فغرف بيديه ، ثم قال : ضم . . الحديث . وفي بعض طرقه عند البخاري : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ، ثم يجمعها إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا ، فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقالته ثم جمعتها إلى صدري ، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي .
هذا ، وفي مسلم : أيكم يبسط ثوبه فيأخذ ؟ فذكره بمعناه ، ثم قال : فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به ، ففي قوله بعد ذلك اليوم دليل على العموم وعلى أنه بعد ذلك لم ينس شيئا سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أن ذلك خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله من مقالته تلك ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة : إنه شكى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ينسى ، ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان . قلت : تنكير شيئا بعد النفي يدل على العموم ؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه ، فدل على العموم في عدم النسيان لكل شيء من الحديث وغيره ، فإن قلت : قوله فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا يدل على تخصيص عدم النسيان بتلك المقالة فقط ، وقوله فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئا حدثني به يدل على تخصيص عدم النسيان بالحديث فقط . قلت : الجواب يفهم مما ذكرناه الآن ، وكيف لا وأبو هريرة استدل بذلك على كثرة محفوظه من الحديث ؟ ! فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها أو نقول : ويحتمل أن يكون قد وقعت له قضيتان إحداهما خاصة والأخرى عامة ، فإن قلت : ما هذه المقالة ؟ قلت : هي مبهمة في جميع طرق الحديث من رواية الزهري غير أنه صرح بها في طريق أخرى عن أبي هريرة ، أخرجها أبو نعيم في الحلية ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى ، فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة .
وقال الشيخ قطب الدين : وقوله وضمه فيه ثلاث لغات في الميم الفتح والكسر والضم ، وقال بعضهم : لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده ، واختاره الفارسي ، وجوزه صاحب الفصيح وغيره . قلت : مثل هذه الكلمة يجوز فيه أربعة أوجه من حيث قواعد الصرفيين : الأول : ضم الميم تبعا للضاد . والثاني : فتحها ؛ لأن الفتحة أخف الحركات .
والثالث : كسرها ؛ لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر . والرابع : فك الإدغام أعني اضمم . وقال بعضهم : ويجوز ضمها ، وقيل : يتعين لأجل ضمة الهاء .
قلت : دعوى التعيين غير صحيحة ، ولا كون الضمة لأجل الهاء وإنما هو لأجل ضمة الضاد كما ذكرنا ، وقال : ويجوز كسرها لكن مع إسكان الهاء . قلت : إن أراد بالإسكان في حالة الوقف فمسلم ، وإن أراد مطلقا فممنوع فافهم ؛ فإن مثل هذا لا يحققه إلا من أمعن في النظر في العلوم الآلية . قوله بعد بضم الدال ؛ لأنه قطع من الإضافة فيبنى على الضم ، وفي بعض النسخ بعده أي بعد هذا الضم .
ومما يستفاد منه : معجزة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث رفع من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان ، حتى قيل : إنه مشتق منه ، وحصول هذا من بسط الرداء وضمه أيضا معجزة ؛ حيث جعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ، فأخذ غرفة منه ورماها في ردائه ، ومثل بذلك في عالم الحس . حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا ابن أبي فديك بهذا ، أو قال : غرف بيده فيه . ساق البخاري الحديث المذكور بهذا السند بعينه في علامات النبوة ، فقال : حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا ابن أبي فديك ، عن ابن أبي ذئب ، عن المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، إني سمعت منك حديثا كثيرا فأنساه ، قال : ابسط رداءك ، فبسطت ، فغرف بيده فيه ، ثم قال : ضمه ، فضممته ، فما نسيت حديثا بعد .
والاختلاف بين الحديثين في بعض الألفاظ ، ففي الأول : إني أسمع منك ، وفي هذا سمعت منك وهناك أنساه وهاهنا : فأنساه بالفاء ، وهناك فبسطته وهنا فبسطت بدون ضمير المفعول ، وهناك فغرف بيديه وهاهنا بيده ، وهناك فما نسيت شيئا وهنا فما نسيت حديثا . وفي رواية الأكثرين في حديث الباب : فغرف ، ووقع في رواية المستملي وحده يحذف ، وقال صاحب المطالع في باب حفظ العلم في رواية المستملي : قوله ابسط رداءك قول ابن أبي فديك ، وقال : يحذف فيه ، أي كأنه يرمي بيده في رداء أبي هريرة شيئا لما كان قبل ذلك فغرف بيده ، ثم قال : ضمه ، انتهى كلامه . وادعى بعضهم أن هذا تصحيف ، ولم يقم عليه برهانا غير أنه قال : لما وضح من سياقه في علامات النبوة ، وقد رواه ابن سعد في الطبقات ، عن ابن أبي فديك ، فقال : فغرف ، وهذا ليس يقوم به دليل على ما لا يخفى ، ولو كان تصحيفا لنبه عليه صاحب المطالع .
وإبراهيم بن المنذر مر في أول كتاب العلم ، وابن أبي فديك هو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني ، وأبو فديك بضم الفاء وفتح الدال المهملة اسمه دينار ، مات سنة مائتين . قوله بهذا أي بهذا الحديث ، قوله قال أي ابن أبي فديك : يحذف بيده إلى فيه ، من الحذف بالحاء المهملة والذال المعجمة وبالفاء . وفي العباب في فصل الحاء المهملة : حذفته بالعصا أي رميته ، وهو بين كل حاذف وقاذف ، فالحاذف بالعصا والقاذف بالحجر .
وقال الليث : الحذف الرمي عن جانب ، والضرب عن جانب ، وقال في فصل الخاء المعجمة : الخذف رميك بحصاة أو نواة أو نحوهما ، تأخذه بين سبابتيك تخذف به . قلت : ومن هذا قال بعضهم : الحذف بالمهملة بالعصا والخذف بالمعجمة بالحصى . وقال الكرماني : وقد وجد في بعض النسخ هاهنا : حدثنا إبراهيم بن المنذر . .
إلخ ، ثم قال : والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضا عن ابن أبي ذئب ، فيتفق معه إلى آخر الإسناد الأول مع احتمال روايته عن غيره . قلت : هذا غفلة منه ، ولو اطلع على ما رواه البخاري في علامات النبوة لما تردد هاهنا ولجزم برواية ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب .